البحيصي يستعرض محطات من السيرة النبوية وابعاد المشروع القرآني في مواجهة جاهلية اليوم وصنميتها
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
21 أغسطس 2026مـ – 8 ربيع الأول 1448هـ
يواصل الشعب اليمني التمسك بالنهج المحمدي، وإحياء ذكرى مولده المبارك عبر القرون، في ظل انسلاخ وابتعاد الأمة عن هذا النهج القويم، وحاجتها الماسة اليوم للعودة الجادة إلى الرسالة المحمدية ومنهاجها ومضامينها وإعلامها في مواجهة جاهلية اليوم، وطواغيتها، وأصنامها البشرية.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب والباحث الدكتور محمد البحيصي في حديثه حول السيرة النبوية: “رسولنا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو محمد القرآني، الذي عرفه القرآن وواكب مسيرته طول البعثة المقدسة الشريفة، وكانت الرعاية الإلهية له سابقة للوجود”.
ويتابع في حديثه لبرنامج “تمام النور” على قناة “المسيرة” الليلة: “عندما نتكلم عن رسولنا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فإنما نستحضر التجلي الإلهي في هذا الكيان المقدس، والإرادة الإلهية في إيجاد هذا العالم، وهذا موضوع يمكن أن يأخذنا، إذا تحدثنا فيه، إلى مسائل عرفانية في غاية العمق، ولهذا نحن نتحدث عن محمد الأول -وهو الذي قال: “وأنا أول المسلمين”- وعن محمد الخاتم الذي هو خاتم النبيين، وهو كلمة الله الكبرى وآيته العظمى في هذا الوجود”.
ويشير إلى أن الله سبحانه بعث سيدنا محمداً -صلوات الله عليه وعلى آله وسلم – في ظرف قاسٍ، ظرف في غاية القسوة، في قريش، وفي مكة أم القرى، حيث كان سادتها وخبراؤها يرعون مصالح خاصة لهم من خلال عبادة الأصنام، وكانت عبادة الأصنام لها بعد اقتصادي هائل، ناهيك عن توارث الشرك وعبادة الأوثان من أجيال كثيرة.
ويوضح أن هذه الوثنية كانت قديمة إلى حد ما في مكة، واستفاد منها أهل مكة في مرحلة من المراحل، والعرب كانت تعظم الكعبة، لكن هذا التعظيم فقد المصداق الصحيح الذي أرسله إبراهيم -سلام الله عليه- عندما جاء إلى مكة.
ويردف : “نحن نعلم أن محمداً رسول الله الأعظم امتداد للخط الإبراهيمي، حيث أمره الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَاتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}، وهذا الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منذ أن صدع بدعوته، منذ أن صدع بالحق الذي أنزل عليه في جبل النور، في غار حراء، الذي يفترض في الأسباب المادية أن هذا الغار المنعزل في جبال مكة لا يعلم به أحد، لا يخرج منه إلا التراب والصخر وربما حتى القسوة بحكم طبيعة الجبال، وإذا به يخرج منه كأنه كان مشكاةً معدة إلهياً لمحمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيخرج منها هذا السيل من النور، هذا الانفجار النوراني الكبير منذ ذلك الوقت، منذ أن أنزل عليه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}”.
ويضيف : “وبدأت المحنة التي أعده الله لها؛ من خاصة قومه، ومعلوم كيف كان مثلاً عمه أبو لهب كيف كان يعامله، بالإضافة إلى كبراء مكة الذين ظنوا أن محمداً جاء لينازعهم السيادة، ومن سخافتهم عرضوا عليه من خلال عمه أبي طالب -سلام الله عليه- عرضوا عليه الدنيا وعرضوا عليه الزعامة، وهذا طبعاً من حيلهم ومكرهم، وإلا فهم لن يتنازلوا عن الزعامة”.
وينوه إلى أنهم لم يستطيعوا فهم أن علاقة السماء بالأرض هي غير علاقة الأصنام والحجارة التي كان قوم قريش يعرفونها، وحتى لو عرفوا فإن الحسد والغيرة والكراهية أكلت قلوبهم، مستدلاً بقولهم الذي نقله الله في القرآن الكريم حين قالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}، وكما قال تعالى عنهم: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}.
