معركة الإحداثيات.. تفوق الاستخبارات اليمنية في البحر والبر
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
15 أغسطس 2026مـ – 2 ربيع ألاول 1448هـ
تقرير || وديع العبسي
في التوقيت الاستراتيجي الأكثر حساسية، العقل الاستخباري اليمني يضرب المنظومة السعودية الأمريكية الدعائية بامتلاك القدرة الاستثنائية على الاختراق والرصد في مقتل، فيَشل حركة إعلامها وينسف فاعلية تفوقها التقني. وفي وقت قصير يعيد اليمن خنق تحركات العدو السعودي الأمريكي، بعد جولة كانت فيها المدمرات الأمريكية، وباقي سفن الغرب المرتبطة بعلاقات تجارية مع العدو الصهيوني، أهدافاً سهلة لصواريخ وطائرات القوات المسلحة اليمنية.
وفي إعادة التأكيد على أن محك الاقتدار لا يعني -بالضرورة- التفوقَ التقني بقدر ما يتركز على الفاعلين في توظيف القدرات على النحو الذي يجعل منها ذات جدوى حقيقية في سياق المعركة، أصابت القوات اليمنية الملاحة السعودية بالشلل، وحولت تحشيداتها -بمعادلة عملياتية واحدة وغير قابلة للتجزئة- إلى كومة من بواعث الإحباط.
سيطرة ورصد عابر للبر والبحر
ليس الأمر -في التميز الاستخباري اليمني- مجرد استهداف سفينة تجرأت على كسر قرار القوات المسلحة بحظر الوصول أو الخروج من الموانئ السعودية، أو استهداف تحركات معادية لآليات ومعدات وأدوات على الأرض، وإنما هي منظومة سيطرة مسبقة مثلت قاعدة معلوماتية دقيقة، وقدرات على قراءة نوايا العدو ثم السيطرة على حركته برّاً وبحراً.
خلال أيام قليلة، راقب العالم كيف أن الحصار البحري لحركة سفن الطاقة السعودية أربك السوق العالمية، وولّد فوضى في وضع الإجراءات الاحترازية للحفاظ على إيقاع النشاط الاقتصادي العالمي، ثم جاءت عمليات الحماية الاستباقية ضد التحركات السعودية في بعض بَر اليمن، لتكرس القناعة بأن حقبة الزمن القادم بالفعل على مشارف تحولات أكيدة في موازين القوى، فاليمن وبالاستفادة مما تعطيه القوانين الدولية من حق الدفاع على النفس وليس بالقفز عليه كما تفعل زعيمة البلطجة أمريكا، أخمَد نار فتنة أرادت السعودية -بكل ما توفر لها من قدراتٍ- إشعالَها بنقل المعركة إلى الداخل اليمني.
هذا النفوذ المعلوماتي حوّل الحصار البحري من مجرد قرار سياسي إلى واقع مطبّق بالنار، وجعل من الضربات الاستباقية أداة ردع فورية دفنت مخطط الفوضى السعودي في غرف تحضيرها المغلقة.
إجهاض المخططات في مهدها
يبقى في تفاصيل العمل العسكري اليمني ما يثير اهتمام المراقبين والخبراء، ويجهض مساعي قوى الاستكبار لكتم ما تبقى من الأصوات الحرة في ظل وقائع تثبت أن ما يتحقق اليوم ليس وليد المصادفة، بل هو نتاج مسار تراكمي صلب. فمنذ الإعلان الأول لفرض الحصار الملاحي للسعودية، وما تلاه من عمليات نوعية دقيقة طالت أهدافاً حيوية نفطية في العمق السعودي، مروراً باستهداف القطع البحرية المخالفة للقرار اليمني، وصولاً إلى العمليات الاستباقية المؤثرة، كان العقل الاستخباري يسجل حضوراً استثنائياً يمثل الركيزة الصلبة لكل تحرك عملياتي ناجح.
لا شك بأن الثقة في امتلاك المعلومة الدقيقة والآنية مثّل السند الأساسي والدعامة الاستراتيجية الصلبة للتحرك الجريء وفق معادلة “الردع الاستباقي المباشر”، وبتر التحركات العسكرية السعودية في مهدها التنظيمي وتبديد فرص التشكُّل كتهديد ميداني ملموس. وما كان لهذه الضربات الخاطفة والمباغتة أن تتحول إلى كوابيس عملياتية تقوض مراكز السيطرة في مواقع التحشيد، لولا بناء شبكة استخباراتية نافذة وفائقة القدرة.
وإلى ذلك تجاوز العمل الاستخباري حدود الرصد المادي التقليدي ليَنْفذ إلى عمق التنبؤ بنوايا العدو، ويخترق مساراته اللوجستية المستمرة، ويفكك خططه العملياتية على طاولات الإعداد، وقبل أن تُترجم إلى أوامر زحف أو انتشار.
الشلل العملياتي لمحاور العدو
في ذروة الحفاظ على معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، وجّه العمل الاستخباري بوصلته الرادعة نحو التحشيدات التابعة للعدو السعودي في المخا ومأرب وحضرموت؛ مجهضاً مساعي السعودية التي لم تستهدف -فحسب- الضغطَ لكسر المواقف الصلبة للشعب اليمني في الملفين الإنساني والسيادي، بل فتحت مديات الطموح -في المقام الأول والأهم- إلى محاصرة الدور الإقليمي الصاعد لليمن، ومحاولة تكبيل ذراعه الطولى عبر إشغاله بجبهات داخلية واستنزافية معقدة.
