باحث ومفكر مغربي: الكتاب و”العترة” هما السبيل للأمة وتجربة اليمن تؤكد أن التحول يبدأ بالوعي
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
17 أغسطس 2026مـ – 4 ربيع الأول 1448هـ
أكد الباحث والمفكر المغربي الدكتور إدريس هاني أن قراءة السيرة النبوية ينبغي أن تتجاوز حصر أحداثها في الجانب الإعجازي، إلى فهمها باعتبارها تجربة تاريخية متكاملة قامت على التدبير والتخطيط والقيادة وبناء المجتمع والتحرر والعدالة، مشدداً على أن الهجرة النبوية مثلت نقطة تحول نقلت الجماعة المسلمة من حالة الاستضعاف والملاحقة إلى بناء الدولة والأمة، وأن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان نبياً وقائداً يحمل مشروعاً متكاملاً.
وفي مداخلة على قناة المسيرة،أشار هاني إلى أن واقع الأمة اليوم يعاني أزمة مركبة تراكمت عبر التاريخ، وأن نقطة الانطلاق لمعالجتها تتمثل في الوعي، باعتباره المدخل إلى تحرير الإرادة والقرار السياسي والاجتماعي، مؤكداً أن القرآن الكريم ينبغي أن يستعيد موقعه باعتباره المرجعية الأولى للوعي، وأن المشكلة تكمن في ابتعاد المسلمين عن تدبره وقدرتهم على الانتقال من زمن التنزيل إلى زمن التأويل.
اليمن في الرواية النبوية والوعي بحركة الأمة:
وتوقف هاني عند ما ورد في السيرة والروايات المتعلقة باليمن، مشيراً إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر اليمن في سياق الحديث عن الذين يبدل الله بهم عندما تتغير الأمة، معتبراً أن التعامل مع هذه النصوص ينبغي أن يكون قائماً على السماع والطاعة والوعي بدلالاتها، لا مجرد قراءتها بمعزل عن واقع المسلمين.
وربط ذلك بمسألة أوسع تتصل بمفهوم طاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وامتداد قيادته للأمة، مؤكداً أن طاعة الرسول ليست مسألة محصورة بزمن الصحابة، وإنما ينبغي أن يكون النبي قائداً حقيقياً للأمة في جميع الأجيال، من خلال فهم سيرته وتعاليمه ونبوءاته وتطبيق دلالاتها على الواقع.
وأكد أن هذه الرؤية تقتضي إعادة قراءة السيرة باعتبارها تجربة يمكن أن تتجسد دلالاتها في مراحل التاريخ المختلفة، لا باعتبارها أحداثاً انتهت بانتهاء زمن التنزيل.
وأوضح هاني أن الظروف التي سبقت الهجرة بدت وكأنها قد أغلقت جميع السبل أمام الجماعة المسلمة، وأن السيطرة كانت قد أحكمت عليها، بما يجعل الاستسلام أمراً متوقعاً، إلا أن التدبير النبوي تعامل مع الوضع بصورة مختلفة.
وأشار إلى أن مبيت الإمام علي عليه السلام في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمل دلالات متعددة، من بينها التضحية والجانب الأمني واختيار الطريق، ثم جاءت هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستضعفاً لتنتج تحولاً تاريخياً كبيراً؛ إذ انتقلت الجماعة التي كان يُرصد أفرادها ويُلاحقون إلى الحديث عن دولة.
وبيّن أن هذا التحول يكشف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان نبياً وقائداً للأمة في الوقت نفسه، ويحمل مشروعاً متكاملاً يتجاوز مجرد بناء مجتمع محدود.
ولفت إلى أن وصف المشروع النبوي بأنه “مشروع مجتمعي” فقط لا يستوعب حقيقة المرحلة، لأن المجتمع نفسه لم يكن قد تشكل بصورة مستقلة، وكانت البيئة التي جاء فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجتمعاً جاهلياً متوحشاً ومجزأً، فيما كانت مناطق أخرى واقعة تحت نفوذ قوى كبرى، وكان بعض من يريدون مواجهة الرومان أو التمرد عليهم يبحثون عن قوى يستقوون بها.
ومن هنا، رأى المفكر المغربي الدكتور إدريس هاني أن التحول الذي أحدثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان انتقالاً من مجتمع جاهلي إلى مجتمع جديد، ومن جماعة مستضعفة إلى أمة تمتلك قيادة ومشروعاً واستقلالاً.
