من التوثيق الميداني إلى التصنيع.. ما وراء تصاعد القدرات العسكرية اليمنية؟

0

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

23 أغسطس 2026مـ – 10 ربيع الأول 1448هـ

تقرير || محمد ناصر حتروش

تكشف مسيرة المواجهة الممتدة منذ 12 عامًا، عن تطورٍ متواصل في قدرات القوات المسلحة اليمنية، التي أظهرت مستوى عاليًا من التكيف والتفنن القتالي في المجالين الدفاعي والهجومي، بما يؤكّد امتلاك الجيش اليمني قدرات عسكرية متقدمة تتلاءم مع طبيعة التحديات التي فرضتها مراحل الصراع المتعاقبة.

ومنذ التصدي لتحالف العدوان السعودي الإماراتي، مرورًا بمواجهة التحالف الأوروبي، وصولًا إلى التحالف الأمريكي في حقبته الثانية التي تزعمها ترامب، استمرت القوات المسلحة اليمنية في تطوير قدراتها وأساليبها القتالية، الأمر الذي دفع المجرم ترامب إلى الإقرار، عقب شهرين متواصلين من التصعيد، بكفاءة الجيش اليمني ووصفه بالشجاع.

وفي أحدث مؤشر على هذا التطور، بث الإعلام الحربي مشاهد نوعية لعمليات استهداف تحشيدات وأدوات تابعة للعدو السعودي في مأرب والساحل الغربي، أظهرت لقطات لمصرع عدد من أدوات العدو إثر استهدافهم بطائرة «رجوم» المسيّرة اليمنية الصنع.

وتكتسب هذه المشاهد دلالتها الاستراتيجية، كونها تزامنت مع إقرار مراكز الدراسات العسكرية ووسائل الإعلام الغربية بحدوث تطور نوعي في الطائرات المسيّرة اليمنية، التي دخلت مؤخرًا على خط معركة فرض الحصار مقابل الحصار.

ورغم ذلك، تتجه أبواق العدو الإعلامية إلى محاولة تزييف الحقائق والتقليل من تأثير العمليات العسكرية اليمنية في الداخل السعودي والمحافظات المحتلة، فيما تشير مصادر عسكرية إلى أن المشاهد التي وثقها الإعلام الحربي لا تمثل سوى جزء يسير من العمليات اليومية التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية ضد التحشيدات التابعة للعدو السعودي في مأرب والساحل الغربي.

وتعليقًا على مزاعم أبواق العدوان السعودي في تكذيب مشاهد الإعلام الحربي ووصفها بالذكاء الاصطناعي، يعلق رئيس وكالة الأنباء اليمنية سبأ، نصر الدين عامر، قائلًا: “الإعلام الحربي قرر نشر المشاهد الكاملة لبعض العمليات التي حاولت أبواق العدو السعودي التشكيك فيها”، مؤكدًا أن الهدف هو قطع الشك باليقين وكشف المغالطات التي رافقت محاولات التشكيك بالمشاهد التي وثقت عمليات التنكيل بالتجمعات والتحشيدات السعودية بالطيران المسيّر «رجوم».

وفي سلسلة تغريدات له على منصات التواصل الاجتماعي، يقول عامر: “الإعلام الحربي، ومن باب الاختصار وتقليل مدة الفيديو الذي نشره اليوم، اقتطع الجزء الأهم من تلك العمليات، وهو ما حاولت أبواق العدو استغلاله للضحك على من يصدقها من السذج والتشكيك في بعض المشاهد”، مشيرًا إلى أن تلك المحاولات جاءت بهدف تخفيف الصدمة التي أحدثتها المشاهد لدى ميليشياتهم، رغم أن ما تم عرضه ليس إلا غيضًا من فيض.

ويضيف: “الإعلام الحربي قرر هذه المرة نشر المشاهد التي جرى التشكيك فيها بصورة كاملة، ومن دون اختصار أو تقطيع، وبإيضاح أكبر”، مؤكدًا دقة وفاعلية الضربات بفضل الله وتوفيقه وتسديده.

وفي تعليقه على مقطع الفيديو الذي نشره في صفحته الخاصة على منصة إكس، يقول عامر: “المقطع الجديد لا يتضمن جميع المشاهد التي سبق عرضها، وإنما يتناول بعض المشاهد تحديدًا، ولا سيما تلك التي حاولت أبواق العدو المغالطة والتشكيك حولها”، وخلص إلى أن نشر المشاهد الكاملة يمثل درسًا لأبواق العدو، حتى لا تحاول في المرة القادمة التشكيك في أيّ مشهد يعرضه الإعلام الحربي.

من جانبه، يؤكد الكاتب الصحفي عباس الضالعي أن الجيش اليمني يمتلك خبرة طويلة في استخدام الطائرات المسيّرة، معتبرًا القوات اليمنية من أبرز القوات العالمية التي أدخلت هذا النوع من الطيران في وقت مبكر، إلى جانب امتلاكها عددًا من النسخ المطورة والحديثة ذات المسافات المختلفة.

