اليمن يتهيأ لعرس إيماني استثنائي في ذكرى مولد النور.. استعدادات غير مسبوقة في ساحات الحشد المحمدي
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
23 أغسطس 2026مـ – 10 ربيع الأول 1448هـ
تـقـريــر || نوح جلّاس
تعيش جغرافيا اليمن هذه الأيام على وقع ترانيم نبويّة، لتلتحم القلوب في ملحمة إيمانية مشهودة تتجدد مع كل إشراقة لذكرى المولد النبوي الشريف؛ حيث تتسابق الروح اليمنية المتشبعة بالولاء لرسول الإنسانية، لترسم لوحةً فريدة يُعزف فيها ألق الابتهاج الشغوف على الساحات المعبّدة وقمم الجبال ودروب السواحل وأعماق الصحارى، في ظل ترتيبات غير مسبوقة، تعبر عن انتماء يماني أصيل يتجسد في حركة ميدانية دؤوبة تحوّل كل شبر في اليمن إلى محراب نوارني يفيض بالحب والوفاء للرحمة المهداة.
وفي هذا المشهد الاستثنائي، الذي تحولت فيه المحافظات والمدن إلى سماء مفتوحة تتلألأ بالمصابيح الزاهية، وتتسابق فيها الهمم لتذليل التضاريس وتطويع المستحيل، معلنةً حالة استنفار شعبي ورسمي عارم لاستقبال الحشود البشرية المليونية، تتشكل الملامح الاحتفائية كملحمة بصريّة وميدانية تتجاوز الشكليات اللوجستية.
كما أن الأجواء والمجريات الحالية عبارة عن حراك احتفائي عارم يكسو الجغرافيا اليمنية من المدينة إلى الساحل إلى الجبل، فيما تتحول المحافظات في هذه الأيام إلى ساحات مفتوحة تتنافس في إظهار الابتهاج، مبددة ظلمة الليل بالمصابيح الزاهية، ومسخرة كافة الجهود الميدانية لتهيئة الساحات الكبرى لاستقبال الحشود البشرية.
وتتصدر العاصمة صنعاء هذا التوهج بصفتها مركز الثقل الجماهيري الأكبر؛ حيث يتولى مئات العمال المتطوعين والفرق الميدانية في ميدان السبعين تجهيز مساحات الرصف، وتركيب الشاشات العملاقة، وتنظيم خطوط السير والخدمات الطبية لضمان انسيابية دخول المحتشدين، وذلك كآخر اللمسات قبل العرس المحمدي البهيج.
ويرصد مراسل المسيرة إسماعيل المضواحي آخر التطورات، مؤكداً أن فرق العمل تعمل ليلاً ونهاراً على مدار الأربع والعشرين ساعة، مشيراً إلى أن الساحة في ميدان السبعين أصبحت شبه جاهزة، وأن العمل يجري على إجراء التجارب الفنية واستكمال بقية الإجراءات المتعلقة باحتضان الحشود.
وبالانتقال غرباً نحو الحديدة، تكتسي حارس البحر الأحمر رداءً ضوئياً ساحلياً يمتد من الموانئ وحتى شوارع الحوك والحالي؛ في حين يتحد الدفء التهامي مع روح المناسبة من خلال تزيين قوارب الصيد التقليدية بالأضواء الخضراء في مشهد بحري بديع.
هذه المناظر البهيجة، تتزامن مع عكوف اللجان الميدانية على تجهيز ساحات الاحتفال الكبرى في ساحات العروض والحسينية ومضمار الفروسية، حيث يشير مراسل المسيرة أحمد عبدالعزيز إلى أن هناك ترتيبات أمنية وكوادر صحية يجري ترتيبها قبل اللحظات الأخيرة لإعلان جهوزية الساحات.
ويلفت إلى أنه يتم مسح الأرضيات وتوفير مظلات الوقاية من الشمس ومنظومات التبريد لخدمة الزوار عبر مرشات الماء التي تطلق الرذاذ لتلطيف الجو وتبريده بحكم ارتفاع درجة الحرارة في المحافظة خلال هذه الفترة.
وفي السياق، تستنفر محافظة عمران طاقاتها من خلال قرب الانتهاء من تجهيز الساحة المركزية بالمحافظة وساحة مدينة حوث والساحة المخصصة للحشود النسائية.