السيرة النبوية.. تدبير تاريخي يستند إلى السنن:
وشدد هاني على ضرورة إعادة قراءة السيرة النبوية في ضوء الأحداث التاريخية، واستنباط الدروس منها، بعيداً عن الاقتصار على القراءة التي تجعل كل حدث قضية إعجازية منفصلة عن التدبير الإنساني.
وانتقد المقاربات التي تحاول تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمن التنزيل بوصفه شخصية “لا تاريخية”، بما يؤدي إلى نزع الطابع التدبيري والعقلاني عن حركته، مؤكداً أن الأحداث النبوية كانت مسددة بالوحي، لكنها في الوقت نفسه أحداث تاريخية جرت وفق السنن التاريخية، واتبع فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسباباً وتدابير عقلانية.
واعتبر أن حركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تمثل حركة للعبرة، وأن أحداث السيرة يمكن أن تتجسد دلالاتها وتتكرر في التاريخ، ولذلك فإن المسلمين بحاجة إلى قراءة جديدة للسيرة تساعدهم على تجاوز حالة العجز عن الانتقال من زمن التنزيل إلى زمن التأويل.
القيادة ضرورة لبناء المجتمع وتحويل القيم إلى مشروع:
وفي حديثه،أكد هاني أن أي حركة أو مجتمع لا يستطيع بناء منهج عملي من دون قيادة، معتبراً أن القيادة من السنن التاريخية الثابتة قديماً وحديثاً، وأن التجارب التي استهانت بها أو أجلت التفكير فيها أخطأت وفشلت.
وأوضح أن القيادة المطلوبة لا تقتصر على الجانب الإداري، وإنما تشمل القيادة الفكرية القادرة على إقامة علاقة إيجابية بين التعاليم والإنسان والمواقف والتدبير، بحيث تتحول القيم والمبادئ إلى مشروع عملي.
ودعا إلى إعادة قراءة الأحداث النبوية انطلاقاً من المفاهيم والمعارف التي راكمتها البشرية منذ ذلك الزمن، مشيراً إلى تطور العلوم السياسية والاجتماعية ومفاهيم الدولة والعقل الاجتماعي والدولة الوطنية، وهي مفاهيم تساعد على اكتشاف جوانب متعددة من التجربة النبوية.
وأشار في هذا السياق إلى ميثاق أهل المدينة والاتفاقات التي عقدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتدبيره للحرب والسلم، وتوزيعه للثروة، وسياساته الاجتماعية، وسياسة الأحلاف وتأليف القلوب، مؤكداً أن دراسة هذه الممارسات بمفاهيم علم السياسة المعاصر تكشف عن تجربة متقدمة جداً بالنسبة إلى عصرها.
وقال إن دراسة سلوك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفق المفاهيم المعاصرة تكشف عن نموذج يتضمن مفاهيم العدالة والتسامح والرحمة وحسن إدارة الرعية وتوزيع الثروة، في وقت كانت فيه مفاهيم العدالة والديمقراطية بمعناها المتداول اليوم غير قائمة في البيئة التاريخية التي عاش فيها النبي.
وأضاف أن التشريعات الإسلامية ينبغي أن تُقرأ في سياقها وشروطها التاريخية، بعيداً عن المغالطة التاريخية التي يستخدمها خصوم الإسلام والأمة، لأن القراءة الموضوعية لذلك السياق تكشف عن عبقرية الحدث النبوي، وعن قدرة التجربة في مجتمع المدينة على الوصول إلى حالة من الاستقرار.
تحرير الإنسان جوهر المشروع النبوي:
وبيّن هاني أن من الأساسيات التي قامت عليها الدعوة النبوية تحرير الجماعة؛ تحريرها ذهنياً ونفسياً واجتماعياً، معتبراً أن هذا التحرر هو جوهر الإبداع الذي شهدته الدعوة في بدايتها.
ولفت إلى أن القرآن الكريم تحدث عن رفع الأسر والأغلال عن الناس، معتبراً ذلك عنواناً لتحرر الإنسان تحرراً مركباً وشاملاً، لا يقتصر على جانب واحد، وإنما يمثل برنامجاً متكاملاً تتجه مختلف عناوينه نحو قضية التحرر.
