عروسُ المجرّات في رداءِ الأنصار: قراءةٌ في طقوسِ “الربيعِ المحمدي” باليمن

9

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

26 أغسطس 2026مـ – 13 ربيع الأول 1448هـ

من قممِ الجبال التي حنّت أسبابُها إلى السماء، ومن قاعِ المدينةِ التي تنفست من مآذنِها العتيقة أريج التاريخ، تشهدُ العاصمة صنعاءُ والمحافظاتُ الحرةُ ملحمةً استثنائية يتماهى فيها الوجدانُ الشعبيُّ بالطقسِ الروحي. ليس المولدُ النبوي الشريف في هذا القطر المترامي مجردَ تقويمٍ يُطوى، ولا مناسبةً عابرةً تعبرها الأيام، بل هو موسمٌ لإعادةِ تشكيلِ المساحةِ بصريًا ووجدانيًا؛ حيث ترتدي المدنُ والقرى رداءً أخضرَ من الأنوار والشوق، مستعادةً ذكرياتِ الهجرةِ الأولى وصوتَ الأنصارِ الأولين.

بين حبرِ الصحافةِ الذي يرصدُ زَخَمَ الساحات، وأدبِ الكلمةِ الذي يستبطنُ شجنَ القلوبِ وولهَ الموالد، يتتبع هذا التقريرُ ملامحَ الابتهاجِ الاستثنائي. إنه رصدٌ لملحمةٍ يختلطُ فيها التكافل الاجتماعي بالوفاء الروحي، وتتحول فيها الطرقاتُ والأسواقُ والمجالسُ إلى سيمفونية إيمانية، تُعلنُ من خلالها هذه الجغرافيا الباسلةُ ارتباطَها السرمدي بنبي الرحمة، وموقفَها الثابتَ في نصرة قضايا الأمة وقيمها الأصيلة.

 

عندما تتنفّسُ الجغرافيا الخضراء وتستيقظُ حجارةُ التاريخ

مع تباشيرِ هلالِ شهرِ “ربيع الأول” من كل عام، تتسللُ إشراقةٌ روحانيةٌ فريدة إلى تفاصيلِ الجغرافيا اليمنية، لتخلعَ عن جبالِها العاتية وأزقّتِها العتيقة صبتَها اليومية العادية، ومسحةَ الرماد التي طالما واجهت بها تقلباتِ الزمن. لم تعد العاصمةُ صنعاءُ مجردَ مدينةٍ مبنيةٍ من الحجرِ والمدرِ والآجرِ القديم، ولا الحديدةُ مجردَ شريطٍ ساحليٍّ يسامرُ أمواجَ البحرِ الأحمرِ في صمتٍ، بل غدت هذه المدن والمحافظاتُ الحرةُ كافة ملحمةً بصريّةً وروحيةً مفتوحةً على سعةِ السماء. تتداخل في هذا الموسم التقاليدُ الإيمانيةُ الضاربة في عمق التاريخ بالتعبيرات الشعبيّة العفوية، لتتحول الجغرافيا بأسرها إلى مسرحٍ مفتوحٍ للإجلالِ والجمال.

فذلكم هو المشهدُ المنظور: منذُ مطلعِ الشهر، تتبدّلُ ملامحُ الشوارعِ حجرًا حجرًا وشجرةً شجرة. تتوشحُ صنعاءُ القديمةُ بمنازلها المدرجة، ومعها ذمارُ بحقولها، والحديدةُ بنخيلها، وحجةُ وصعدةُ بقممهما الشاهقة، وإبُ الخضراء، والبيضاء، والمحويت، والجوف، حللاً وسابغاتٍ من الأنوار الضوئيةِ الخضراء. تحولت هذه الإضاءات في الأمسيات إلى طيفٍ إيمانيٍّ يسحرُ العيون ويستبدّ بالألباب. تكتسي المآذنُ السامقة التي تعانق السحاب، والأزقةُ الضيقة التي تفوح برائحة التاريخ، وصولاً إلى أسطحِ المنازلِ الطينيةِ والحجريةِ ورؤوسِ الجبالِ المنيعة، بآلافِ اللوحاتِ القماشية والخطوطِ التشكيلية والافتات الضوئية التي تلهجُ بأسماءِ الرسولِ الأعظم (صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، وتستعرضُ صفاتِهِ ونعوتَهُ وتستدعِي مآثره.

