من مكة انطلق النور.. الرسالة المحمدية ومشروع إنقاذ البشرية

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
16 أغسطس 2026مـ – 3 ربيع ألاول 1448هـ

لكي ندرك عظمة التحوّل الذي أحدثه النبي الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله، يجب أن نُبحر أولًا في دهاليز ذلك العالم المظلم الذي سبق مبعثه، تخيّلوا المجتمعات تغرق في جاهليةٍ جهلاء، ليس في شبه الجزيرة العربية فحسب، بل في شتى أصقاع الأرض، عالمٌ تعاظم فيه الضلال حتى صار عقيدة، واستفحل الظلم حتى غدا قانونًا، واستحكمت فيه هيمنة قوى الاستكبار والطغيان، فأطبقت على البشرية ظلامًا دامسًا.

في تلك الفترة أُفرغ الإنسان من إنسانيته، وتحوّل إلى كائنٍ تائه، لا يبصر هدفًا أسمى من أن “يأكل ليعيش، ويعيش ليأكل”. في تلك الغابة الموحشة، حوّل المستكبرون الخرافة إلى دين، والفساد إلى عادة، والجهل إلى تراثٍ تقدسه الأجيال. وبلغ الانحدار ذروته حين زيّن الشياطين لأوليائهم وأد البنات وقتل الأبناء، {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ…}، ليُصبح الأب جلاّدًا لفلذة كبده خوفًا من الفقر أو فرارًا من عارٍ وهمي!. أما رسالات الله السابقة، فقد مُحيت معالمها على أيدي اليهود والنصارى، فاليهود حرّفوا التوراة، والنصارى أضاعوا الإنجيل، ولم يتبقَّ من هداها إلا طقوسٌ مفرغة من الروح، وأحبارٌ حوّلوا كلام الله إلى أوراقٍ صفراء يعطلون أحكامها ويخفون حقائقها، فضلّوا وأضلّوا، {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}. في ذلك المشهد القاتم، بلغت البشرية حضيضها، وصارت تتخبط في التيه، متعطشةً لنورٍ يهديها، ورحمةٍ تنتشلها.

حين تحرّكت الفيلة لمواجهة مشيئة الله
وفي قلب ذلك الظلام الدامس، كانت قوى الطاغوت ترصد مؤشرات النور القادم، وتستشعر خطر قدوم نبيٍّ الله من مكة، بيت الله الحرام. تمامًا كما سعى فرعون من قبل لإجهاض مشروع نبي الله موسى عليه السلام، تحرّك أبرهة وجيشه الجرار بأفياله الضخمة، لهدم الكعبة، ولوأد المشروع الإلهي في مهده قبل أن يبصر النور.

لقد اختاروا الفيل، ذلك المخلوق المرعب غير المألوف، ليكون سلاحهم النفسي لإخافة العرب الذين مزقتهم الفرقة وأوهنهم الشتات وبالفعل، حين واجه العرب هذا الجيش، تخلّوا عن أي محاولة للمقاومة، وسيطرت عليهم هزيمة نفسية مريعة، وهربوا مرددين بعجزٍ ويأس: “للبيت ربٌ يحميه!”. هنا، وفي تلك اللحظة الفارقة، تجلّت الإرادة الإلهية لتُعلن أن النصر ليس للفيلة والأحجام، بل للحق الإلهي. تدخل الله لحماية بيته الحرام، وأهلك أصحاب الفيل بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصفٍ مأكول، وأبطل كيدهم. كانت هذه الحادثة أشبه بعرضٍ مسبقٍ لملحمة الحق القادمة، ورسالةً خالدة بأن {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}. لقد أراد الله أن يُخرج البشرية من ظلماتها بولادة النور، فكان محمد صَلَّوات اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم.