ويشير مراسل المسيرة محمد الصديق إلى أن الاستعدادات وصلت إلى أكثر من 95%، لافتاً إلى أن الفرق تواصل عملها على مدار الساعة، مؤكداً أن كل الكوادر المتخصصة لتنظيم الحشود وتقديم الخدمات المختلفة للحشود هي كوادر من أبناء المحافظة ذاتها، وذلك نتيجة تراكم الخبرات من الأعوام الماضية.
من جهتها، تنساب الأجواء في ريمة من فوق الشواهق والسطوح الوعرة، حيث يتحدى الأحرار المحمديون الطبيعة الجغرافية الصعبة عبر إضاءة المدرجات الزراعية وقمم الجبال باللون الأخضر في منظر هندسي ساحر، بالتوازي مع الاستعدادات الجارية لتجهيز ساحة الجبين والساحة المخصصة للحشود النسائية.
وهنا يوضح مراسل المسيرة عاطف المرشدي أن ساحة الرسول الأعظم بمديرية الجبين جاهزة بنسبة 90%، مشيراً إلى أن طول الساحة يتجاوز نصف كيلو متر وعرضها يتجاوز ربع كيلومتر.
ويلفت إلى أن فرق العمل الميدانية تبذل جهوداً مضنية في توسعة وتجهيز الطرق المؤدية إلى الساحتين، في حين تؤكد هذه الجهود أن أحرار ريمة وهم يتغلبون على طبيعة الجغرافيا، فإنهم يحرصون على إظهار المناسبة في أرقى مستوياتها.
أمّا في صحراء الجوف، فتتخذ التحضيرات بعداً مجتمعياً وميدانياً فريداً يستوقف الوجدان؛ حيث تتحول كثبان الصحراء الشاسعة إلى ملتقى لترسيم أبهى صور التلاحم القبلي والوطني.
وهنا يؤكد مراسل المسيرة محمد النوعة أن كل مديريات الجوف ستجتمع في ساحة واحدة لتعزيز اللحمة، ما يصنع صورة استثنائية من التآلف والوحدة التي تثمرها هذه المناسبة الدينية.
وأوضح أن هناك ترتيبات مكثفة لعقد صلوحات قبلية بين قبائل الجوف وإنهاء النزاعات الثأرية، ما يمنح المناسبة بعداً إيمانياً ومجتمعياً سامياً؛ حيث تؤكد قبائل الجوف بصوت واحد أن نبيها يجمع شملها ويقوي شوكتها، وأنها باجتماعها في هذه الساحة أضحت أقوى وأصلب من أي وقت مضى.
ورأى النوعة أن المناسبة هذا العام تتجاوز أبعاد الأعوام السابقة؛ ففي ساحة الرسول الأعظم بحزم الجوف جرى توسيعها بشكل واسع ليتسنى لكل أحرار مديريات الجوف الاحتشاد في ساحة واحدة لتتآلف القلوب تحت راية المحبة النبوية.
وفي سياق متصل تُقام المخيمات الكبرى في الجوف لاستقبال وفود القبائل المترامية، وتُزين سيارات المواطنين والمركبات الخدمية بالزينة الضوئية الخضراء، متناغمة مع المظاهر الثقافية المحلية التي تمزج بين أصالة زامل الترحيب وعروض الخيل والهجن البديعة.
من جانبها، تتحول محافظة إب، لواء الأخضر الطبيعي، إلى جنة ضوئية يتناغم فيها الشجر مع الضوء؛ حيث تلتقط عدسة المسيرة المشهد من المرتفعات لتظهر حجم النور البهيج المبتهج بالعرس المحمدي الأغر.
وهنا تلتف المظاهر الاحتفالية حول الشوارع والميادين الرئيسية، وتُجهز اللجان التنظيمية ساحة المدينة والساحات المعتمدة بأحدث وسائل التغطية الميدانية والخدمية لاستيعاب التدفق الجماهيري من مختلف المديريات.
وفي تعز، تتجلى ملحمة إيمانية ووطنية ذات طابع استثنائي يعكس الصلابة والوفاء؛ حيث تتكامل الترتيبات في ساحتي الرسول الأعظم والشهيد القائد، بالإضافة إلى ساحة القاعة الرياضية المخصصة للحشود النسائية والواقعة في مديرية مقبنة.