يتراءى للمتأمّلِ والزائرِ في هذه الأيام أنَّ الطبيعةَ الصامتة والمبانيَ التاريخية قد عقدت حلفًا وجدانيًا مع الساكنين من البشر؛ فالألوانُ الخضراءُ المتوهجة التي تغمر الليالي ليست مجرد ديكوراتٍ مناسباتية تتكررُ شكليًا، ولا زينةً عابرةً تُرفعُ وتوضع، بل هي طقسٌ جماليٌّ ونفسيٌّ يعيدُ ترتيبَ العلاقةِ الوجدانية بين الإنسان اليمني وموروثِهِ المحمدي الأصيل. إنها استعادةٌ حيةٌ ومجسمةٌ لملحمةِ الاستقبالِ الأولى، حين فتح الأنصارُ الأوائل قلوبهم وأبوابهم لنور الهجرة النبوية الشريفة، فأتت هذه المشاهد لتسير على الخطة ذاتها وتستحضر الروح ذاتها بعد قرونٍ طويلة.

 

نبضُ الشارع.. سيمفونيةُ الابتهاجِ العفوي والتكافل الإنساني

تتجلّى القيمةُ الأدبيةُ والإنسانيةُ لهذه المناسبة في السلوك اليومي والتفاصيل الدقيقة للمواطنين في الأسواق والمنازل والأحياء السكنية؛ فالاحتفاءُ بالمولدِ النبويّ الشريف في المحافظات الحرة ليس قرارًا إداريًا تُمليه المؤسسات، ولا الفعاليةُ مهرجانًا محدودًا تُقام فقراته في صالةٍ مغلقةٍ أو مسرحٍ مهجور، بل هو حالةٌ مجتمعيةٌ شاملةٌ وعميقة تتسعُ لجميع الفئات وتتداخل فيها أصوات الأطفال بوقار الشيوخ.

• جدرانٌ تتحدث بلسان الحب والجمال: ينهمكُ الخطاطون والرسامون المتطوعون من الشباب والأطفال في تزويق الجدران العامة والواجهات الجصية بأجمل الخطوط العربية، من كوفي ورقعة وتلث. تستحيلُ المساحاتُ الممتدة الصامتة على جوانب الطرقات إلى لوحاتٍ تشكيلية تقطرُ ثناءً وشوقًا للنبي الكريم، حيث تتمازجُ عبارات “لبك يا رسول الله” مع زخارف ورقية وشتلات زراعية تُزرع خصيصًا لهذه المناسبة.

• حركةُ الأسواق وتكافلُ القلوب: تشهد الأسواقُ التجارية والشعبية حركةً دؤوبة غير مسبوقة؛ حيث يُقبل المواطنون على شراء الأعلام والرايات ومستلزمات الزينة والحلويات. وتتوازى هذه الحركة الاقتصادية مع نموٍّ لافت للمبادرات المجتمعية العفوية؛ فيسارع الأهالي لتنظيف الحارات، وتدهين الأرصفة، وتزيين منازل الفقراء والمحتاجين، فضلاً عن إطلاق حملات توزيع “جعالة المولد” والصدقات والوجبات الغذائية على الأسرة العفيفة واليتامى، صانعةً حالةً مشهودة من التكافل الاجتماعي والتراحم البشري الذي يترجم أخلاق صاحب الذكرى في أبهى صورها.

• أمسياتُ الحارات (الموالد): مع هبوط الليل، تعلو من المجالس الشعبية، والكتاتيب القرآنية، والمساجد الجامعة، أصوات الموشحات اليمنية الأصيلة والقصائد الساحرة في المدح المحمدي. تُتلى بُردةُ البوصيري ودلائل الخيرات وديوان ابن علوان والشرعي بحناجر تعصر الشوق، في امتزاجٍ نادر بين الأصالة الفنية والوجدانيات الإيمانية التي تطرد كآبة الحياة وتمنح النفوس طمأنينةً وسلامًا.

حشدُ الساحات.. عندما يفيضُ “السبعين” وأخواته بالبشر

حين يحينُ الموعدُ المُحدد للفعالية المركزية الكبرى في الثاني عشر من ربيع الأول، تتوقف حركات السير الاعتيادية وتتحول الطرقاتُ الرئيسية والمنافذ الممتدة لـ مئات الكيلومترات إلى أنهُرٍ بشرية تتدفقُ في انسيابٍ عجيب نحو الساحات التي أُعدت ليستوعبها الشوق المحمدي.

• ميدان السبعين في صنعاء.. البحر البشري: يمثّل هذا الميدان الفسيح قلب الفعالية النابض وشريانها الرئيس، حيث تتجمع ملايين الحشود في مشهدٍ هندسي وتنظيمي يبعث على الذهول. تحتشد الأبدان كتفًا إلى كتف تحت شمس الظهيرة دون تذمر أو تدافع. وتتكامل التجهيزات التقنية الشاملة من أبراج الصوت العملاقة الممتدة على طول الميدان، والشاشات الرقمية الضخمة، إلى جانب الترتيبات الأمنية المنظمة، والفرق الصحية الميدانية التي تنتشر لتقديم الخدمات الإسعافية وتأمين حركة الملايين.