وربط هاني بين التحرر والعدالة، مؤكداً أن الأنبياء جاؤوا لإقامة القسط، وأن العدالة هي “قيمة القيم”، وأن تزكية النفس وتطهيرها والتحرر جزء من تحقيقها.
وتابع قائلاً: إن تحقيق العدالة يقتضي تحرير المجتمع وإزالة الفروق العنصرية والمجالية التي تحول دون بناء أمة واحدة، مشيراً إلى أن مظاهر الأمة الإسلامية بدأت تظهر في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وضمت أجناساً وأصولاً مختلفة، من بينها الرومي والفارسي والأفريقي، ومع ذلك تشكلت بينهم ملامح أمة واحدة.
أزمة الأمة اليوم.. مشكلة مركبة والحل يبدأ بالوعيوالارتباط بالقرآن:
وحول الحلقة المفقودة في واقع الأمة، أكد هاني أن الأزمة ليست محصورة في عامل واحد، وإنما هي قضية مركبة تراكمت عبر التاريخ؛ فقد تبدأ المشكلة في مرحلة ما من الوعي، وفي مرحلة أخرى من قضية اجتماعية أو سياسية، لكن تراكمات التاريخ تجعلها في النهاية أزمة متعددة الجوانب.
وأوضح أن الحل المركب لا يعني البحث عن حلول معقدة، وإنما البحث عن العنصر الأساسي القادر على تحريك عملية التغيير، معتبراً أن البداية دائماً من الوعي.
وقال إن الوعي إذا لم يتحرر فلن يتحرر الاجتماع، لأنه المنطلق الذي يمكّن المجتمع من تفكيك أزماته ورفع القيود عنه، وينعكس بعد ذلك على تحرير الإرادة والقرار، بما في ذلك القرار السياسي والاجتماعي.
واستند إلى ما ورد عن الإمام علي عليه السلام بشأن إحدى علل بعثة الأنبياء، وهي إثارة دفائن العقول، معتبراً أن ذلك يعني إحداث نهضة وثورة في الوعي، وأن هذه الثورة ينبغي أن تنعكس على مواقف المجتمع المسلم وواقعه.
وحول مصدر هذا الوعي، أكد هاني أن القرآن الكريم يمثل محل إجماع الأمة، لكنه أشار إلى ابتعاد المسلمين عنه، مستحضراً قوله تعالى: “وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً”، وقوله تعالى: “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها”.
وبيّن أن المشكلة لا تكمن في عدم إعلان القرآن مرجعية أولى، إذ يُذكر القرآن عادة باعتباره المصدر والمرجعية الأولى، لكن عند التطبيق يصبح القرآن في كثير من الأحيان آخر ما يُرجع إليه، أو يغيب تماماً خلف مقاييس ومرجعيات أخرى.
وأكد أن المطلوب هو قراءة القرآن باعتباره قادراً على تشخيص الواقع، وليس كتاباً نطق مرة واحدة وانتهى نطقه بانتهاء زمن التنزيل، مشيراً إلى أن القرآن “مجدد الإنزال” من خلال التدبر والتأويل، موضحاً أن المقصود بالتأويل هنا ليس التأويل المذموم، وإنما التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، والقائم على التدبر في القرآن.
ولفت هاني إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ القرآن للجماعة بمنهجية تفسيرية وتأويلية، فيوضح لهم أحياناً أن المعنى المقصود ليس ما فهموه مباشرة، وإنما معنى آخر، معتبراً أن هذه المنهجية اندرست في التاريخ ولم تحظَ بما تستحقه.
وأكد أن إعادة بناء الوعي القرآني تقتضي استعادة القرآن إلى مركز عملية التفكير والتشخيص، حتى يصبح قادراً على مخاطبة واقع المسلمين في مختلف مراحل التاريخ.
وفي ختام حديثه، أشار الباحث والمفكر المغربي، الدكتور إدريس هاني، إلى اجتماع الأمة على القرآن، وإلى ما يرتبط به من التمسك بكتاب الله وعترة أهل البيت، باعتبار ذلك ضماناً للأمة من الضلال، مؤكداً أن هذه العناوين تمثل عناصر أساسية في بناء الوعي والقيادة والمنهج الذي يحول القيم الدينية إلى واقع عملي.
