أرض النُّصرةِ وموئلُ المحبة.. اليمن يتزين لذكرى المولد النبوي الشريف

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
16 أغسطس 2026مـ – 3 ربيع ألاول 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

اغتسلت المدن والقرى في اليمن بفيضٍ من النور، وارتدت الأرضُ حُلةً من جلال الخُضرة وبهاء الضياء.. هنا في العاصمة صنعاء الأبية، وفي كلِ فجٍ وصوبٍ من المحافظات.

لا تمرُّ ذكرى المولد النبوي الشريف كحدثٍ عابرٍ في تقويم أيام اليمنيين، بل تجتاح البلاد حالةٌ من الفيض الروحي، والابتهاج الغامر، لتتحول الجغرافيا إلى قصيدةِ عشقٍ نابضةٍ بالمحبة والولاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وتحت سماءٍ تترقب ميلاد الهدى، تعقد الشوارعُ والمديرياتُ حلفاً مقدساً مع الجمال؛ فتتحول الأزقة العتيقة والطرقات الممتدة إلى لوحاتٍ إيمانيةٍ بديعة تُدهش بصر الناظرين وتأسر قلوب الزائرين. المدن التي ألفت الصبر، تتزين اليوم بزينة الروح. تتماوج فيها خطوط الإضاءة المتناسقة في تشكيلاتٍ هندسيةٍ أخاذة، تنساب كشلالاتٍ مضيئة، لتلتقي عند ذروة البهاء، حيث يرتسم اسم النبي الأعظم “مُحمد” -صلى الله عليه وآله وسلم- لؤلؤاً يجلي عتمة الليل، ويضيء سماء المدن بفيضٍ من الهيبة والجلال والوقار.

طهارة المكان وأكاليل الضوء
ولا تقف الحواضرُ وحدها في هذا المحراب، بل سرى الوجدُ إلى الأرياف وقمم الجبال الشامخة، حيث تزيّنت القمم بأكاليل ضوئية خضراء، وكأنها منابر طبيعية تُسبح بحمد الله وتبتهج بنور مصطفاه. وفي الأسفل، غدت المنازل البسيطة والشوارع الطويلة وحدةً واحدة تفيض بالأنوار وتلوح بالرايات الخضراء، لتذوب الفوارق في حضرة النور، ويعلن الحضر والريف معاً ابتهاجهم بمولد نبي الرحمة والهدى.

وعلى امتداد الخطوط ومداخل المحافظات امتدت الأيدي طاهرةً لتغسل وجه الأرض؛ فانطلقت حملات النظافة الشاملة لتجهيز ممرات القادمين يوم الحشد الكبير، ببهي المنظر وطيب المظهر، فاستقبال الحبيب يستوجب نقاءً في الطبع وطهارةً في المكان. وعلى الجدران الشاهقة وفي الساحات والميادين، نُصبت اللوحات القماشية والجداريات العملاقة، لتقف كشواهد ناطقة بالثناء، تحكي بعبارات الترحيب العميقة قصة الارتباط الروحي الأزلي لأبناء هذا المجتمع بسيرة النبي العطرة.

هي ليست مجرد زينة من قماش ونور، بل هي زفراتُ شوقٍ وتجليات حبٍّ صاغتها قلوبٌ يمانيةٌ تعلقت بنبيها منذ فجر الرسالة؛ لترسم اليوم في فضاء الوطن صورةً جماليةً متكاملة، تنبض بالروحانية المحمدية، وتعلن للعالم أجمع أن اليمن كان ولا يزال، أرض النُّصرةِ وموئلَ المحبةِ الخالدة.

أصداء المدائح وزخم الأمسيات
وعلى مدى أسابيع مضت، تصاعدت الفعاليات المجتمعية والشعبية، وانعقدت اللقاءات والاجتماعات المكثفة لتجهيز ساحات الاحتفال واستقبال ضيوف الرسول الأعظم، تحيي المجالس والأمسيات الشعبية في العزل والقرى ليالي المناسبة بالمدائح النبوية، والقصائد الشعرية التي تعبر عن الفرحة والابتهاج بقدوم ذكرى مولد نبي الهدى والرحمة المهداة، ويرتسم بالترتيبات الشاملة مشهد تعبوي وثقافي متكامل، يُبرز تلاحماً مجتمعياً بديعاً.

ويأتي هذا الاهتمام اليمني بإحياء هذه المناسبة الدينية العظيمة امتداداً لنهجٍ راسخ يجسد مكانتها في وجدان المجتمع، ويعكس حرص اليمنيين على تأكيد الارتباط الإيماني والوجداني بالرسول الأعظم، واستلهام قيمه وسيرته العطرة ونهجه القويم في واقع الحياة. فيما تبرز الاستعدادات في حراكٍ مجتمعي ورسمي متكامل تشارك فيه القيادات المحلية والتنفيذية، وخطباء المساجد، والتربويون، وطلاب المدارس، ومختلف فئات المجتمع، في صورة تعكس تضافر الجهود لإحياء هذه المناسبة الجليلة بما يليق بمكانتها الدينية والروحية.

