أزمة الأسطول الأمريكي: من أعطال “فورد” وجحيم “لينكولن” إلى التراجع العسكري الاستراتيجي الشامل
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
16 أغسطس 2026مـ – 3 ربيع ألاول 1448هـ
إذا كانت الأعطال المزمنة وأزمات شبكات الصرف الصحي المعقدة قد حولت حياة الطواقم على متن درة الأسطول الأمريكي حاملة الطائرات “جيرالد فورد” إلى كابوس يومي يعاني من طحالب الكالسيوم وتعطل مئات المراحيض، فإن ما جرى على متن شقيقتها “أبراهام لينكولن” يثبت أن أزمة البحرية الأمريكية تجاوزت البُنى التحتية للمعدات لتلامس حافة الانهيار الإنساني والنفسي.
ومع وجود حقيقة ميدانية تؤكد أن الأسطول الأمريكي المكون من 11 حاملة طائرات لا يعمل بكامل طاقته في آن واحد، إذ يتوزع بين الصيانة والتدريبات والانتشار المحدود (حيث لا يتواجد في الخدمة الفعلية الميدانية سوى عدد محدود جداً لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة في وقت تتكبد فيه قطع البحرية ضغوطاً هائلة)، فإن هذا العجز الهيكلي يفرض عبئاً تدميرياً على قطع الأسطول القليلة المتاحة، ويعكس تدهوراً وتراجعاً استراتيجياً شاملًا في هيبة وقوة الولايات المتحدة؛ إذ باتت واشنطن تكابد استنزافاً غير مسبوق في حروب الممرات المائية المفتوحة، وعجزًا لأحدث وأغلى منظوماتها العسكرية في العالم عن حماية أرواح جنودها، أو تأمين أبسط مقومات البقاء البشري لهم، فضلاً عن الفشل في فرض ردع حقيقي يحيد التهديدات المتصاعدة في الساحات الإقليمية.
وفي ظل هذا الضغط الهيكلي المتراكم على قطع الأسطول، يخرج البنتاغون للإعلان عن خطط لسحب واستبدال حاملة الطائرات “لينكولن” بحاملة الطائرات “جورج واشنطن” القادمة من الخطوط الأمامية في المحيط الهادئ حيث مناطق الصراع مع التنين الصيني، وذلك على وقع تقارير استخباراتية وإعلامية كشفت تفاصيل مرعبة عن تدهور الأوضاع النفسية والمعيشية لطاقم الحاملة “لينكولن” نتيجة فرض الحصار البحري الطويل على إيران لأكثر من 250 يوماً دون رسو.
في هذا السياق، ينقل موقع “ميدل إيست آي” عن شبكة CNN وصحف “ستارز آند ستريبس” و”نيفي تايمز” وقوع حوادث مأساوية شملت قفز بحار يرتدي سترة نجاة من على متن “لينكولن” وسط أزمة حادة قبل أن يتم إنقاذه، إلى جانب تدخل طاقم السفينة لإحباط محاولات أخرى لبحارين حاولوا إلقاء أنفسهم في المياه بسبب الإرهاق الشديد. وقد نقلت صحيفة ستارز آند ستريبس شهادات لأهالي البحارة، من بينها تصريح لزوجة أحد أفراد طاقم لينكولن تفيد بأن زوجها بات “يأمل ألا يستيقظ غداً” جراء قسوة الظروف.
فيما تكشف مراسلات الكونغرس وعائلات العسكريين عن أزمات خانقة تشمل نقصاً حاداً في الإمدادات الغذائية، تلوث مياه الشرب، أعطال السباكة، وتوقف نظام البريد لأشهر طويلة. وقد وجّه السيناتور ريتشارد بلومنتال رسالة شديدة اللهجة لوزير دفاع ترامب بيت هيغسيث والقائم بأعمال وزير البحرية هونغ كاو محذراً من انهيار الصحة العقلية وتدهور السلامة العامة على سطح السفينة.
ولاكتمال الصورة فإن ما يعانيه بحارة حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” ليس مجرد تداعٍ لإهمال وتدهور لوجستي فحسب، فما يحصل هو نتيجة حتمية لصدام مباشر بين الغطرسة الاستراتيجية الأمريكية وواقع ميداني قاسٍ فرضته القدرات العسكرية الإيرانية المتصاعدة.
فتمديد فترة الانتشار لأكثر من 250 يوماً بلا ميناء أو راحة، تحول إلى كابوس نفسي مميت عندما ترافق مع المطاردات الحثيثة والضربات والتهديدات الصاروخية المستمرة التي وجهتها القوات الإيرانية للحاملة الأمريكية رداً على العدوان والحصار.
هذا المناخ القتالي المفتوح_الذي يجبر القطع البحرية الأمريكية على المناورة الدائمة تحت وطأة صواريخ الكروز والباليستية والمسيرات_ زرع رعباً وجودياً وإرهاقاً عصبياً هائلاً في وجدان البحارة. وبين مطرقة الحصار طويل الأمد الذي لا أفق لنهايته، وسندان الصواريخ الإيرانية التي تطارد القطع الأمريكية في كل مكان، تهاوت الروح المعنوية لقوات البحرية الأمريكية وتلاشت قدرتهم على التركيز، لتتحول حاملة الطائرات الأغلى في العالم إلى منصة عائمة تفترسها الهواجس النفسية وتدفع جنودها نحو حافة الانهيار والانتحار، في صورة صارخة تعكس عجز التفوق التقني عن الصمود أمام حروب الاستنزاف الطويلة.