محطة الحصار والحزن ودورها في بناء المشروع الرسالي
ويشرح البحيصي بالقول: “في تلك الفترة الصعبة والقاسية، في العام 5 هـ، تعرض الصحابة والرسول –للمضايقات، ولم يكن قادراً على حماية ثلة المؤمنين من عدوانية قريش– فأمرهم بالهجرة إلى الحبشة في العام الخامس، وفي نفس العام، حسب التواقيت التي جاءت في السير، كانت الهجرة الثانية بأعداد ذكرتها كتب السيرة، وكان من الذين هاجروا رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأم سلمة التي صارت فيما بعد زوج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-“.
ويلفت إلى اشتداد الحصار والتضييق على رسول الله، إلى الدرجة التي حُصر فيها مع بني هاشم في شعب أبي طالب، ثلاث سنوات من الحصار الذي يشبه حصار غزة وحصار اليمن، وكأن هذا الحصار محطة ضرورية لبناء الدعاة وبناء هذه الرسالة وبناء هذا المشروع.
ويردف البحيصي: “بعد الحصار، وفي أواخره ولربما بعده مباشرة، توفي أبو طالب الذي كان يمثل السياج الآمن لرسول الله في قريش نظراً لسيادته ومكانته، ثم أعقب وفاته وفاةُ السيدة خديجة، أول المؤمنين برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-“.
ويرى البحيصي أن السيدة خديجة -عليها السلام- “امرأة عظيمة غُبنت في التاريخ بشكل كبير، وهي التي كانت ثانية اثنين، ثم اجتمع إليهما ثالث ثلاثة علي بن أبي طالب وهذا معروف، ثم جاء زيد بن حارثة مولى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والناس بعد لم يكونوا يعرفون أن محمداً نبي، عاشت معه، جاهدت معه، حملت معه الرسالة بكل عنفوان، أنفقت مالها وجاهها في قريش، ثم ماتت -عليها السلام- ولهذا رسول الله، الذي هو معدن الوفاء، سمى ذاك العام عام الحزن”.
ويضيف: “خرج رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من حصار ثلاث سنوات، أكل اللحاء والعظم، إلى انهدام ركن من كان يحميه من قريش وعدوانيتها بحكم حسبه ونسَبه ومكانته، إلى ذلك السكن الذي كان يأوي إليه عندما يواجه هذا العالم الظالم، يعود فيجد هذا الصدر الحنون، هذه الأم العظيمة، هذه الزوجة التي لم ير لها التاريخ مثلاً، ولهذا ضرب بها المثل في الكمال، حتى قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (كمل من النساء أربع)، وذكر منهن خديجة وفاطمة، بالإضافة إلى مريم -سلام الله عليها- وآسية امرأة فرعون”.
كما يقول: “رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُقعده هذا الحزن وهذا الألم -وكان هذا قبل الهجرة بحوالي سنتين في التقديرات التي تتحدث عنها كتب السيرة- لم يُقعده كل هذا العنف وهذا الألم عن مواصلة المسيرة والدعوة إلى الله”.
النفي إلى الطائف وخلاصة المشروع القرآني
وحول محطة الطائف، يقول البحيصي: “ذهب الرسول الأكرم إلى الطائف، وهي إحدى القريتين العظيمتين في الحجاز مكة والطائف، وفي طريقه دعا القبائل ودعا الناس فلم يستجب له أحد، وكان رد الطائف رداً قبيحاً ذميماً، آلم رسول الله حتى أدموا رجليه الشريفتين بالحجارة، وكان ما كان من أمرهم”.
ويتابع: “وهنا يقف رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مناجياً بهذا القلب الكبير الذي يتسع للعالم: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي)”.
ويعتبر البحيصي أن عبارة “إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي” خلاصة المشروع القرآني الذي جاء به السيد حسين -رضوان الله عليه- وحمل الراية من بعده السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله-، مستشهداً بأن كل العالم اليوم غاضب على المشروع القرآني، وعلى أصحاب هذا المشروع، وضربوا اليمن، وهؤلاء الذين لا يخافون في الله لومة لائم، كل الناس لاموهم.
