العالم الإسلامي في المولد النبوي.. طقوس متنوعة تجمعها محبة الرسول الأكرم محمد
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
24 أغسطس 2026مـ – 11 ربيع الأول 1448هـ
تـقـريــر || محمد ناصر حتروش
تولي الدول الإسلامية غير العربية اهتماماً بالغاً بإحياء المولد النبوي الشريف، على صاحبه أتم الصلاة والتسليم، فما إن يطل الربيع المحمدي، وفي يومه الأغر الثاني عشر من ربيع الأول، حتى تتزين تلك الدول بمظاهر البهجة والفرح احتفاءً بمولد النور محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وتكشف مظاهر الاحتفاء المتنوعة في الدول الإسلامية بمختلف القارات عن المكانة الرفيعة التي تحظى بها هذه الذكرى في وجدان المسلمين، وما تمثله من مناسبة جامعة لاستحضار السيرة النبوية والتعبير عن المحبة والتعظيم للنبي الكريم.
ورغم الإساءات المتكررة التي تطال الرسول الأكرم والمقدسات الإسلامية، تواصل الشعوب الإسلامية إحياء هذه المناسبة، مؤكدةً أن محاولات الإساءة لا تنال من قدسية المولد النبوي ولا تقلل من مكانته الراسخة في وجدان الأمة.
في السياق، تتصدر جمهورية باكستان الإسلامية مشهد الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف بين الدول الإسلامية في القارة الآسيوية، عبر فعاليات رسمية وشعبية واسعة تجمع بين المراسم الاحتفالية والمواكب الجماهيرية ومظاهر التكافل الاجتماعي.
وتبدأ مراسم الثاني عشر من ربيع الأول مع ساعات الفجر بإطلاق 31 طلقة مدفعية في العاصمة إسلام آباد، و21 طلقة في عواصم الأقاليم الأربعة، تعبيراً عن التقدير والتبجيل للمناسبة.
وتنظم الحكومة الفيدرالية مؤتمراً دولياً للسيرة النبوية بمشاركة علماء وباحثين من مختلف دول العالم الإسلامي، وتمنح جوائز لأفضل البحوث والمؤلفات في الشمائل والسيرة المحمدية.
وتعلن السلطات عطلة رسمية، فيما تتزين المباني الحكومية والبرلمان والساحات العامة بآلاف الإضاءات والمجسمات الضوئية المستوحاة من رمزية المسجد النبوي واللون الأخضر.
وشعبياً، تشهد كراتشي ولاهور مسيرات ومواكب ضخمة ضمن احتفالات «جشن ميلاد النبي»، بمشاركة المواطنين راجلين وفي سيارات مزينة بالورود والأعلام الخضراء، مرددين التكبيرات والصلوات على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مع توزيع الحلوى على المارة.
وتنشط مجالس “النعت” والمديح النبوي، فيما تُقام موائد ما تسمى “بلنغر” المفتوحة، بالتزامن مع حملات للتبرع بالدم وزيارة المرضى والتشجير، في مشهد يعكس اتساع مظاهر الاحتفاء بالمولد في مختلف أنحاء البلاد.
إيران تجعل المولد جسراً للوحدة
فيما تؤطر الجمهورية الإسلامية في إيران احتفالات المولد النبوي الشريف ضمن سياق مؤسسي يركز على التقريب بين المذاهب الإسلامية، مستفيدةً من تنوعها القومي والمذهبي.
وتنطلق الاحتفالات رسمياً ضمن “أسبوع الوحدة الإسلامية”، الممتد من الثاني عشر إلى السابع عشر من ربيع الأول، وفق اختلاف الروايات حول تاريخ المولد بين أهل السنة والشيعة الإمامية، وتشهد خلاله مختلف المحافظات فعاليات مشتركة.
وتستضيف طهران المؤتمر الدولي للوحدة الإسلامية، الذي ينظمه المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، بمشاركة مئات العلماء والمفكرين والشخصيات من مختلف دول العالم الإسلامي، لبحث قضايا الأمة وتعزيز التضامن والوحدة الإسلامية.
وشعبياً، تجسد مجالس الإنشاد والمديح النبوي التنوع اللغوي والقومي، فتتردد القصائد بالفارسية والكردية، ولا سيما في كوردستان وسنندج، إلى جانب المديح باللغتين البلوشية والعربية في مناطق أخرى، بينها خوزستان.
