حشد مليوني محمدي يُحي قيم الثورة على كل مظاهر الظلم

3

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
26 أغسطس 2026مـ – 13 ربيع الأول 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

احتشادٌ روحانيٌّ مهيب غَصّت به الساحات المركزية في العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة على نحوٍ لافت ومثير لذعر المتربصين شرًا بهذا الشعب وأرضه. وحُقَّ لهم اليوم -وهم يتأملون في هذه السيول البشرية- أن يقلقوا، وأن يندبوا عقوداً من المؤامرات وما أُهدروا فيها من جهد وأموال؛ سعياً لاحتواء شعب الإيمان وتدجين وعيه وفصله عن رموزه الدينية.

حشودٌ مليونية جَسّدت أعلى معاني الولاء لرسول الرحمة والإنسانية، ورَسّخت قيمَ العزة والإباء، ورفضِ الضيم، ونصرةِ المظلوم، والجهرِ بالحق؛ وهي القيمُ السامية التي بعث بها اللهُ نبِيَّه، كي تستعيد الأمةُ بتمسُّكِها بها المكانةَ الرفيعة التي ارتضاها الله لها.

على هذا النحو، قرأ أعداء الأمة المشهد المحمدي المليوني وتلك الروح الحية التي ضجت بها الساحات، حيث ارتفع في سمائها هتاف الأصوات الملبية لنداء رسول الله؛ الذي دعاهم لما يحييهم، فاستجابوا له بما عُرفوا به من صدق الإيمان وعميق الحكمة.

الأعظم احتفاء بذكر مولد الهدى
ولم يخطئ أرباب الشر، راسمو خطط استهداف البشرية في قراءة المشهد، فالاحتشاد الكبير الذي لا يزال يتربع قائمة المحتفين بذكرى مولد هادي العالمين، قد صاغ رسائله المزلزِلة، بان الولاء لرسول الله لا يقف عند حد الطقوس الشكلية، وإنما يزيد على ذلك باستلهام مجموعة القيم الإنسانية والأخلاقية، التي ربى عليها الرسولُ الأمةَ وباتت تمثل طوق النجاة من كل هذا السقوط الذي يعيشه العالم.

ومن ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء إلى أربع عشرة ساحة مركزية في المحافظات الحرة شكّل الحب لرسول الله وثيقة سياسية وعسكرية تؤكد أن بُنية المجتمعات الصلبة لا تُقاس بالحسابات المادية المجرّدة، بل بمدى تمسكها بعقيدتها، وامتلاكها لـ “الكتلة الحرجة” والجمع القادر على قلب الطاولة على من استمرأوا الظلم، وإعادة صياغة المواقف الطبيعية لمواجهة قوى الشر ولصوص مقدرات الأمم والشعوب.

وقد ظهر الشعب اليمني بالفعل كـ”كتلة حرجة”، مثيرة للإحباط. فخلال ما يقارب 12 سنة، راهن أعداء اليمن على إمكانية تفكيك هذه الكتلة، وتوجيه هذا الشعب إلى الوجهة التي تنطوي على ثقافة التبعية والانبهار بالحضارة الغربية الزائفة، والصور الوهمية لأنظمة غربية تدعي الدفاع والانتصار لمنظومة القيم، والأصل أنها من تحالفت مع الشيطان لطمس كل معالم هذه المنظومة.

مظلة الرسول الجامعة في زمن التشظي
في الاحتشاد المليوني حُبّاً لرسول الله، قدم اليمنيون نموذجاً حياً لإمكانية تغيير أسلوب التعامل مع التحديات ومخططات الإلغاء التي مورست ضد الأمة الإسلامية لعقود ونجحت في شل قدراتها، كما نجحت في توجيه اهتمامها إلى حدود المعيشة. فقال الجَمْع إن واحدية الموقف وصدق التحرك قادر على فرض التأثير المانع لاستمرار هذا الاستهداف الشيطاني.

وفي مقابل حالة التشظي والتشرذم، والنسيج الاجتماعي المفكك الذي تعيشه المجتمعات بسبب الانخراط -عن قصد أو غير قصد- في مشروع الإخضاع للأمة، فاجأ الشعب اليمني العالم باستمرارية الالتحام الجمعي مع منهجية رسول الله، وهذا الصوت الواحد في رفع شعارات الثبات على ما جاء به الرسول الكريم، والتفويض الجماعي لقائد الثورة لاتخاذ القرارات اللازمة والمضي بالدولة إلى واقع التحولات، على مستوى استعادة السيادة الكاملة على الجغرافيا اليمنية، وبناء القوة الرادعة للنزعات العدوانية، ووضع مداميك البناء لليمن الجديد الحديث.

