إيران واليمن.. مِن تلقي الضغوط إلى فرض الكلفة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 أغسطس 2026مـ – 7 ربيع الأول 1448هـ
تقرير || وديع العبسي
يكشف مشهد المنطقة -مع ما تعيشه من حالة عدوانية تقودها الولايات المتحدة وأتباعها- كيف أصبحت الجغرافيا البحرية مصدرًا للقوة السياسية، وأداة ضغط مؤثرة في مسار المواجهة. في هذه المعادلة تبدو إيران واليمن أكثر قدرة على استثمار موقعهما الجغرافي مما كانت واشنطن تتوقع، بينما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام حقائق جديدة تنسف حساباتها العسكرية والسياسية، تفيد في المُجمل بأن ما كانت تصدّره وتسوّقه حول ضرورة حماية الممرات البحرية في المنطقة أمر لا يعنيها أصلاً، لا من قريب ولا من بعيد.
وتزداد حساسية المشهد عند النظر إلى مضيقي هرمز وباب المندب باعتبارهما جزءًا من منظومة استراتيجية واحدة، فالأول يمثل بوابة الخليج والممر الأهم لخروج جزء كبير من نفط وغاز المنطقة إلى الأسواق العالمية، فيما يمثل الثاني المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، والطريق البحري الذي تمر عبره صادرات النفط السعودية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية.
كلفة تفعيل هرمز وباب المندب
وعندما يتزامن الضغط على الممرين، فإن الأمر لا يبقى محصورًا في حدود إيران واليمن أو في نطاق الخليج والبحر الأحمر، بل تنتقل آثاره إلى أسواق الطاقة والشحن والتأمين، وإلى الدول التي تعتمد على النفط القادم من المنطقة.
وهنا تظهر أهمية الورقتين الإيرانية واليمنية. فواشنطن، التي اختارت العدوان والحصار والضغط العسكري على إيران، وجدت نفسها أمام مضيق هرمز كمساحة تستطيع طهران من خلالها نقل جانب من كلفة العدوان إلى العُقر الأمريكي. وبالتوازي، وجد اليمن في باب المندب ورقة ضغط مباشرة على العدو السعودي لتغيير سياسته العدائية تجاه الشعب اليمني، بما يجعل كلفة استمرار حصاره وتعطيله المطارات والموانئ اليمنية مرتبطة بمصالحه النفطية والتجارية، وليس بمجرد حسابات عسكرية داخل الأراضي اليمنية.
حلفاء واشنطن يدفعون ثمن حماقاتها
في محاولتها توسيع سياسة الاحتواء بحيث تتجه إلى إنهاء الأنظمة الرافضة لسياستها، راهنت الولايات المتحدة على أن الجمع بين القوة العسكرية والعقوبات والحصار سيجبر إيران على الخضوع لها، وأن تفوقها سيُبقي المعركة تحت السيطرة. إلا أن ما حدث دفع المواجهة إلى مستوى آخر غير متوقع، حين اكتشفت واشنطن بأنها لا تواجه إيران في ساحة عسكرية واحدة، وإنما أصبحت مضطرة إلى حساب أثر الحرب على الطاقة والأسواق. فمضيق هرمز كان يمر عبره قبل الحرب ما يقارب خُمس شحنات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عالميًا، وكانت الأسواق الآسيوية الوجهة الأساسية لغالبية النفط العابر له. وهذه الحقيقة تمنح إيران ورقة استراتيجية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، لأن اضطراب تدفقات الطاقة يضع اقتصادات حليفة لواشنطن أمام كلفة متزايدة للحرب.
حركة ملاحة دولية باستثناء السعودية
ولا تقل الورقة الثانية أهمية، وإن كانت مختلفة في طبيعتها، فاليمن لا يحتاج إلى استهداف الملاحة العالمية حتى يجعل باب المندب عامل ضغط ذا تأثير دولي. وما تقوم به قواته المسلحة هو استهداف الملاحة المرتبطة بالمصالح السعودية، وعلى رأسها حركة النفط عبر البحر الأحمر. وهذه النقطة هي مفتاح فهم التأثير العالمي للورقة اليمنية، فاليمن يستهدف السعودية، لكن الأخيرة ليست دولة نفطية عادية يمكن حصر تداعيات استهداف صادراتها داخل حدودها. فالسعودية من كبار منتجي ومصدري النفط في العالم. ولذلك فإن تعطيل وصول نفطها عبر باب المندب لا يعني أن اليمن قرر إغلاق البحر أمام العالم، وإنما يعني أن شريانًا مهمًا من شرايين تصدير النفط السعودي أصبح تحت الضغط، وبمجرد أن يتأثر هذا الشريان، تنتقل تداعياته إلى المشترين الآسيويين، وإلى الناقلات، وشركات التأمين، وأسعار النفط، ومن ثم إلى السوق العالمية.