وتتزين العتبات والمراكز الدينية والميادين الكبرى بالإضاءات واللافتات الخضراء وعبارات التهنئة، وفي مقدمتها حرم الإمام الرضا في مشهد، وحرم السيدة المعصومة في قم، ومسجد جمكران.
وتنتشر “محطات الصلوات” وخيام الضيافة الشعبية، التي تقدم الشاي والحلويات والوجبات النذرية «نذري» للمارة والفقراء، في مشهد يجمع بين الاحتفاء الديني والتقارب المجتمعي.
إندونيسيا تحيي المولد بتراثها
بدورها، تقدّم إندونيسيا نموذجاً فريداً في الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف، أو “مولد نبي”، عبر مزج الطقوس الدينية بالثقافة الجاوية والتراث الملايوي.
ويبرز مهرجان “غريبغ مولود” في يوغياكارتا وسورا كارتا، حيث يصنع موظفو القصر “أبدي دالم” أهرامات “غونونغان” من المحاصيل والخضروات والفواكه والمأكولات التقليدية، وتحمل في مواكب حاشدة إلى الجامع الكبير “غيده كاومان”، حيث تقام الأدعية وقراءة السيرة، قبل أن يتهافت المواطنون على ثمارها طلباً للبركة ونماء المحاصيل، في تقليد يُعرف بـ”ريبوتان”.
ويسبق المولد بأسبوع تقليد “سيكاتين”، بإخراج آلات “الجاميلان” السلطانية إلى المسجد وعزف ألحان تراثية لحث الناس على الاجتماع والاستماع إلى مجالس السيرة.
الهند تحتفي بالمولد بتنوع استثنائي
كما تحتفي جمهورية الهند بالمولد النبوي الشريف بمشاركة شعبية واسعة، يحييها نحو 200 مليون مسلم، في مشهد يمزج عراقة شبه القارة الهندية بتنوعها اللغوي والإثني.
وفي كشمير، يتصدر جامع حضرة بال المشهد، حيث يُعرض الأثر النبوي الشريف المتمثل في شعرة من رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمام مئات الآلاف من الزوار، في أجواء إيمانية يغلب عليها البكاء والابتهال.
وفي حيدر أباد الدكن، تتزين منطقة “شارمينار” ومسجد مكة بآلاف الإضاءات، وتنطلق منها مسيرات منظمة، فيما تشهد دلهي ومومباي مواكب حاشدة ترفع الأعلام الخضراء، وتزين السيارات والجمال بالورود والشعارات الإسلامية.
وتنتشر موائد “اللَّنغَر المحمدي” لتقديم البرياني والمأكولات التقليدية مجاناً للجميع، فيما تتنوع مجالس “النعت” بين الأوردية والأردية الدكنية والملايالية والمليبارية، وتنظم المدارس مسابقات للأطفال في السيرة النبوية.
وتزين العائلات منازلها بالأعلام والمجسمات المضيئة، وتعد الحلويات الهندية لتوزيعها على الجيران والأقارب، في مشهد يثبت تنوع الاحتفاء بالمولد في أنحاء الهند.
ماليزيا.. المولد النبوي بعباءة وطنية
تُحيي ماليزيا ذكرى المولد النبوي الشريف بتنظيم مؤسسي وحكومي رفيع المستوى، يمزج الانضباط الحديث بالهوية والثقافة الملايوية.
ويقام الاحتفال المركزي في مسجد بوترا أو المسجد الوطني بكوالالمبور، بحضور ملك ماليزيا ورئيس الوزراء والقيادات السياسية والدينية، فيما تنطلق مسيرات راجلة تضم آلاف المشاركين من الوزارات والقوات المسلحة والمدارس والشركات الوطنية، مرتدين الزي الملايوي التقليدي وغطاء الرأس والوشاح.
وتُقام مآدب طعام جماعية تُقدَّم خلالها أطباق شعبية، من أبرزها “الريندانج”، وهو طبق تقليدي من اللحم يعود أصله إلى شعب “المينانغكاباو” في إندونيسيا، قبل أن تنتشر شعبيته على نطاق واسع في ماليزيا وسنغافورة، ويُصنَّف ضمن أشهى الأطباق في عدد من التصنيفات الدولية.
