شهرٌ من العمليات اليمنية: إنجازاتٌ ميدانية ومعادلاتُ ردعٍ وضعت العدو السعودي وأدواته في مأزق
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
19 أغسطس 2026مـ – 6 ربيع ألاول 1448هـ
في غضون شهرٍ واحد من المواجهات العسكرية مع العدو السعودي، تمكّنت القوات المسلحة اليمنية من تحقيق إنجازات ملموسة، ورسّخت ثلاث معادلات ردعٍ تؤسس لمرحلة جديدة من انتزاع الحقوق المشروعة للشعب اليمني. فمنذ العشرين من يوليو الماضي وحتى اليوم، نفّذت القوات المسلحة عمليات نوعية شملت استهداف ثماني سفنٍ نفطية سعودية، ومنع ثمانٍ وأربعين سفينة من العبور وإجبارها على العودة، إضافةً إلى إغراق وإحراق سفينتي إنزالٍ عسكريتين، وتنفيذ تسع عمليات في العمق السعودي، وأربع عشرة عملية ضد التحشيدات المعادية في الداخل.
هذه الحصيلة الميدانية تعتبر تجسيدًا لتحولٍ استراتيجي عميق فمنذ التحذير الأول الذي أطلقه السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في الثامن عشر من يونيو 2026، مرورًا بإعلان التصعيد في السادس عشر من يوليو، انتقلت القوات المسلحة اليمنية من موقع الدفاع إلى موقع فرض المعادلات، لقد تحوّلت الأسابيع الأربعة الفاصلة بين التحذير والتصعيد إلى مختبرٍ مكثّف أعاد فيه اليمنيون تعريف قواعد الاشتباك، وفرضوا واقعًا جديدًا لم يكن في حسبان العدو.
وقد تبلورت ثلاث معادلات ردعٍ رئيسية، أولها فرض الحصار المحكم على العدو السعودي بحيث لا يستطيع تمرير سفينة واحدة؛ وثانيها المسارعة في ضرب التحشيدات السعودية أينما كانت؛ وثالثها حماية سيادة اليمن والتصدي لأي اختراقات، و هذه المعادلات جاءت تتويجًا لاثني عشر عامًا من الصمود والتطوير، لتؤسس لمرحلةٍ جديدة عنوانها انتزاع الحقوق المشروعة للشعب اليمني.
يتناول هذا التقرير تفاصيل هذه المعادلات وتجلياتها الميدانية من الحصار البحري الذي قلب الموازين، إلى الضربات الموجعة للمنشآت النفطية، فسحق التحشيدات البرية، وقواعد الاشتباك الجديدة في الأجواء، وصولًا إلى الدلالات الاستراتيجية والآفاق المستقبلية للمواجهة.
شهر من العمليات العسكرية
وحتى يكون الرأي العام المحلي والدولي على اطلاع بمجريات المعارك التي تخوضها القوات المسلحة، فقد أوضح المتحدث الرسمي العميد يحيى سريع في كلمة له خلال مشاركته في فعالية أقامتها دائرة التوجيه بالمعنوي بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، أوضح فيها خلاصة العمليات العسكرية اليمنية وما ترتب عليها، مؤكدا أنه تم استهداف (8) سفن نفطية سعودية، منها(5) في البحر الأحمر، و(3) في خليج عدن والبحر العربي، وكذلك منع ٤٨ سفينة نفطية سعودية من العبور وإجبارها على العودة ، منها ( ٣٤ ) سفينة في البحر العربي والمحيط الهندي و(14) سفينة في البحر الأحمر، بالإضافة لإغراق وإحراق سفينتي إنزال عسكرية تنقل الأسلحة والتحشيدات السعودية في المخا. وفي العمق السعودي تم تنفيذ (9) عمليات عسكرية في ينبع ونجران وجيزان وأبها وإمدادات النفط في المنطقة الشرقية. أما ما يتعلق بتحشيدات العدو السعودي في الداخل فنفذت القوات المسلحة (14) عملية عسكرية في الرويك والعبر والوديعة ومأرب والمخا وضد سفن وزوارق نقل معدات وتحشيدات أدت إلى مصرع وإصابة المئات من تحشيدات العدو السعودي بينهم قادة وضباط سعوديون وإحراق وتدمير عدد كبير من المخازن والمعدات وكذلك إحراق وإغراق أكثر من عشرة زوارق حربية في البحر الأحمر، كما أفاد بذلك متحدث القوات المسلحة العميد يحيى سريع.
