كاتب ومحلل سياسي يكشف أبعاد تصادم النفوذ التركي الصهيوني وطموحاتهما التوسعية في سوريا
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
20 أغسطس 2026مـ – 7 ربيع الأول 1448هـ
أكّد الكاتب والمحلل السياسي العربي مصطفى رستم، أنّ الطموح التوسعي التركي في الساحة السورية يصطدم اليوم برفضٍ صارم ومباشر من قبل كيان العدو الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، لافتًا إلى أن هذا التصادم القائم على النفوذ ينطوي على طابع تحذيري في مراحله الأولى، دون أن يصل بعد إلى نقطة الاشتعال الشامل أو المواجهة العسكرية المباشرة.
وأوضح رستم في لقاءٍ خاص ضمن برنامج “من بيروت” عبر قناة “المسيرة” الفضائية، اليوم الخميس، أنّ التنافس والتصادم على النفوذ في المنطقة ليس وليد اللحظة بل كان قائمًا خلف الكواليس، غير أن التحولات السياسية والإقليمية الأخيرة فرضت خروجه إلى العلن بشكّلٍ جلي ومكشوف؛ ففي المراحل السابقة كانت الظروف تسمح بنوع من التوازنات والتقاطعات التي أبقت الخلافات تحت السيطرة والهادئة نسبيًا، أمّا اليوم فقد بدأ الجانب التركي بالسعي المباشر لتنفيذ طموحاته التوسعية واستقتطاع نفوذ ومكتسبات داخل الجغرافيا السورية تجاوزت نطاق ما هو مسموح له به دوليًا.
وأشار إلى أن التطورات التي شهدتها سوريا جاءت في سياق ترتيبات دولية ولحظة إقليمية فارقة يفترض أن يتشارك فيها الجميع بحصص محدّدة، إلا أن المحاولة التركية للاستحواذ على المشهد بالكامل والتمدد بلا حدود لن تكون مقبولة أو مسموحًا بها من بقية القوى الفاعلة.
وفند رستم التصريحات الصادرة عن سلطة الجولاني والفصائل التابعة لها والتي ادعت أن زيارة الضباط الأتراك تسعى لتبادل الخبرات والتدريب، متسائلاً عن ماهية الخبرات الجوية التي يمكن أن تبادلها سلطة الجولاني وهي لا تمتلك أساسًا أيّ سلاح جوي أو منظومات طيران عسكري، مؤكدًا أن الهدف الحقيقي لـ”أنقرة” يكمن في زرع قواعد عسكرية دائمة داخل سوريا.
واستشهد بالضربات العسكرية الصهيونية الأخيرة التي جاءت بمثابة إنذارٍ مبكّر ومباشر يؤكّد عدم التهاون مع هذا المسار، لاسيما تصريحات وزير حرب كيان العدو الصهيوني “يسرائيل كاتس” التي حذّر فيها من أن “رجب طيب أردوغان” يلعب بالنار ويقود تركيا نحو مغامرة غير محمودة العواقب، مضيفًا أن الهدف الأساسي من الغارة الإسرائيلية على مطار “أبو الظهور” العسكري والكلية الجوية، كان منع أنقرة من إنشاء وتجهيز منشأة جوية وقاعدة عسكرية داخل المطار، وهو سيناريو يندرج ضمن سلسلة استهدافات سابقة شملت مطارات “تيفور” والشعيرات وحماة لإغلاق الباب أمام التمدّد العسكري التركي.
وبيَّن المحلل السياسي أن تركيا تكرر نهجها السابق بعد أن وفرت البيئة اللوجستية والدعم للجماعات المسلحة والمجموعات الإرهابية في سوريا للوصول إلى المشهد الحالي ومرحلة ما بعد سقوط النظام، مشيرًا إلى أن أنقرة تحاول اليوم تجاوز الخطوط الحمراء من خلال نسج تحالفات إقليمية مع السعودية وباكستان، واستغلال زيارات قيادية كزيارة الشيباني إلى باكستان للسيطرة المطلقة على الحالة السورية التي تمثلها سلطة الجولاني.