وهذا ليس استنتاجاً نظرياً، فقد ذكرت رويترز في 19 أغسطس أن حركة الملاحة العالمية في باب المندب ارتفعت مقارنة بمستويات سابقة، باستثناء شحنات النفط السعودية التي لم تستأنف المرور عبر المضيق منذ إعلان القوات المسلحة اليمنية الحصار البحري على ملاحة الرياض في 20 يوليو.
وهنا تحديدًا تتضح قوة الورقة اليمنية، فلو كان الأمر متعلقًا بسفن تجارية عابرة لا صلة لها بالسعودية، لأمكن تصوير التأثير باعتباره أزمة ملاحة محدودة، لكن حين تكون هذه الورقة موجهة إلى صادرات النفط السعودية يصبح الأمر مختلفًا، لأن تعطيل هذه الصادرات، أو إجبار الناقلات السعودية على تغيير مساراتها، يعني زيادة المسافة والزمن والتكلفة للوصول إلى المستهلك الآسيوي، ويجعل كمية النفط المتاحة في السوق أكثر عرضة للاضطراب.
لا استقرار للطاقة بالقوة العسكرية
ومن مضيق هرمز إلى باب المندب تتشكل -إذاً- معادلة جديدة عنوانها أن الأمن البحري لا يمكن فصله عن الأمن السياسي، وأن استقرار الطاقة لا يمكن ضمانه بالقوة العسكرية وحدها، فكلما صعدت واشنطن في عدوانها على إيران، ازدادت قيمة هرمز كورقة ردع إيرانية، وكلما واصلت السعودية التعنت ورفض إنهاء العدوان على الشعب اليمني ورفع الحصار عنه، ازدادت قيمة باب المندب كورقة ضغط يمنية على المصالح السعودية، لإجبار الرياض على تنفيذ مطالب اليمنيين.
والأهم أن الورقتين ليستا منفصلتين، فحين تضغط إيران في هرمز، يتأثر أحد أهم منابع الطاقة العالمية، وحين يضغط اليمن في باب المندب، يتأثر مسار مهم من مسارات النفط السعودي، وفي الحالتين تكون الأسواق الدولية هي المجال الذي تظهر فيه نتيجة الحماقة الامريكية، والإصرار السعودي على استمرار ممارسة القتل البطيء لليمنيين.
لهذا لا تستطيع واشنطن التعامل مع كل ملف بصورة منفردة، ولا تستطيع أن تخوض حربًا على إيران وتتوقع أن تبقى آثارها داخل الحدود الإيرانية، كما لا تستطيع السعودية مواصلة عدوانها على اليمن بحصاره ومصادرة سيادته وتتوقع أن تبقى كلفة ذلك محصورة داخل اليمن.
واشنطن في قلب المأزق
لطالما بنت الولايات المتحدة سياساتها العدوانية على افتراض أن امتلاك التفوق العسكري والاقتصادي يمنحها القدرة على التحكم في مسار المواجهة وفرض شروط التسوية، غير أن تطورات الصراع مع الجمهورية الإسلامية أظهرت أن امتلاك هذا الزخم في أدوات القوة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحديد النتيجة، فالحصار والعقوبات والضغط العسكري -وهي الأدوات التي اعتادت واشنطن استخدامها ضد الدول والشعوب- أصبحت تواجه أدوات مقابلة تنجح في نقل كلفة استمرار المواجهة إلى المجال الذي تدعي الولايات المتحدة حمايته: الطاقة والملاحة والتجارة.
وكلما طالت المواجهة ازدادت أهمية عناصر لا تستطيع حاملات الطائرات حسمها، مثل أسعار النفط، وأمن السفن، وتكاليف التأمين، وسلاسل الإمداد، ومواقف الشركات الدولية، وقدرة الحلفاء على تحمل استمرار الاضطراب.