• ساحات المحافظات الحرة.. امتداد الوفاء: لا يقتصر هذا المشهد على العاصمة وحدها، بل تتكرر الملحمة ذاتها وبنفس الزخم الجماهيري في أكثر من خمس عشرة ساحة مركزية أخرى بالحديدة، وصعدة، وذمار، وحجة، وإب، والبيضاء، وعمران، والمحويت، والجوف، وسفيان. تتراصف الجموع الغفيرة حافيةَ الأقدامِ في بعض المسارات رمزًا للتواضع والاشتياق، مرفوعةَ الهاماتِ كبرياءً، تظللها الأعلام الخضراء والبيضاء في مشهدٍ مهيب يغطي أديم الأرض.

• الساحات النسائية.. حضورُ الفاطميات: لا تقل الساحاتُ المخصصةُ للنساء (مثل ساحة الكلية الحربية بصنعاء والساحات المقابلة في كافة المحافظات) زخمًا وحضورًا وتنظيمًا؛ إذ تشرف عليها كوادرُ نسائية بالكامل إدارةً وتنظيمًا وإسعافًا وتوجيهًا، لترسمَ المرأةُ اليمنية بصمتَها الإيمانيةَ الخاصة، مؤكدةً أن الوفاء لرسول الله هو ميزة مجتمعية جامعة لا تستثني أحداً.

الدلالاتُ الفكرية والسياسية للحشد المليوني

يقدم هذا الحشدُ المليوني الاستثنائي الذي يتكرر سنويًا قراءةً عميقة يتجاوزُ أثرُها البعدَ الشعائريّ أو العاطفي البسيط؛ ليتحول إلى رسالة استراتيجية وفكرية تترجم “الهوية الإيمانية” لأحفاد الأنصار في عصر التحديات الكبرى.

1. تأكيد الارتباط بالنبي الأكرم كرمز للوحدة: يعتبر المحتفلون أن هذا الابتهاج العارم ليس نافلةً أو طقسًا هامشيًا، بل هو استمرارٌ طبيعي ومباشر لنصرة أجدادهم من الأوس والخزرج لرسول الله يوم استقبلوه بـ “طلع البدر علينا”، وتأكيدٌ على مرجعية النبي الجامعة التي تتسامى فوق كل الخلافات الفرعية.

2. الرفض القاطع لمحاولات التغريب والطمس: يُقرأ هذا الاستنفار الجماهيري كجدار صدٍّ صلب أمام محاولات التجريف الثقافي أو المساس بالمقدسات والرموز الإسلامية، ورداً عملياً وميدانياً على محاولات إبعاد الأجيال الناشئة عن قيمها الدينية والروحية الأصيلة.

3. التضامن الراسخ مع قضايا الأمة وعلى رأسها فلسطين: تشكل القضية الفلسطينية ونصرة أهالي غزة والمستضعفين ركنًا رئيسيًا ومحوريًا في الخطابات والبيانات الصادرة عن هذه المناسبة، حيث تُربط سيرة الرسول الجهادية والأخلاقية بإنصاف المظلومين، ومواجهة قوى الاستكبار العالمي، والتأكيد على أن الأمة التي تحتفي بنبيها لا يمكن أن تتخلي عن مقدساتها في القدس والأقصى الشريف.

الخلاصة والبعد الإنساني للملحمة

إنَّ ما تشهده العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة في موسم المولد النبوي الشريف ليس مجرد تظاهرةٍ موسمية عابرة تنتهي بانتهاء ساعات النهار، بل هو تجسيدٌ حيٌّ وعميق لامتزاج الموروث بالواقع، والفن بالدين، والمشاعر العفوية الصادقة بالتأطير الشعبي الراسخ.

إنها لحظةٌ يمنية فارقة تتوقف فيها ساعة الزمان، ليعلن الشجر والحجر والإنسان بلغةٍ واحدة أن الوفاء لرسول الله هو عقدٌ غير قابل للنقض، وأن قسوة الظروف وتراكم الأزمات لا تزيد هذا الشعب إلا تمسكًا بقيمه الإيمانية الأصيلة، وابتهاجًا متجددًا بذكرى نبي الرحمة والسلام، الهادي الذي أخرج البشرية من ظلمات الجهل إلى نور العدل والحرية.