كما سلط الضوء على تصريحات “أردوغان” المتكررة حول “العمق الاستراتيجي” و”الأمن القومي التركي” الممتد -حسب ادعائه- حتى العاصمة اللبنانية بيروت، وهو ما يمثل تحديًا علنيًا ومحاولة للتدخل في الشأن اللبناني عبر توظيف الجولاني للاصطدام مع حزب الله على الحدود السورية-اللبنانية، رغبةً من أنقرة في إعادة تدوير أوراقها السياسية وفتح قنوات نفوذ جديدة تجاه الداخل اللبناني ولعب دور في التوازنات الإستراتيجية بين أمريكا وإيران.
وشدّد رستم على أن مسار التخادم التركي-الإسرائيلي كان قائمًا ومكشوفًا على الدوام على الرغم من التراشق الكلامي، متسائلاً عن جدوى الشعارات الإعلامية الأردوغانية تجاه غزة في وقتٍ كانت فيه الموانئ التركية تمد كيان العدو الصهيوني بالبضائع والوقود والمنتجات الغذائية طوال فترة العدوان وعلى امتداد مسار “طوفان الأقصى”.
غير أن المشكلة الحالية نشبت عندما سعى التركي لتجاوز حدوده والقفز فوق أدوار وحصص شركائه، لاسيما وأن أردوغان ووزير خارجيته “هاكان فيدان” أثبتا عبر تجاربهما تحالفات غير صادقة مع مختلف الأطراف سواء الإسرائيلي أو الإيراني أو السعودي، لافتًا إلى أن طلب أردوغان العلني في قمة الناتو للحصول على مقاتلات “إف35” وإنشاء قواعد عسكرية في سوريا قوبل بكبح تحذيري إسرائيلي حتى اللحظة، متوقعًا أن ترتفع حدة ونوعية الضربات العسكرية ضد الأهداف والتحركات التركية دون الوصول إلى مرحلة الانفجار المباشر والشامل.
وفي السياق ذاته، كشف رستم أن الخطوط الحمراء الصهيونية حاسمة ودقيقة في الساحة السورية؛ حيث يدرك “أردوغان” تمامًا أن أيّ اقتراب تركي من الحزام الأمني في الجنوب السوري أو محاولة فرض السيطرة على الشريط الساحلي ستؤدي فورًا إلى مواجهة مفتوحة، مذكّرًا بتصريحات المجرم نتنياهو الصريحة بعدم السماح بإنشاء “إمارات إسلامية” على الساحل السوري.
وأشار إلى المخططات التركية التي جرت منذ سقوط نظام بشار الأسد لتطويع الشارع العلوي تحت مسميات السلم الأهلي واستخدام شخصيات كـ “فادي صقر” و”خالد الأحمد”، مؤكدًا فشل هذه المحاولات تمامًا نظرًا للعداء التاريخي الصارم والرفض المجتمعي والفكري التام في تلك المناطق لأيّة هيمنة أو تمدّد تركيا.
وعلى صعيد التحركات الإقليمية ومخاطر إشعال الفتن الطائفية، حذّر رستم من وجود مخططات شيطانية تُدار لرفع مستوى الاشتعال الإقليمي وتأجيج حرب طائفية (سنية-شيعية) تضرب المنطقة ككل، مشيرًا إلى أن استجلاب الجولاني وتوظيفه يأتي في إطار تقسيم سوريا وإشعال الفتنة داخليًا وإقليميًا.