وبحسب الضالعي؛ فإن أبواق العدو السعودي أقدموا على استفزاز صنعاء في أحد أهم المجالات التي تمتلك فيها خبرة وقدرات متراكمة، مؤكدًا أن عليهم، بعد ذلك، تحمل النتائج، لافتًا إلى أن المقطع الذي جرى نشره يتضمن مشاهد موثقة لعمليات نفذتها قوات صنعاء، وقد بثه الإعلام الحربي التابع لها.

من جانبه، يقول الكاتب الصحفي علي جاحز: “ولدينا مزيد”، هكذا باختصار علّق الناطق الرسمي للقوات المسلحة اليمنية على المشاهد المرعبة التي نشرها الإعلام الحربي اليمني لعمليات القوات المسلحة على تحشيدات العدو السعودي، واصفًا ما ظهر في المشاهد بأنه “فخر السلاح اليمني”، الذي يقصف ويصوّر في الوقت نفسه، معتبرًا أن ذلك “فضل الله”.

التصنيع والابتكار.. رافعة القوة اليمنية

وتكشف طبيعة القدرات العسكرية لدى طرفي المواجهة عن مسارين مختلفين في بناء القوة؛ إذ تعتمد قوات العدو السعودي على شراء ترسانة واسعة من الأسلحة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة التركية والصينية والأمريكية، في حين تعتمد القوات المسلحة اليمنية على التصنيع والابتكار في بناء وتطوير ترسانتها العسكرية.

ويمتد مسار التصنيع اليمني من الطائرات المسيّرة والقذائف إلى الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، بالتوازي مع تطوير قدرات الدفاع الجوي، التي أثبتت، وفق المعطيات الواردة، قدرة عالية على حماية الأجواء اليمنية والتصدي لمئات الطائرات الحربية والمسيّرة مختلفة الصنع، بينها الأمريكية والصينية والتركية، وغيرها من الدول المتقدمة في هذا المجال.

ويثبت هذا المسار انتقال القدرات العسكرية اليمنية من مواجهة الأسلحة المستوردة إلى تطوير منظومات محلية قادرة على التعامل معها، بما يجعل التصنيع والابتكار عنصرين أساسيين في بناء القوة العسكرية اليمنية.

وحول هذا الشأن، يصف عضو المكتب السياسي لأنصار الله، محمد الفرح، أن الفارق بين اليمن والسعودية في مجال التصنيع الحربي بـ”سنوات ضوئية”، موضحًا أن السعودية تعتمد على استيراد السلاح، بينما تطور صنعاء قدراتها في التصنيع والإنتاج المحلي، ما يجعل المقارنة بين التجربتين مرتبطة بالقدرة على إنتاج القوة وصيانتها وتطويرها بقرار وطني مستقل، لا بعدد صفقات السلاح.

وفي رده على من أعادوا تفعيل بروباغندا صهيونية عدوانية، يتساءل عن الأسباب التي تدفع اليمني إلى أن يكون جنديًا يتبع المحتل السعودي ويخوض معركته ضد أبناء بلده وشعبه، قائلاً: “هل اعترضنا سفنًا يمنية؟ وهل أوقفنا مطارات يمنية؟”، مجيبًا بالقول: “المعركة موجهة ضد العدو السعودي بهدف فك الحصار وإيقاف العدوان واستعادة الثروات المنهوبة، وأن حصار الملاحة السعودية مرتبط بفتح الموانئ، وإغلاق المطارات بفتح المطارات اليمنية”، وداعيًا المغرر بهم إلى مغادرة معسكرات العدو السعودي، وعدم إهدار دمائهم في معركة تستخدمهم لتحقيق الاحتلال وقتل الشعب اليمني، كما حث الآباء على سحب أبنائهم من تلك المعسكرات.

وفي سبيل حديثه عن المعارك التي خاضها الجيش اليمني بجدارة محققًا انتصارات كبرى، يستعرض “الفرح” عجز العدو السعودي وأمريكا وكيان العدو الإسرائيلي عن إخضاع اليمن رغم استخدام طائرات وقدرات عسكرية متطورة، مؤكدًا أن اليمن لم يُخضع ولم تُفرض عليه إرادة خارجية، وأن ذلك تحقق بفضل الله والاستناد إلى معونته والتمسك بتوجيهات السيد القائد.

وختم بالتساؤل عن جدوى الادعاء بالانتصار بطائرة مسيّرة تحمل قنبلة يدوية، معتبرًا أن محاولة إخضاع اليمن بالكذب والأوهام والفبركات الإعلامية ليست انتصارًا، وإنما محاولة لتعويض واقع الفشل بخطاب إعلامي وهمي، مؤكدًا أن من يبني حساباته على الوهم سيصطدم بالواقع عندما تأتي النتائج على خلاف ما روّج له.