أما معادلات الردع التي ثبتتها القوات المسلحة فتتمثل في فرض الحصار المحكم على العدو السعودي وبالشكل الذي لا يستطيع أمامه تمرير سفينة واحدة، إضافة إلى المسارعة في ضرب التحشيدات السعودية أينما كانت، وكذلك حماية سيادة اليمن والتصدي لأي اختراقات للعدو.
التحذير الأول للسيد القائد
في الثامن عشر من يونيو عام 2026، أطلق السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي تحذيراً مدوياً أكد يه أن صبر اليمنيين قد بلغ منتهاه، وهذا كان إيذاناً ببدء فصل جديد في مواجهة تمتد جذورها إلى نحو اثني عشر عاماً من الحصار والعدوان والتجويع، فصل تتولى فيه القوات المسلحة اليمنية زمام المبادرة، وتنتقل من موقع الدفاع عن النفس إلى موقع فرض المعادلات على المعتدي الذي طالما ظن نفسه محصناً خلف حدوده وجدران منظوماته الدفاعية الغربية.
وما بين التحذير الأول وإعلان التصعيد على المملكة السعودية في السادس عشر من يوليو، مر شهر واحد فقط كانت كفيلة بقلب كل الموازين، وتحويل اليمن من دولة محاصرة منهكة إلى قوة إقليمية فاعلة تمسك بيدها مفاتيح أهم الممرات المائية في العالم، لقد كانت تلك الأسابيع الأربعة بمثابة مختبر مكثف أعاد فيه اليمنيون تعريف قواعد الاشتباك، وفرضوا معادلات جديدة لم تكن في حسبان أي مراقب أو محلل إقليمي أو دولي.
إن ما جرى خلال الشهر الماضي يمثل نقطة تحول جيوسياسية كبرى في الصراع مع العدو السعودي المدعوم أمريكيا، فالعمليات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية تحولت إلى استراتيجية هجومية متعددة الأبعاد، تجمع بين الضغط العسكري المباشر، والخنق الاقتصادي المنهجي، والاستنزاف النفسي المتواصل للعدو السعودي، في تركيبة تعكس نضجاً استراتيجياً لافتاً، وتطوراً نوعياً في العقيدة القتالية اليمنية التي انتقلت إلى الهجوم والردع وفرض الكلفة.
الحصار بالحصار: معادلة تقلب الموازين
عندما أعلنت القوات المسلحة اليمنية في العشرين من يوليو 2026 فرض الحصار البحري على الملاحة السعودية، كان ذلك تتويجاً لتحول استراتيجي عميق في فهم اليمنيين لطبيعة الصراع وأدواته، لقد أدرك اليمن أن المعركة الحقيقية مع السعودية لا يمكن حسمها من خلال المعارك التقليدية فحسب، بل من خلال ضرب عصب الاقتصاد السعودي الذي يشكل النفط عموده الفقري، والملاحة البحرية شرايينه الحيوية.
وجاءت معادلة “الحصار بالحصار” لتجسد هذه الرؤية الاستراتيجية، فكما حاصرت السعودية اليمن براً وبحراً وجواً لمدة اثني عشر عاماً، فإن اليمن اليوم يطبق الحصار نفسه على المملكة، مستخدماً الجغرافيا التي حباه الله بها، والمتمثلة في سيطرته على مضيق باب المندب الذي يمر عبره نحو 15% من التجارة العالمية، ونحو 80% من الصادرات النفطية السعودية المتجهة إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.
دخل الحصار اليمني حيز التنفيذ الفوري، كما أظهرت الأحداث اللاحقة، ففي الثاني والعشرين من يوليو، أي بعد يومين فقط من الإعلان، نفذت القوات المسلحة أول عملية عسكرية نوعية استهدفت سفينتين نفطيتين سعوديتين هما “إنسيليا” و”ليلى” في البحر الأحمر، وكانت الإصابة دقيقة ، مما أدى إلى نشوب حريق كبير في السفينتين، كانت تلك الضربة تأكيد على جدية اليمن في تهديده، وأن أي سفينة سعودية تحاول اختراق الحصار ستدفع الثمن غالياً.