ويستطرد الحديث عن المرحلة المكية بالقول: “ثم أكمل الدعاء من قلب يتفطر ألماً، وعاد إلى مكة، وكانت قريش تريد منعه من العودة باعتباره منفياً، يثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، أو اعتبرته قد انتفى من مكة وارتاحوا منه”.
ويردف: “خرج رجل طيب وكان على الشرك، ولكنه كان صاحب مروءة، وهو المطعم بن عدي، وقال: كيف تمنعون رجلاً مثل هذا؟ وكأنه كان يدرك أهمية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأجاره، وعاد إلى مكة، لكنه عاد محملاً بشحنة كبيرة من الألم والأمل والرجاء، فكانت حينها الإسراء”.
عندما أغلقت أبواب الأرض فتحت أبواب السماء
وفي السياق يقول البحيصي: “حينئذ كان الإسراء في هذا الجو الذي نتخيله؛ كم الإنسان في حاجة للجوء إلى الله والاتجاه إلى الله واستعادة هذه القدرة وإعطاء شحنة معنوية هائلة وثقة ويقين عالٍ، فكأن الله سبحانه وتعالى قال له: إن أبواب الأرض أُصدِدت في وجهك يا حبيبي، سأجعل أبواب السماء كلها مفتوحة لك، مفتوحة لك فأهلاً وسهلاً بك، إذا كان أهل الأرض قد رفضوك فإن أهل السماء قد عشقوك، هلم إلينا، فكان هذا الإسراء”.
ويتحدث البحيصي عن البعد في النص القرآني؛ عندما بدأت سورة الإسراء بكلمة “سبحان” ومكانتها المعبرة عن التجلي الإلهي، وعجب هذه المسألة التي يخوض الناس فيها إلى يومنا هذا؟ وهل أُسري به جسداً وروحاً أم روحاً أم رؤية أم ماذا قيل في هذا؟ لكن الله وهو يعلم أن الناس ستخوض في هذه المسألة وستكون فتنة حتى للمقدمين، فقدم السورة بـ”سبحان”، والتي قال عنها السيد القائد عبد الملك الحوثي: “إنها عجيبة”.
ويتابع: “نحن ندرك من السنن القليل، مصداقاً لقول الله {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، لكن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، ولهذا قدم سبحانه حتى لا أحد يظن؛ لأن التنزيه تنزيه له عن كل نقيصة”، مشدداً على أن هذه حادثة تحتاج إلى قدرة خارقة وإلى قدرة لا يمكن أن يتخيلها الإنسان، تتناسب مع التنزيه الإلهي، لأن الله سبحانه وتعالى لا يخضع لمعاييرنا ولا حساباتنا.
تدشين مشروع الهجرة وواحدية الرسالة والخط
ويضيف: “ومن هنا جاء مطلع الحديث كله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، وهذه الرحلة كانت محطة قدمت للهجرة، وكأنها دشنت مشروع الهجرة، وكأنها كانت هجرة أرضية سماوية، لأن الإسراء ارتبط بالمعراج، كما في سورة النجم {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} إلى آخر الآيات، حتى تحدث القرآن عن سدرة المنتهى وقاب قوسين أو أدنى إلى آخر هذا”.
كما يردف: “هذه الرحلة دشنت لخروج رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من مكة إلى المدينة، لكنها في المقابل، وأنت تقرأ التاريخ، ترى كيف أن إبراهيم -سلام الله عليه- جاء في يوم من الأيام من الأرض المقدسة بيت المقدس إلى مكة، عندما وضع هاجر وإسماعيل -سلام الله عليهما- وهناك دعا ودعا هنا وقال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}”، وكأن دعوة نبي الله إبراهيم من الوفاء لرسول الله سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- أو من سد الدين إذا جاز التعبير أن تكون الرحلة المرة هذه ليست من بيت المقدس إلى مكة، ولكن من مكة إلى بيت المقدس، معتبراً ذلك دليلاً على واحدية الرسالة وواحدية الخط.