بدوره، يعتبر عضو المكتب السياسي لأنصار الله، حزام الأسد، أن ما نشره الإعلام الحربي اليوم من مشاهد نوعية لاستهداف القوات المسلحة اليمنية تجمعاتٍ وآلياتٍ تابعة للعدو السعودي بطائرات “رجوم” المسيّرة في مأرب والساحل الغربي، يُعد إقامةً للحجة وتبرئةً للذمة أمام من استهواه الريال السعودي وسوّلت له نفسه خيانة شعبه وبلده.

ويوضح الأسد أن تلك المشاهد تؤكد أن ما ينتظر من يعمل مع العدو السعودي هو الموت والخزي والعار، غير مأسوف عليه، لافتًا إلى أن الفرصة لا تزال سانحة أمام من لا يزال يعمل مع العدو السعودي للعودة إلى جادة الصواب، قبل أن يتخطف روحه شواظ الحديد والنار.

درونز اليمن.. دقة ميدانية بكلفة محدودة

وتأكيدًا على ما تداولته وسائل الإعلام الدولية حول تطوير الطائرات المسيّرة اليمنية الصنع، تقول الناشطة السياسية المتواجدة في أمريكا رابعة الذيباني: “تطور تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في اليمن أصبح حقيقة عسكرية توثقها تقارير وتحليلات دولية”، مشيرةً إلى أن الجيش اليمني أدخل جيلًا جديدًا ومتطورًا من طائرات الـFPV إلى ساحة المعركة، بينها طائرات تعمل بالألياف الضوئية، بما يمنحها اتصالًا أكثر ثباتًا ومقاومة للتشويش الإلكتروني وقدرة على التوجيه الدقيق نحو الهدف.

وتفيد بأن مركز Critical Threats Project ومعهد دراسة الحرب الأمريكي وثّقا في أغسطس 2026 أول استخدام مسجل لأنصار الله لطائرات FPV تعمل بالألياف الضوئية في اليمن، عقب العثور على إحدى هذه الطائرات في مأرب.

وبحسب رابعة، توصلت Sheba Intelligence، بعد تحليل الصور والمقاطع المنشورة، إلى أن هذه المنظومات تمثل تطورًا تكتيكيًا مهمًا، كونها تنقل استخدام الدرونز من الضربات بعيدة المدى إلى أسلحة دقيقة ومنخفضة الكلفة نسبيًا مخصصة لأهداف مباشرة في ساحة المعركة.

وتلفت إلى أن الإعلام الكوري تناول تحليل ISW بشأن قدرة هذه الدرونز على تنفيذ ضربات دقيقة مع صعوبة التشويش عليها بسبب نظام الألياف الضوئية.

وفي جانب الكلفة، تشير رابعة إلى أن تقارير عسكرية حديثة تتحدث عن قدرة اليمنيين على تجميع بعض أنواع الدرونز من مكونات تجارية منخفضة الكلفة، فيما قد تصل تكلفة بعض المنظومات إلى نحو 1500 دولار، مقابل إمكانية استهداف أهداف عسكرية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات.

وتضيف أن المشهد الأخير لدبابة M1A2S Abrams السعودية لفت الانتباه، إذ يظهر الفيديو، بحسب وصفها، درونًا رباعيًا يلقي ذخيرة مباشرة فوق الدبابة، قبل أن تنفجر وتشتعل، معتبرةً أن المفارقة تكمن في الفارق الكبير بين كلفة الدرون والذخيرة وقيمة الدبابة.

وفيما يتعلق بالصور والمقاطع المتداولة، تشدد رابعة على أنها أجرت بحثًا عكسيًا للصور التي يجري تداولها والادعاء بأنها من أوكرانيا، ولم تجد لها نسخًا أقدم تعود إلى أوكرانيا، معتبرة أن الأمر يتعلق بصور ومقاطع جديدة ظهرت مع هذه الجولة من القتال في اليمن.

وتتحدى من يدّعي أن هذه المشاهد كلها مصنوعة بالذكاء الاصطناعي أو مسروقة من أوكرانيا بأن يقدم الأصل الأوكراني أو الصورة أو الفيديو بتاريخ أقدم، مشيرة إلى أن البحث العكسي متاح للجميع، وأنّ موقفها من هذه المشاهد لا يتغير؛ فهي تكره استمرار الحرب واقتتال اليمنيين فيما بينهم، مشددة على عدم رغبتها في أن يصبح اليمن مختبرًا للدرونز والأسلحة الجديدة.

وتستدرك بأن تمني توقف الحرب لا يبرر إنكار الواقع العسكري، معتبرة أن بالإمكان رفض الحرب والمطالبة بالسلام، وفي الوقت نفسه الاعتراف بأن تكنولوجيا الدرونز في اليمن تطورت بسرعة كبيرة، وأن دقتها وكلفتها المنخفضة مقارنة بالأهداف التي تضربها أصبحت موضوعًا يدرسه محللون عسكريون خارج اليمن أيضًا، وتخلص إلى أن الموقف السياسي شيء، والواقع الذي تثبته الصور والتكنولوجيا والتحليل العسكري شيء آخر.