التصعيد المتدرج: من باب المندب إلى شمال البحر الأحمر
وما يلفت الانتباه في الاستراتيجية البحرية اليمنية هو التدرج المدروس في تصعيد العمليات، فلم تكتف القوات المسلحة باستهداف السفن في منطقة باب المندب فقط، بل وسعت نطاق عملياتها تدريجياً ليشمل كامل البحر الأحمر، وصولاً إلى شماله حيث ميناء ينبع الاستراتيجي.
ففي الثامن والعشرين من يوليو، استهدفت القوات المسلحة سفينة “إن سي سي غزال” النفطية السعودية بعد رفضها النداءات التحذيرية، وأجبرتها على التراجع والعودة، وفي الخامس من أغسطس، جاءت الضربة الأكثر دلالة عندما استهدفت القوات المسلحة السفينة “وفاء” شمال البحر الأحمر أمام منطقة ينبع، في رسالة واضحة أن الحظر لا يقتصر على جنوب البحر الأحمر فقط، بل يمتد ليشمل كل المياه المحاذية للمملكة.
ومع استهداف السفينة “ديزي” في خليج عدن في اليوم نفسه، اكتملت حلقة الحصار البحري على السعودية، فلم يعد هناك أي منفذ بحري يمكن أن تلجأ إليه السفن السعودية للهروب من الاستهداف، كما أوضحت القوات المسلحة في بياناتها أن عملياتها ستستمر وتتصاعد لإغلاق المنافذ كافة على العدو السعودي ومنعه من العبور، لتثبيت معادلة الحصار بالحصار.
الكلفة الاقتصادية: نزيف يومي بمليارات الدولارات
ولم تقتصر مفاعيل الحصار البحري على الجانب العسكري المباشر، بل امتدت إلى الاقتصاد السعودي بشكل صاعق، فعندما تحولت مياه البحر الأحمر إلى منطقة حرب عالية المخاطر، بدأت شركات التأمين العالمية في رفع أقساطها إلى مستويات قياسية، حيث قفزت “علاوة مخاطر الحرب” إلى ما بين 1% و3.5% من قيمة السفينة لكل رحلة واحدة.
وهذا الارتفاع الهائل في تكاليف التأمين، إضافة إلى أخطار الاستهداف المباشر، أجبر الشركات الملاحية على تغيير مسارات سفنها، والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مما أضاف آلاف الأميال إلى رحلاتها، وضاعف زمن الشحن من أيام إلى أسابيع، ورفع تكاليف التشغيل بشكل فلكي، وبحسب التقارير الغربية، ؟؟؟؟؟
الفصل الثاني: المنشآت النفطية تحت النار
عندما بدأت الصواريخ والمسيرات اليمنية في ضرب المنشآت النفطية السعودية، كان ذلك بمثابة الصدمة الاستراتيجية الكبرى التي هزت أركان النظام السعودي، فلطالما كانت شركة أرامكو السعودية، عملاق النفط العالمي، بمثابة البقرة المقدسة التي يعتمد عليها الاقتصاد السعودي بأكمله، ومصدر التمويل الرئيسي لمشاريع رؤية 2030 الطموحة، ومصدر النفوذ الجيوسياسي للمملكة في الأسواق العالمية.
ولكن في صيف 2026، تحولت هذه القلعة الاقتصادية الحصينة إلى هدف مكشوف أمام الضربات اليمنية المتتالية، ففي الخامس والعشرين من يوليو، وبعد يومين فقط من بدء العمليات البحرية، نفذت القوات المسلحة عمليتين عسكريتين نوعيتين متزامنتين استهدفتا أهدافاً حساسة في منشآت أرامكو في جيزان وينبع، وذلك رداً على الغارات السعودية على مدينة وميناء الحديدة. وحققت العمليتان أهدافهما بنجاح، وكانت الإصابات دقيقة ومباشرة.
وفي التاسع والعشرين من يوليو، جاء الدور على منشآت بقيق النفطية، التي تعتبر العمود الفقري لصناعة النفط السعودية، إذ استهدفت القوات المسلحة عدداً من الأهداف والنقاط الحساسة لإمدادات ونقل النفط الخام من شرق السعودية إلى ينبع، وذلك رداً على اختراق المسيرات السعودية للأجواء اليمنية.