وهنا تظهر مفارقة تضع واشنطن في مأزق متزايد، فحين أرادت استخدام قوتها العسكرية لتفرض على إيران معادلة سياسية جديدة، تسببت في إنتاج معادلة أخرى تجعل أمن الطاقة نفسه جزءًا من الصراع، ليجعل واشنطن في مواجهة مطالب الحدِّ من هذا النزيف الدولي الناتج عن ارتفاع كلفة مغامرتها في المنطقة على حلفائها وأسواق الطاقة.
اليمن وإيران الانتقال إلى موقع فرض الكلفة
تتمثل النتيجة الأبرز التي فرضتها المواجهة القائمة، في انتقال إيران واليمن من موقع تلقي الضغوط إلى موقع القدرة على فرض كلفة.
إيران لم تعد تتعامل مع هرمز باعتباره مجرد ممر بحري، بل بكونه جزءًا من منظومة الردع التي تستطيع من خلالها التأثير في الحسابات الأمريكية والدولية. واليمن بدوره لم يعد يتعامل مع باب المندب باعتباره ممرًا دوليًا بعيدًا عن ما يعيشه اليمن من عدوان وحصار، بل بكونه مساحة استراتيجية يمكن من خلالها الضغط على السعودية لانهاء الوضع القائم.
هذه النقلة هي التي أربكت الحسابات الأمريكية والسعودية، لأن القوة لم تعد محصورة في الطائرات والصواريخ والقواعد العسكرية، وإنما أصبحت الجغرافيا نفسها جزءًا من أدوات المواجهة. وهنا تكمن أفضلية اليمن وإيران في هذه المعادلة، فهما لا تحتاجان إلى امتلاك القوة العسكرية الأمريكية حتى تفرضا عليها الحساب، يكفي امتلاك القدرة على تهديد نقاط حساسة في منظومة الطاقة والملاحة، وإبقاء هذا التهديد حاضرًا في حسابات الشركات والدول والأسواق.
جزءٌ من معادلة الردع
ومن هنا فإن مستقبل المواجهة لن يتحدد بما تملكه واشنطن من سلاح، وإنما بقدرة إيران واليمن على الصمود واستخدام أوراقهما الاستراتيجية. وكلما استمرت الحرب، ستبقى هاتان الورقتان حاضرتين، إيران تستطيع التأثير في شريان الطاقة الخليجي، واليمن يستطيع الضغط على شريان النفط السعودي. وهذا ما ينبغي أن تفهمه واشنطن والرياض قبل غيرهما، لأن استقرار الملاحة لا يبدأ بحماية السفن، وإنما بوقف العدوان الذي يجعل هذه السفن جزءًا من معركة مفتوحة. وما دام العدوان الأمريكي على إيران مستمرًا، وما دامت السعودية تواصل عدوانها وحصارها على اليمن، فإن هرمز وباب المندب سيبقيان جزءًا من معادلة الردع التي لم تعد واشنطن وحدها قادرة على تحديد قواعدها.
السحر الذي ارتد على الساحر
أرادت الولايات المتحدة جعل المنطقة تدور حول قوتها العسكرية، فإذا بالمواجهة تعيد الاعتبار إلى قوة الجغرافيا. وأرادت السعودية أن تجعل الحرب على الشعب اليمني حربًا داخلية لا تمتد آثارها إلى مصالحها، فإذا باليمن يثبت أن موقعه البحري جزء من قدرته على الرد.
هكذا تبلورت المعادلة الجديدة، واصبحت الجغرافيا البحرية جزءًا من ميزان القوى نفسه، وفرضت على واشنطن وحلفائها أن يتعاملوا مع إيران واليمن باعتبارهما طرفين قادرين على فرض حسابات لا يمكن تجاوزها، فالمواجهة التي بدأت باعتقاد أمريكي أن القوة ستجبر الجميع على الخضوع، انتهت إلى واقع مختلف ارتد فيه السحر على الساحر، وانتقلت كلفة الحرب إلى من قرروا إشعالها، وإلى حلفائهم وأسواقهم ومصالحهم. إنها المفارقة العجيبة التي صنعتها الغطرسة والاستكبار، فكلما حاولت واشنطن إخضاع المنطقة بالقوة، ازدادت قيمة الأوراق التي تملكها إيران واليمن.