وتساءل عن خلفيات إدخال جبهة اليمن واستهدافها مجددًا على الرغم من ممارسة القيادة اليمنية لسياسة “الصبر الاستراتيجي” والترقب خلال الفترات الأخيرة دون التدخل المباشر في بعض المحطات، مشدّدًا على أن محاولات جَرّ اليمن وزج الحشد الشعبي العراقي وتحريك مناطق الرقة ودير الزور والأنبار والموصل يهدف إلى جر المنطقة برمتها نحو انفجار شامل ومفتوح، في وقتٍ يمارس فيه أردوغان دوره بخبث عبر صب الزيت على النار للاستفادة من المخططات الأمريكية والصهيونية الجديدة.
وفي سياق آخر، كشف المحلل السياسي عن وجود اختلافات داخل الإدارة الأمريكية وتضارب في المصالح السياسية والاستثمارية؛ مشيرًا إلى الدور الذي يلعبه “توم براك” وترامب وتغليب المصلحة الشخصية والمالية والحسابات القطرية على حساب الإرادة الاستراتيجية للدولة الأمريكية، موضحًا أن الصحافة العبرية باتت تنظر إلى توم براك كشخصيةٍ مقربة من أردوغان ومندفعة وراء جمع المال والأرباح الشبيهة بأسلوب ترامب، ومؤكّدًا أن استمرار هذا الشذوذ والتجاوز للخطوط الاستراتيجية قد يهدد استقرار ترامب السياسي ويعرض ولايته الرئاسية للقطع ودفعه الثمن سياسيًا وفق ما تسربه الدوائر المغلقة.
وحول حقيقة المفاوضات والرسائل الأمنية، جزم رستم بأن المفاوضات الحقيقية لا تجري إلا بين قوى ناعمة وعسكرية تمتلك أوراق قوة حقيقية وقادرة على الفرض واللجم، كما هو الحال بين حزب الله و(إسرائيل) أو إيران وأمريكا، نافيّاً أن يكون لسلطة الجولاني أو ممثلها الشيباني أيّ قدرة على فرض “اتفاق أمني” أو التفاوض الندّي مع كيان العدو الصهيوني، وموضحًا أن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي لا يتصل ليستأذن، بل وجه رسائل تحذيرية شديدة اللحظة عبر الشيباني لمنع أي تجاوز للخطوط الحمراء والنفوذ التركي في الجنوب.
وسخر رستم من ادعاءات قدرة الجولاني الأمنية، مشيرًا إلى أن أقصى ما استطاع فعله هو إنزال عناصر فصائله في قلعة دمشق لرفع شعارات شكلية عن غزة، بينما يقصف الاحتلال الإسرائيلي ساحة الأمويين ومبنى الأركان بدمشق بدمٍ بارد، ما يؤكد أن هذه السلطة ليست سوى بيدق تحركه الأيادي الإقليمية ولن تمنح سوى نطاق جغرافي محدود ومؤقت قبل الذهاب نحو التقسيم ومناطق النفوذ.
واختتم مصطفى رستم لقاءه بالحديث عن الاستعراض الاستخباري الإسرائيلي الأخير داخل سوريا، المتمثل في استعادة رفات الجندي الإسرائيلي المفقود “يهودا كاتس”، موضحًا أن التفوق التكنولوجي والاستخباري والبيئة الأمنية المخترقة خدمت الاحتلال في الوصول إلى هذا الهدف بسهولة.
وأكّد أن هذا التعامل يكشف التحول الجذري في التعاطي الصهيوني مع الساحة السورية؛ حيث انتقل العدو من التعامل مع سوريا كـ “دولة مواجهة” تمتلك قرار الرد وسيادة ردع استخبارية وسياسية -كما كان عليه الحال قبل الثامن من ديسمبر 2024م- إلى التعاطي معها كـ “ساحة عمليات مفتوحة” ومستباحة، تقدم فيها السلطة الحالية الهدايا المجانية للاحتلال دون الحصول على أيّ مكاسب تفاوضية أو إطلاق أسرى كما كانت تفعل فصائل المقاومة الحقيقية، مؤكّدًا أن مستقبل هذه السلطة يتجه نحو التلاشي والتخبط في ظل الحسابات الإقليمية الشاملة.