الجاهزية الخدمية والتكافل الإنساني
وفي غمرة هذا البهاء الضوئي الفريد، تكتمل اللوحة الإيمانية بمشهدٍ مهيب يعكس تفاعلاً رسمياً وشعبياً واسعاً، تتلاشى فيه الحدود بين الواجب والحب، وتذوب فيه الجهود الفردية والمؤسسية لترسم لوحةً بشرية تُجسد المكانة العظيمة لرسول الرحمة والإنسانية في نفوس أبناء اليمن. فما إن تقترب المناسبة، حتى تتشح المباني والمنشآت العامة والخاصة في مراكز المدن والمحافظات بأثواب النور الأخضر، معلنةً حالة الاستنفار الخدمي والروحي الشامل، لا لإدارة تظاهرة عابرة، بل لتأمين جموع العشاق وضمان راحة وفود المحبة الوافدة إلى ساحات الهدى.

في الساحات المركزية الكبرى، التي غدت كمهادٍ طاهرة تلتقي فيها القلوب، تعمل اللجان التنظيمية لرفع جاهزيتها إلى أوجها، لتهيئة كل أسباب الطمأنينة والخدمات الأساسية للزائرين. وفي موازاة ذلك، أعدت الأجهزة الأمنية والمرورية خطةً ميدانية محكمة صاغتها يد العناية واليقظة؛ لتأمين الطرق، وحراسة منافذ المحافظات، وتنظيم سير القوافل والوفود الشعبية من مختلف القرى والمديريات صوب الساحات. كما لا تغيب أيدي الرحمة الإنسانية كالعادة عن هذا الاحتشاد؛ إذ تنتشر الفرق الطبية الميدانية خلال فعاليات الاستقبال، ويوم المناسبة، مجهزة بسيارات الإسعاف ونقاط الطوارئ، جنباً إلى جنب مع المستشفيات والمراكز الصحية التي رفعت جاهزيتها القصوى، لتكون سنداً لضيوف الرسول الأعظم في كل لحظة.

العشق اليماني لا يقف عند حدود الكلمات والأنوار، ولكنه يصير سلوكاً وعطاءً في واقع الحياة؛ لتتجلى قيم المصطفى عبقاً يفوح بالتكافل الاجتماعي، من خلال تفعيل المبادرات الإنسانية، وتوزيع السلال الغذائية، وإحاطة أسر الشهداء والجرحى والمحتاجين برعايةٍ دافئة تليق بذكرى من بُعث رحمة للعالمين.

ردٌّ على الوهن وتجديدٌ للعهد
وهنا، في هذا المحفل الروحي الممتد، تتبدد كل محاولات التشكيك والتثبيط التي يثيرها أعداء الأمة حول قيمة هذه الذكرى العظيمة؛ فيقف العلماء والخطباء بأصواتهم الهادرة عبر المنابر والمحاضرات الدينية والدروس اليومية في المساجد، ليعلنوا للعالم أجمع أن تعظيم نبي الرحمة والاحتفاء بمولده هو أصلٌ إيماني جامع، يلمّ شتات الأمة ويوحد صفها تحت راية واحدة، وأن الاحتفال بمولد خير البرية -صلى الله عليه وآله وسلم- هو احتفاءٌ بحدثٍ مفصلي في التاريخ الإنساني، أعاد صياغة الوجود، وعزز القيم النبيلة، وجسّد الانتماء الصادق لرسالة الحق في مواجهة جحافل الباطل.

ومن قلب هذه الميادين المزدانة بالخُضرة، تولد رسالة اليمن الساطعة، المضمخة بدماء الثبات وعرق الصمود؛ لتكون صفعةً في وجه قوى الطغيان والمستكبرين، وعنواناً لاعتزاز هذا الشعب بتمسكه بنهج نبيه، ووقوفه الراسخ إلى جانب قيادته الثورية في الدفاع عن الوطن وسيادته واستقلاله. إنها محطة لتجديد التمسك بالهوية الإيمانية، ومواصلة الصمود لانتزاع الحقوق، وكسر الحصار، وإنهاء العدوان والاحتلال.

التأهب ليوم الحشد الأكبر
ومع اقتراب اللحظة المرتقبة، تبلغ نبضات اليمن أوجها في حراكٍ استثنائي يشهد رفع وتيرة التفاعل والعمل، وتتلاحم فيه الإرادات، وتتسارع فيه نحو يوم الحشد الأكبر والمهرجان الاحتفالي الكبير. إنها ساعاتُ الشوق الأخيرة، حيث تلتقي الأنظار والأفئدة، وتتأهب القلوب والمدائن لترسم لوحة الوفاء الخالدة في الفعالية المركزية الكبرى، لتكون مهيبةً، شامخةً، وعظيمةً بما يليق بمكانة صاحب الذكرى -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- في قلوب اليمنيين الذين عُرفوا بأنهم أرقّ قلوباً وألين أفئدة وأكثر الناس حباً للمصطفى.

ومع دُنوّ موعدِ المناسبةِ الشريفة، تتكاتف الأيدي وتتراصف الأرواح، فيأخذ كلّ فردٍ مكانه، ويتسلّم زمام دوره بكل فخرٍ واعتزاز لخدمة ضيوفِ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فتتسابق الجهود في الساحات المركزية على امتداد المحافظات، وتتجه الأنظار نحو الساحة الأكثر حشوداً وحضوراً، والأبهى لفتا للانتباه؛ ساحة رسول الله في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء الأبية، التي تتأهب لترسم أكبر طوفانٍ بشري يُجسد الولاء الخالد والوفاء العظيم لخير البرية.