تصاعد الضربات: من جيزان إلى نجران
ولم تتوقف العمليات اليمنية عند هذا الحد، بل استمرت في التصاعد والتوسع، ففي الرابع من أغسطس، استهدفت القوات المسلحة هدفاً حساساً للعدو السعودي في مطار نجران، وكانت الإصابة دقيقة. وفي التاسع من أغسطس، عاودت استهداف مصفاة أرامكو في جيزان بطائرة مسيرة، وفي الثالث عشر من أغسطس، استهدفت المصفاة نفسها بطائرتين مسيرتين، وفي الرابع عشر من أغسطس، استهدفت أرامكو نجران، وفي الثامن عشر من أغسطس، عاودت استهداف مصفاة أرامكو في جيزان بعدد من الطائرات المسيرة.
هذا التكرار المتواصل في استهداف المنشآت النفطية السعودية يكشف عن استراتيجية مدروسة، فالهدف ليس مجرد إلحاق أضرار عابرة، بل فرض حالة من عدم الاستقرار الدائم في قطاع الطاقة السعودي، وتحويل المنشآت النفطية من مصدر للثروة والاستقرار إلى مصدر للقلق والاضطراب، وخلق بيئة طاردة للاستثمارات الأجنبية، ورفع كلفة التأمين والإنتاج، وتقويض ثقة الأسواق العالمية في قدرة السعودية على تأمين إمداداتها النفطية.
الضربات البرية الاستباقية وسحق التحشيدات
في مواجهة الخنق البحري المتصاعد والضربات النفطية الموجعة، لجأت السعودية إلى ورقتها الأخيرة المتمثلة في تحشيد عملائها وأدواتها في الداخل اليمني بهدف فتح جبهات داخلية تشغل القوات المسلحة وتخفف الضغط عن الجبهة البحرية، كانت الخطة السعودية تقوم على إطلاق العنان لأدواتها المحلية من القوى المأجورة والجماعات المأجورة للزحف على المحافظات الحرة، ظناً منها أن ذلك سيجبر صنعاء على إعادة توزيع قواتها والتخلي عن معادلة الحصار، ولكن ما حدث كان مفاجأة كبرى للعدو السعودي، فالقوات المسلحة اليمنية، التي أثبتت قدرتها على الرصد الاستخباراتي الدقيق، كانت تتابع هذه التحشيدات منذ البداية، وتراقب تفاصيلها بدقة، وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها، وعندما اقترب العدو من استكمال استعداداته النهائية، جاءت الضربة الاستباقية اليمنية التي حولت هذه التحشيدات إلى محارق جماعية.
العمليات الكبرى: من الوديعة إلى مأرب والمخا
في السادس من أغسطس، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ عملية عسكرية واسعة ونوعية استهدفت تحشيدات العدو السعودي في مناطق الرويك والعبر والثنية ومعسكرات أخرى تابعة لما يسمى الفرقة الأولى والثالثة طوارئ، وذلك بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وكانت النتائج كبيرة أدت إلى مصرع وإصابة المئات من أدوات العدو، و تدمير وإحراق عدد كبير من المعسكرات والتحشيدات ومخازن الأسلحة في منطقة الوديعة شرقي البلاد، وتدمير عدد كبير من الآليات العسكرية.
وفي اليوم التالي، عاودت القوات المسلحة توجيه ضرباتها إلى معسكر “صحن الجن” في محافظة مأرب، الذي يعتبر من أهم مراكز تجمع المرتزقة والتحشيدات العسكرية المعادية في اليمن، وكانت الضربات نوعية ودقيقة مما أدى إلى تدمير واسع في صفوف أدوات العدو السعودي ومعداتهم.
وفي التاسع من أغسطس، امتدت الضربات إلى الساحل الغربي، حيث استهدفت القوات المسلحة تحشيدات العدو السعودي ومخازن أسلحته في منطقة المخا، مما أدى إلى تدمير واسع في تلك المعدات والأسلحة ومصرع وإصابة العشرات بينهم سعوديون، وتكمن الأهمية الاستراتيجية لضربة المخا في موقعها الجغرافي الفريد، إذ تبعد المدينة نحو 40.5 ميلاً بحرياً عن مضيق باب المندب، وتفصلها عن ممر الملاحة الدولية مسافة تقدر بنحو 3.2 أميال بحرية، مما يجعلها نقطة ارتكاز عسكرية بالغة الخطورة في الصراع على الممرات المائية.