 

التلاحم الذي صعق ارباب الشر
تلاحمٌ استثنائي تجسّد في أبهى صوره؛ ذابت فيه الفوارق الفئوية والمناطقية لصالح هوية إيمانيةٍ جامعة، فصعقَ أرباب المحاولات الفاشلة الذين سعوا لزعزعة قوام هذا المجتمع المتماسك، وأحال كيدَهم ومشاريعَ استهدافهم إلى مجرد أحلام يقظة وخيبات متراكمة.

وكان من أعظم المظاهر التي عكست عمق هذا الوعي وأصالته، حالةُ التناغم الميداني والتكامل الخلاق بين ضيوف رسول الله من المشاركين في إحياء هذه المناسبة الشريفة، وبين اللجان التنظيمية والأمنية والصحية والإعلامية؛ حيث تسابق الجميع بروح الجسد الواحد لخدمة بعضهم والحفاظ على بهاء هذا اليوم، ورسموا لوحةً متكاملةً من الانضباط والتكافل والوعي الراقي.

 

من الضغط المادي إلى الصمود وقوة المبادرة
كما برزت في حشود الاحتفاء بذكرى المولد النبوي المفارقةُ المثيرة في قدرة الشعب اليمني، أنصار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، على التدفق الكثيف بحماس واشتياق رغم اتساع المعاناة المعيشية التي يعيشها الناس بسبب حصار التحالف السعودي الأمريكي، إذ كشف هذا الخروج كيف تحوَّل الحرمان المادي والوضع الاقتصادي إلى شحنة معنوية، وأعاد تعريف المعاناة اليومية باعتبارها ضريبة واجبة للدفاع عن الهوية والكرامة.

استخدم التحالف السعودي الأمريكي الحصار الاقتصادي ونقل وظائف البنك المركزي وتوقف رواتب الموظفين وملف النفط كأدوات خنق ممنهجة بهدف إيصال الشعب اليمني إلى نقطة “الانفجار الداخلي”. إلا أن النتائج الميدانية والحشود المليونية يوم ميلاد رسول الله، جاءت عكسية تماماً؛ إذ حوّلت العقيدة الضغط المادي إلى محرّك إضافي للصمود وقوة المبادرة،

وتَحوَّل الإيمان والعقيدة إلى كاسر لفاعلية الحصار، حين خرج المواطن المحاصر ليعلن انتماءه الروحي والمبدئي لله ورسوله وسط الضغوط المعيشية، فسلب أوراق الضغط الاقتصادي قدرتها على ابتزاز الموقف السياسي، فظهر المشهد بشعب أحال “الاحتياج المادي” إلى “استبسال عقائدي” تحطمت عنده كل رهانات التحالف السعودي الأمريكي على إحداث انكماش أو فتور داخلي نتيجة الضغط المعيشي.

 

الوقود الحقيقي لولادة خيارات الردع
الجهل كان يقف على صدارة الخلفية التي بنى الأعداء على أساسها مخططهم لاستهداف هذا الشعب، إذ جهِلوا بأنه -وعلى مدى التاريخ- لم تخضع الشعوب التي تمتلك مخزوناً حضارياً وعقائديّاً لمنطق التجويع، بل كان الحصار دائماً الوقود الحقيقي لولادة خيارات الردع الاستراتيجي، وهو ما تجسد في الواقع اليمني حين تحول من موقع المدافع المحاصر إلى دولة تمتلك ذراعاً عسكرية وطائرات مسيرة وصواريخ باليستية قادرة على فرض معادلات تسعير النفط ومنع تصديره عبر موانئ الضبة والنشيمة لحين سداد الاستحقاقات اليمنية المُحقة.

اليمني في صلب الموروث الإسلامي
إن التمعن في التاريخ اليمني يوضح أن هذا التفاعل الاستثنائي ليس طفرة سياسية ولا وليد ظروف آنية، بل هو امتداد طبيعي لدور يمني تاريخي متجذر في صلب الموروث الإسلامي. فاليمانيون الذين أشرقت بجهادهم فتوحات الإسلام الأولى، وكانوا أصحاب السبق في نصرة النبي وآله، يعيدون اليوم إنتاج الأدوار التاريخية بصيغ حديثة تتناسب مع طبيعة المواجهة المعاصرة. فقد اختار اليمن دائماً أن يكون في الموقف الصلب والأنصاري، حين تتراجع بقية المنظومات الإقليمية وتخضع لإملاءات الهيمنة الخارجية. ويؤكد هذا الارتباط التاريخي أن محاولات تجريف الهوية الوطنية والإيمانية للشعب اليمني عبر القصف، والحروب الناعمة والملساء، والاختراقات الإعلامية قد باءت بالفشل الذريع، فقوة الاستدعاء التاريخي تجعل الملايين يتحركون بدافع من المسؤولية الحضارية.