المشروع الوحيد القادر على تغيير الواقع
وجاء النبي الهادي بالقرآن، ذلك الكتاب الذي أضاء العقول، وزكّى النفوس، وغيَّر واقع أمةٍ بأكملها. أمةٌ كانت بالأمس ترتعد من فيلٍ واحد، تحولت بعد إسلامها إلى قوةٍ رسالية هائلة، لا ترهب جيوش الإمبراطوريات التي كانت تأتي بأعدادٍ كبيرة من الفيلة لإخافتها، ولكن هيهات، فقد قويَ المسلمون بقوة الحق، ونُصروا بنصر الله، وحملوا أعظم مشروعٍ عرفته البشرية.

لماذا كان الإسلام هو المشروع الوحيد القادر على التغيير الحقيقي؟ لأنه مشروعٌ لا يأتي من قصور المستكبرين، بل ينبع من عند الله ليكون رحمةً للمستضعفين. إنه مشروعٌ شامل، يبدأ من قلب الإنسان فيُصلحه، ويُزكي نفسه، ويصنع وعيه، وعندها فقط تصلح الحياة بأكملها. إنه ليس مشروع عرقٍ على عرق، ولا لونٍ على لون، بل هو الكلمة السواء التي تلتقي عندها البشرية جمعاء، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، قائمٌ على دعامة العدل التي لا تتزعزع: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ}. إنه حجة الله البالغة على خلقه منذ أن هبط آدم إلى الأرض، والصراط المستقيم الذي لا خلاص للبشرية بدونه اليوم، تمامًا كما لم يكن لها خلاصٌ بدونه بالأمس. فلا صلاح لآخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

رسالةٌ في زمن التبعية والخذلان
واليوم، ونحن نعيش تحت وطأة واقعٍ مرير، تعود بنا الذاكرة إلى تلك الحلقة الأولى من الصراع مع الباطل. لا تزال قوى الاستكبار العالمية، وعلى رأسها أمريكا و”إسرائيل”، تعيث في الأرض فسادًا، تشعل الحروب، وتنهب الخيرات، وتُعمّق مآسي البشرية. ولكن الأخطر من هذا كله، هو ظهور أدواتهم في الداخل؛ أنظمة التبعية والنفاق التي ترتدي عباءة الإسلام لتُدمّر الأمة من داخلها، كما هو حال النظام السعودي الذي جعل من نفسه رأس حربةٍ لتنفيذ المؤامرات، وهو امتدادٌ ظلاميٌ لمسيرة التحريف والانحراف التي واجهها الأنبياء.

في مواجهة الاختراق اليهودي المركب للأمة، فإن النداء القرآني واضح في تحذيره للأمة من مغبة التبعية لليهود والنصارى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. وإن طريق الخلاص الوحيد هو ذاته طريق الأمس: الاعتصام بالله، والارتباط الوثيق برسالته الخاتمة، ففيها تكمن عناصر القوة الذاتية، وبالتمسك بها يأتي نصر الله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

اليمن: شهادة حية على أن الإيمان يمانٍ
ولأن لكل أمةٍ روافدها الصافية، كان لشعبنا اليمني الشرف الكبير منذ فجر الإسلام، بدءًا بالأنصار الذين نالوا الوسام النبوي الخالد: ((الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَّة)). هذا الإيمان نفسه، الذي سطّره الأوائل، تجسد اليوم في أثوابٍ جديدة من الصبر والصمود في مواجهة العدوان الأمريكي السعودي.

لقد قدّم اليمنيون، بدمائهم وجراحهم وجوعهم، أروع صورةٍ حية عن عظمة قيم الإسلام. لم تنطلِ عليهم أبواق التضليل، ولم تُثنِهم آلات القتل والتدمير، لأنهم أدركوا أن القوة الحقيقية ليست قوة العتاد، بل قوة المبادئ، وقوة التوكل على الله. وها هم اليوم يؤكدون، بالقول والفعل، أنهم ماضون على العهد الذي قطعوه في صدر الإسلام: عهد الإيمان والنُصرة والإيثار، سعيًا دؤوبًا للارتقاء الإيماني الذي وعد الله به عباده الصادقين.