الأبعاد الاستراتيجية للضربات الاستباقية
هذه العمليات البرية حملت دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز البعد الميداني المباشر. أولاً، أثبتت هذه العمليات أن القوات المسلحة اليمنية تمتلك قدرات استخباراتية متقدمة تمكنها من رصد وتتبع أدق التحركات اللوجستية للعدو، وتحديد اللحظة المثلى للضربة. ثانياً، أكدت أن صنعاء تتبنى عقيدة عسكرية هجومية استباقية لا تكتفي بانتظار الهجمات بل تسعى إلى شل قدرات العدو قبل أن تتحرك. ثالثاً، وجهت رسالة واضحة إلى كل الأدوات والعملاء بأنهم تحولوا من أدوات ضغط إلى مجرد أهداف مكشوفة للضربات اليمنية.
والأهم من ذلك كله، أن هذه العمليات كشفت عن ترابط استراتيجي عميق بين الجبهات المختلفة للصراع، فبينما كانت القوات البحرية والصاروخية تفرض الحصار على الملاحة السعودية وتضرب منشآتها النفطية، كانت وحدات الرصد والاستخبارات تتابع التحشيدات البرية المعادية، وكانت منصات الإطلاق جاهزة لتوجيه الضربات في اللحظة الحاسمة وهذا التكامل بين الجبهات يعكس تطوراً نوعياً في العقيدة العسكرية اليمنية، التي انتقلت من مجرد الصمود والدفاع إلى إدارة حرب متعددة الأبعاد تشمل البر والبحر والجو والمجال الاقتصادي والاستخباراتي.
القواعد الجديدة للاشتباك في الأجواء
شكلت عمليات إسقاط الطائرات المعادية بعداً آخر من أبعاد الردع اليمني المتصاعد، ففي الرابع عشر من يوليو، تمكنت القوات المسلحة من إسقاط طائرة استطلاع صينية الصنع من نوع “وينق لونغ 2” تابعة للعدو السعودي أثناء قيامها بمهام عدائية في أجواء محافظة البيضاء. وفي السادس والعشرين من يوليو، أسقطت طائرة استطلاع مسلحة تركية الصنع من نوع “بيرقدار أكنجي” في أجواء محافظة الجوف. وفي التاسع والعشرين من يوليو، أسقطت طائرة استطلاع من نوع “كاريال” في أجواء محافظة صعدة.
هذه العمليات المتتالية في إسقاط الطائرات المعادية تحمل دلالات متعددة، فهي أولاً تكشف عن تطور كبير في قدرات الدفاع الجوي اليمنية، التي أصبحت قادرة على التعامل مع مختلف أنواع الطائرات، سواء كانت صينية الصنع أو تركية أو إسرائيلية، وهي ثانياً ترسل رسالة واضحة إلى العدو السعودي بأن الأجواء اليمنية لم تعد مفتوحة للاختراق، وأن أي محاولة للتجسس أو الاستطلاع ستكون لها كلفتها الباهظة. وهي ثالثاً تسهم في تجريد العدو من عنصر المعلومات، الذي يعتبر حاسماً في أي عملية عسكرية ناجحة.
قاعدة الرد بالمثل: من أبها إلى نجران
وفي رد مباشر على العدوان السعودي على مطار صنعاء الدولي في الثالث عشر من يوليو، نفذت القوات المسلحة اليمنية عملية عسكرية استهدفت مطار أبها الدولي بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وحققت العملية أهدافها بنجاح. وفي الرابع من أغسطس، استهدفت القوات المسلحة هدفاً حساساً للعدو السعودي في مطار نجران بطائرة مسيرة، رداً على خرق الطيران السعودي للأجواء اليمنية.
هذه العمليات تكشف عن تطبيق صارم لمبدأ “العين بالعين والسن بالسن”، فكل عدوان سعودي على المنشآت اليمنية يقابله رد مباشر على المنشآت السعودية المماثلة، مما يضع القيادة السعودية أمام معضلة حقيقية “إما التوقف عن استهداف المنشآت اليمنية، أو تحمل تبعات استهداف منشآتها الخاصة في المقابل”.
السفن الحربية والزوارق تحت النار
في السابع عشر من أغسطس، نفذت القوات المسلحة اليمنية عملية نوعية جديدة تمثلت في استهداف سفينة إنزال عسكرية تابعة لتحشيدات العدو السعودي مع أربعة زوارق حربية مرافقة لها في البحر الأحمر أمام سواحل المخا، وذلك بعدد من الصواريخ الباليستية، وكانت الإصابة دقيقة ومباشرة، وأدت العملية إلى احتراق السفينة بشكل كامل مع إغراق عدد من الزوارق واحتراق البقية.