وقد بات يُنظر إلى الصمود اليمني في وجه الغطرسة الأمريكية باعتباره حلقة مكمِّلة لنضال الأجداد ضد طغيان الإمبراطوريات المتتابعة. وهذه الرؤية التاريخية الصلبة هي ما يمنح المقاتل في الجبهات والمواطن المحاصر ذلك الثبات الأسطوري الذي أربك مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية في كل العواصم الغربية.

 

رسائل حازمة للرياض وتحالفاتها
وأمام حشود ضيوف رسول الله، يقف القارئ السياسي أمام “استعراض ديموغرافي وتعبوي” موجه بالأساس إلى العواصم الإقليمية، وعلى رأسها الرياض. إن هذا النفير البشري بعد عقد ونيف من القصف والحصار هو رسالة عملياتية مفادها: “صنعاء لا تملك مقاتلين على الخطوط الأمامية فحسب، بل تمتلك خزاناً بشرياً استراتيجياً لا ينضب”.

إن خروج الملايين بتلك الحماسة والشدة مثّل بذاته استفتاءً بالدم للسير في خيارات المواجهة، وأسقط الرهان السعودي الأمريكي على “تآكل الروح القتالية” مع الوقت لدى الشارع اليمني، أو اقتناع الجماهير بجدوى القبول بشروط الهدنة العرجاء التي لا تفضي إلى رفع شامل للحصار وتلبية استحقاقات الملف الإنساني.

ولا شك بأن القيادة العسكرية والسياسية للتحالف قد تلقت إشارة حازمة؛ مفادها أن أي رهان على إنهاك الشارع اليمني أو التعويل على عامل الزمن هو رهان أثبت فشله الميداني. وهذا الحشد المليوني يُترجم عمق الجاهزية للتضحية، ويرسل تحذيراً شديد اللهجة بأن أي توجه نحو التصعيد أو الخيار العسكري مجدداً سيواجه بجدار بشري وعسكري متماسك، يملك الإرادة للذهاب إلى أبعد مدى في خيارات المواجهة.

وتكتسب هذه الرسائل طابعاً أشد خطورة بالنظر إلى بيانات القوات المسلحة اليمنية وتصريحات القيادة السياسية التي تؤكد -باستمرارٍ- أن الهدنة الشفاهية حالة مؤقتة لن تستمر إلى الأبد، وأن القدرات التصنيعية والميدانية قد ضاعفت من كفاءتها أثناء سنوات الخفض العسكري الميداني، ما يجعل أي استئناف للعمليات العسكرية أقوى وأعمق أثراً في العمق الإقليمي.

معادلة القوة والقرار الوطني السيادي
تضع هذه المعطيات جميعها الأطراف الإقليمية والدولية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإذعان لحقيقة أن اليمن بات يملك معادلة القوة والقرار الوطني السيادي وتلبية كافة المقتضيات الإنسانية والسياسية المفضية لإعادة كل الحقوق، والإلغاء الكامل لأي ترتيبات أجنبية تستهدف النهب أو فرض الهيمنة، وإما الذهاب نحو جولات جديدة من الصراع ستنكسر فيها التحالفات مجدداً أمام كتلة بشرية وعسكرية تستند إلى قوة الله سبحانه، وغير قابلة للاستنزاف. فتلك الحشود اليمنية ليست هندسة لمشهد إخباري، وإنما “ترمومتر” لقياس موازين القوى في شبه الجزيرة العربية. فقد أثبتت اثنتا عشرة سنة من الصراع أن الاستثمار السعودي والإماراتي في التفتيت الداخلي والضغط الاقتصادي أتى بنتائج عكسية، مصدِّراً للعالم شعباً مشبعاً بعقيدة المواجهة، ممتلكاً لزمام المبادرة الميدانية، ومستعداً للذهاب إلى أقصى حدود التضحية لحماية خياراته الاستراتيجية ودوره الريادي.