ويحضر “الناسي ليماك”، وهو من أشهر الوجبات الشعبية المتكاملة، ويؤكل في مختلف أوقات اليوم، ولا سيما على وجبة الإفطار، ويعني اسمه حرفياً “الأرز الدهني” أو “الأرز الغني”.
وتُقدَّم هذه المآدب للحاضرين والمساكين، في مشهد يجسّد قيم التضامن والتكافل الاجتماعي، ويعكس روح التعاون والمشاركة في إحياء المناسبة.
وتمنح الحكومة خلال الحفل “جائزة المولد النبوي الوطنية” للشخصيات البارزة في خدمة المجتمع والتعليم والأبحاث الإسلامية والعمل الإنساني، فيما تنظم إدارة التنمية الإسلامية والمؤسسات الثقافية معارض تفاعلية تستخدم الواقع الافتراضي والهولوجرام لعرض معالم السيرة النبوية، خصوصاً للشباب.
وتشهد المساجد والأحياء مجالس مسائية لقراءة «المولد المحمدي» وإلقاء القصائد بالملايوية والعربية، تعقبها خطب موجهة للأسرة والشباب.
تركيا.. المولد بذاكرة عثمانية متجددة
وفي السياق ذاته، تُحيي تركيا ذكرى المولد النبوي الشريف بمزيج من الإرث العثماني والتأطير الأكاديمي والمؤسسي الحديث، عبر فعاليات دينية وثقافية تمتد على مدار أسبوع.
وتنظم رئاسة الشؤون الدينية أسبوع المولد النبوي تحت شعار سنوي، ويتضمن مؤتمرات وندوات علمية وتوزيع كتب ومطبوعات مجانية عن السيرة بعدة لغات.
وتقام الفعاليات الكبرى في المساجد التاريخية، بينها آيا صوفيا والسليمانية والسلطان أحمد في إسطنبول، وجامع سليمية في إدرنة، بحضور العلماء والقراء.
ويحتل إنشاد “وسيلة النجاة” للشاعر العثماني سليمان جلبي مكانة بارزة، حيث يُبث عبر التلفزيون الرسمي والمساجد، ويردد الحاضرون الصلوات عند الوصول إلى فصل ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وتُعرف المناسبة بـ”قنديل المولد”، فيما تضيء المساجد بإضاءات معلقة بين المآذن، حاملة عبارات التوحيد والترحيب بالمولد.
وشعبياً، تُوزع حلوى “كنديل سميدي” والشربات والحلقوم على المصلين والجيران، في مشهد يجمع بين الاحتفاء بالمولد واستمرار تقاليد الضيافة العثمانية.
بنغلاديش.. المولد النبوي في مواكب مليونية
تُحيي بنغلاديش ذكرى المولد النبوي الشريف بزخم شعبي وديني واسع، وتعلن الدولة المناسبة عطلة رسمية في مختلف أنحاء البلاد.
وفي شيتاغونغ، العاصمة الاقتصادية، تنظم الطرق الصوفية، ولا سيما الطريقة القادرية السيركوتية، أحد أضخم المواكب الدينية، بمشاركة ملايين المواطنين راجلين وفي مركبات مزينة بالأعلام الخضراء، وتمتد المسيرة كيلومترات عبر الشوارع الرئيسية.
وفي العاصمة داكا، تنطلق مسيرات حاشدة تنتهي في صحن جامع بيت المكرم الوطني، حيث يستمع المشاركون إلى خطب السيرة النبوية ويشاركون في الصلوات الجماعية.
وتنظم المؤسسة الإسلامية البنغالية ندوات ومسامرات فكرية حول السيرة وحياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأثرها في السلم المجتمعي، فيما تنشط مجالس «الميلاد الشريف» والمديح النبوي بالبنغالية والأوردية، إلى جانب مسابقات حفظ القرآن والسيرة.
اجتماعياً، يُطهى “تبرك المولد” من البرياني أو الخيتشوري ويوزع على الحشود والفقراء وعابري السبيل، كما توزع “الروسوغولا” والحلويات التقليدية في المدارس ودور الأيتام، بالتزامن مع مبادرات لتوزيع الملابس والصدقات على الأسر المتعففة، تعزيزاً للتكافل والتراحم.