هذه العملية تحمل أهمية خاصة في سياق الصراع اليمني السعودي، فهي المرة الأولى التي تعلن فيها القوات المسلحة استهداف سفن الإنزال العسكرية والزوارق الحربية المرافقة لها، مما يعني أن القدرات اليمنية تطورت إلى حد يمكنها من التعامل مع الأهداف البحرية المتحركة، وليس فقط السفن التجارية الثابتة المسار، كما أن اختيار سواحل المخا كموقع للاستهداف ليس اعتباطياً، بل يعكس وعياً عميقاً بالأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة كممر بحري حيوي يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.
الحظر البحري: من النفط إلى كامل الملاحة السعودية
وبالتوازي مع استهداف السفن الحربية، واصلت القوات المسلحة توسيع نطاق الحظر البحري ليشمل كامل الملاحة السعودية، وليس فقط السفن النفطية. ففي الثلاثين من يوليو، أكدت مصادر عسكرية أن “الحظر اليمني يتجاوز النفط إلى الملاحة السعودية عموماً”، مما يعني أن سفن البضائع السائبة والحاويات التجارية أصبحت أيضاً عرضة للاستهداف.
وهذا التوسع في نطاق الحظر كان له أثره المدمر على الاقتصاد السعودي، فالموانئ الغربية للمملكة، وعلى رأسها ميناء جدة الذي يعتبر الشريان التجاري الرئيسي للمنطقة الغربية، شهدت انخفاضاً حاداً في عدد السفن الواصلة وأدى ذلك إلى أزمة في سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن الداخلي، وتحويل مسار السفن التجارية نحو موانئ الخليج العربي، مما ضاعف كلفة السلع النهائية على المستهلك السعودي.
القوة الاستخباراتية والجهوزية العملياتية
إن النجاح المذهل الذي حققته العمليات اليمنية المتتالية لا يمكن تفسيره بمعزل عن التفوق الاستخباراتي الذي أظهرته القوات المسلحة، فكل عملية من العمليات السابقة كانت تتطلب معرفة دقيقة بمواقع الأهداف، وتحركاتها، وتوقيتها، ونقاط ضعفها. فعمليات استهداف السفن في البحر الأحمر تطلبت رصداً دقيقاً لحركة الملاحة البحرية، وتتبعاً متواصلاً لمسارات السفن السعودية، وقدرة على تحديد موقعها بدقة في لحظة الاستهداف.
أما عمليات استهداف التحشيدات البرية فقد تطلبت مستوى أعلى من الرصد والاستخبارات، إذ أن هذه التحشيدات كانت تجري في مناطق نائية وصحراوية معقدة التضاريس، وبإجراءات سرية مشددة ومع ذلك، تمكنت القوات المسلحة من تحديد مواقعها بدقة، وتوقيت تجمعاتها، وأماكن غرف العمليات، ومخازن الأسلحة والذخيرة، مما سمح بتوجيه الضربات الاستباقية في اللحظة الحاسمة.
الجهوزية العسكرية: تحول نوعي في العقيدة القتالية
وإلى جانب التفوق الاستخباراتي، أظهرت القوات المسلحة اليمنية جهوزية عسكرية استثنائية، تجلت في قدرتها على تنفيذ عمليات متزامنة على جبهات متعددة، والانتقال بسرعة بين الأهداف المختلفة، والتكيف مع الظروف المتغيرة للمعركة، فبينما كانت وحدات الصواريخ الباليستية تستهدف المنشآت النفطية في عمق الأراضي السعودية، كانت وحدات المسيرات تضرب التحشيدات العسكرية في الداخل اليمني، وكانت الزوارق البحرية تطارد السفن في البحر الأحمر.
هذه الجهوزية المتكاملة تكشف عن تطور في القوات المسلحة اليمنية، التي تحولت من جيش تقليدي يعتمد على التكتيكات الدفاعية إلى قوة عسكرية حديثة تجيد فنون الحرب غير المتماثلة، وتدرك أن النصر في المواجهات المعاصرة لا يتحقق فقط من خلال التفوق العسكري التقليدي، بل من خلال القدرة على استغلال نقاط ضعف العدو، وفرض الكلفة عليه في أكثر الأماكن حساسية، وإجباره على القتال في ظروف غير مواتية له.