وهناك، تعكف الفرق التطوعية بروح لا تعرف الكلل على رفع اللافتات المضيئة وتجهيز الساحات الكبرى وتزويدها بالمرافق الطبية واللوجستية، فيما تتزين الطرقات الرابطة بين القرى بالأضواء الخضراء الباهرة، لتشكل لوحة تضامن واحتفاء تملأ الأودية والمحاطات الجبلية بتماسك مجتمعي مهيب.
وفي هذا السياق، يلفت مراسل المسيرة جميل المقرمي إلى أن الاستعدادات التقنية والأمنية والصحية بلغت أقصى درجات الجهوزية.
وأشار المقرمي بوضوح إلى الأبعاد الاستثنائية لتعز؛ فرغم الحساسية الميدانية والتعقيدات التي يفرضها تصعيد المرتزقة في مناطق التماس القريبة، إلا أن أحرار محافظة تعز يتجاوزون كل التحديات، ويعملون ليلاً ونهاراً دون توقف لتجهيز الساحات واحتضان الحشود المحمدية الغفيرة، مستمدين من صاحب الذكرى العزيمة للتغلب على كافة الظروف الأمنية والجغرافية الصعبة.
وعلى امتداد المرتفعات الغربية في حجة، تتزين قلعة حجة وشوارع المحافظة وميادينها الشاهقة بالأضواء الخضراء التي تُرى من مسافات بعيدة.
وتكثف اللجان التنفيذية جهودها لتسوية وتجهيز الساحات الاحتفالية في عبس ومدينة حجة ومستبأ، وتأمين كافة وسائل النقل والإمداد اللوجستي للوفود القادمة من القرى والمديريات الحدودية.
ويؤكد مراسل المسيرة وليد المطهر أن هناك جهوزية تامة وتوضع اللمسات الأخيرة في الساحات لتكون شبه جاهزة.
إلى ذلك تكتمل الدائرة الاحتفالية في ذمار، حيث تُصبح المحافظة نقطة ربط وسطى تنبض بالنشاط الميداني؛ فالساحات الاحتفالية الكبرى على خطوط السير الرئيسية تُجهز وتُزود بكافة الاحتياجات اللوجستية.
وبما أن ذمار تعودت أن تجدد سنوياً مظاهر الاحتفاء، فقد أكد مراسل المسيرة شرف الدين الرحبي أنه تم تجهيز إنشاءات هندسية للمنصة تتضمن وسائل التصوير عبر الألياف الضوئية للبث المباشر.
ولفت إلى أنه تم تعبيد الساحة المركزية بطول 400 متر طولاً وأكثر من نصف المساحة عرضاً، مشيراً إلى أن المحافظة سحتضن ثلاث ساحات، منها ساحة واحدة للنساء، مؤكداً وجود تفاعل غير مسبوق من قبل أبناء المحافظة.
وتطرق إلى أن الجهات الحكومية المعنية بخدمات الكهرباء والمياه والمرور والأمن كلها سخرت كل إمكانياتها لخدمة ضيوف رسول الله.
وبالتزامن مع ذلك، تكتسي مباني ذمار وجامعتها وشوارعها باللون الأخضر، في ظل حركة دؤوبة لا تتوقف من اللجان التنظيمية والمتطوعين لإخراج المحفل الإيماني بأبهى صورة.
وبهذا الحراك اليماني المحمدي، فإن هذا الاحتشاد الجماهيري والاستنفار الميداني الشامل يبرز للعالم أجمع أن اليمن أمة حيّة تُستعاد في وجدانها قيم الرسالة الأولى، وذلك بتحويل الساحات والجبال والأودية والصحارى إلى منابر ضوئية مشعة، يرسم رسالة صمود وثبات تتجاوز كل محاولات التغييب والتزييف، لتؤكد أن حب النبي الأعظم وآله هو الملاذ والجامع والدافع الأساسي لبناء حاضر اليمن ومستقبله الشامخ.
ومع قرب اختتام الاستعدادات قبل بدء العرس المحمدي الأغر، يكتب اليمن بالخط العريض في يوم المولد النبوي الشريف فصلاً جديداً من فصول التلاحم والوفاء، حيث تلتقي قلوب أبنائه في هتاف موحد يتردد صداه بين القمم والوديان، وهي اللحظة التي تتجلى فيها هُوية الشعب اليماني وتتسامى فوق كل الجراح، لتقدم أنموذجاً يمانياً خالداً في التمسك بالقيم والولاء، وتؤكد للعالم أن نور المحبة النبوية يظل المصدر الذي يستمد منه هذا الشعب صبره وقوته وعزة انتصاراته.