الحصار الشامل وتداعياته الاقتصادية على السعودية
في مواجهة الحصار البحري الخانق، حاولت السعودية استخدام كل الوسائل المتاحة للالتفاف عليه، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل فقد حاولت تحويل مسار سفنها من باب المندب جنوباً إلى شمال البحر الأحمر، لكن القوات المسلحة ردت باستهداف السفينة “وفاء” قبالة ينبع في الخامس من أغسطس، مؤكدة أن عملياتها ستستمر وتتصاعد شمالي البحر الأحمر لإغلاق المنافذ كافة.
كما حاولت السفن السعودية التخفي بإغلاق أجهزة البث التعارفي (AIS) للهروب من الرصد اليمني، لكن هذه المحاولات أيضاً لم تفلح، إذ كشفت بيانات تتبع السفن أن القوات المسلحة اليمنية قادرة على رصد وتتبع السفن حتى وهي مخفية، وأن أي سفينة سعودية تحاول العبور ستكون عرضة للاستهداف.
وحاولت السعودية أيضاً اللجوء إلى شركات الشحن الأجنبية لنقل نفطها، لكن هذا الخيار كان باهظ الكلفة، إذ اضطرت الرياض إلى دفع أسعار مضاعفة للشركات الأجنبية التي قبلت المجازفة بنقل النفط السعودي، بعد أن امتنعت الشركات الكبرى عن المخاطرة بأصولها في منطقة حرب عالية الخطورة.
الأثر التراكمي: اقتصاد سعودي تحت الضغط
إن التراكم اليومي لهذه الضغوط العسكرية والاقتصادية بدأ يظهر أثره في البنية الاقتصادية السعودية بشكل واضح، فالانكماش الاقتصادي الحاد، وتراجع الصادرات النفطية، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتعطل مشاريع رؤية 2030، كلها عوامل تتضافر لتشكل ضغطاً هائلاً على النظام السعودي.
ووفقاً للتقارير الغربية، فإن المشاريع الاستثمارية الكبرى في البحر الأحمر، وعلى رأسها مشروع “نيوم” العملاق، تضررت بشكل كبير نتيجة تحول البحر الأحمر إلى منطقة حرب، إذ توقفت خطوط الإمداد البحرية التي كانت تعتمد عليها المشاريع في نقل المواد والمعدات كما أن المشاريع السياحية على الساحل الغربي السعودي تعرضت للشلل الكامل بعد أن ألغت شركات السفن السياحية رحلاتها إلى المنطقة.
الدلالات الاستراتيجية والآفاق المستقبلية
إن ما جرى في صيف 2026 يمثل إعادة تعريف شاملة لقواعد الاشتباك في الصراع مع العدو السعودي، وأصبح اليمن هو الطرف الذي يفرض شروطه، والسعودية هي الطرف الذي يتعين عليه التكيف مع الواقع الجديد وهذا التحول الجذري في موازين القوى لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة لتراكم طويل من الصبر والتضحيات والإعداد والتخطيط، لقد صبر اليمنيون اثني عشر عاماً على الحصار والتجويع والعدوان، وخلال هذه الفترة كانوا يطورون قدراتهم العسكرية والتكنولوجية، ويعدون العدة لليوم الذي يستطيعون فيه الرد بالمثل.
إن الانتقال من موقع الصمود والدفاع إلى موقع الردع والهجوم يمثل نقلة نوعية في العقيدة الاستراتيجية اليمنية، ففي السنوات الأولى من العدوان كانت القوات المسلحة تكتفي بالدفاع عن المواقع والمدن اليمنية، ومحاولة صد الهجمات السعودية أما اليوم فقد أصبحت قادرة على شن هجمات استباقية في عمق الأراضي السعودية، وضرب المنشآت الحيوية، وفرض الحصار البحري.
وأمام هذا الواقع الجديد، تقف السعودية أمام خيارين صعبين لا ثالث لهما، إما الاستمرار في المواجهة، وهو ما يعني مزيداً من الخسائر الاقتصادية والعسكرية، ومزيداً من التآكل في النفوذ الإقليمي، ومزيداً من العزلة الدولية أو قبول الشروط اليمنية والدخول في مفاوضات جادة تؤدي إلى إنهاء الحرب ورفع الحصار ودفع التعويضات.