وفي هذا السياق، تحولت جبهات المخا ومأرب وحضرموت والحدود من مسارح للمواجهة إلى شواهد حية على اختراق استخباراتي يمني واسع النطاق وبالغ الأثر في عمق التحركات السعودية؛ حيث نجحت أجهزة الرصد والاستطلاع في تفكيك سرية المحاور المعادية، وتحديد أماكن التحشيدات، ومسارات شحنات الأسلحة، ومقرات الاجتماعات بدقة متناهية. وامتلاك المعلومة في هذا المقام وفّر تشريحاً متكاملاً لميدان العدو، بدءاً من خرائط التوزيع والانتشار، وصولاً إلى أدق تفاصيل جداول النقل والتذخير. ثم جاءت العمليات الاستباقية الأخيرة التي دكت مخازن الأسلحة ومراكز التحشيد كترجمة عملية لهذا التفوق الاستخباراتي الكاسح. هذا القنص الفوري للإحداثيات السرية، والتتبع الحي المباشر لحركة العتاد والاجتماعات في وقتها الفعلي، قطع الشك باليقين بأن أجهزة الرصد والمعلومات اليمنية قد تغلغلت عميقاً في بنية العدو السرية، لتتحول من مرحلة مراقبة التهديد إلى مرحلة توجيهه ووأده في مهده.
إدارة الأهداف المتحركة
كما أن استهداف التحشيدات السعودية قدم ملمحاً آخر لمهنية واحترافية المؤسسة العسكرية اليمنية، إذ أظهر أن بنك الأهداف لا ينحصر في النطاق الساكن أو الأهداف الثابتة فحسب، بل يتسع بمرونة عملياتية عالية ليتعقب -بالنار والملاحقة- أي تحركات طارئة أو أهداف مستحدثة، ما يؤكد على استدامة اليقظة لمواجهة كافة المتغيرات.
هذا النجاح الميداني المتعاظم ليس إلا ثمرة هندسة استخبارية تجاوزت الأطر التقليدية لجمع المعلومات والرصد الروتيني، لتتعامل ببصيرة نافذة ترسم سيناريوهات التفوق وتحدد “ساعة الصفر” بدقة متناهية، فتتحول الأجهزة الأمنية والاستخبارية -بذلك- من مجرد راصد ومتابع للميدان إلى صانع حقيقي للإحداثيات الحية المباشرة، ومحرك حاسم للضربات المباغتة التي تُربك حسابات العدو وتجرده من قدرته على المباغتة.
تفكيك شبكات التجسس الدولية
وخلال سنوات العدوان، مثّل العمل الاستخباري اليمني صمام أمان قوي لاستقرار الجبهة الداخلية وحمايتها من الاختراقات. وهو ما شكل تراكماً للخبرة العملية والتطور العملياتي المتدرج للأجهزة الأمنية في تحصين الجبهة الداخلية وتفكيك البنية التجسسية المضادة. فعلى مدى سنوات المواجهة حقق الأمن العسكري إنجازات نوعية مدوية تمثلت في تدمير وتفكيك شبكات تجسسية بالغة التعقيد وعالية التدريب، زرعتها أجهزة استخباراتية دولية وإقليمية (أمريكية، و”إسرائيلية”، وبريطانية، وسعودية) في محاولات مستميتة لاختراق بنية التصنيع العسكري، وجمع بيانات منصات الإطلاق، وتتبع مسارات السلاح.
هذه السيطرة المحكمة على شبكات التجسس الدولية ومصادرة معداتها التقنية المتطورة وجهت ضربة قاصمة وشديدة الأثر للبنية المعلوماتية للقوى العدوانية، وحققت لليمن مكسباً استراتيجياً غير مسبوق في تأمين سرية التصنيع الحربي ورادارات الرصد الحيوية بجدار أمني متين أوجد بيئة استراتيجية محصنة ومعزولة عن الاختراق.
الفرز الجراحي وإجهاض التمويه البحري
في معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس” شكل الاقتدار الاستخباراتي اليمني من العُقد تأثيراً على منظومة الشر (الأمريكية، البريطانية، “الإسرائيلية”)، إذ كان بَطَل فرض وإحكام الحصار على ميناء أم الرشراش في فلسطين المحتلة، وهو عمل لم يكن متوقعاً أن تقع فيه كيانات مثل قوى محور الشر في الوضعية الأضعف والعاجزة عن إيجاد أي ثغرة يمكن لها النفاذ منها إلى إنهاء الوسائل التي تعتمد عليها قواتنا المسلحة. وقد فرضت هذه التحولات العميقة نفسها بقوة على أدبيات الصحافة الغربية؛ فأكدت تقارير لصحيفتي “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” -نقلاً عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)- أن واشنطن صُدمت بدقة معلومات الرصد اليمني؛ إذ أقروا بأن إغلاق أجهزة التتبع وتغيير الملكيات للسفن وتخفيها تحت شركات وهمية لم يمنع القوات اليمنية من اصطياد السفن المستهدفة بفرز جراحي دقيق.
وهو ما اعتبره خبراء “معهد دراسات الحرب” ومحللو “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” دليلاً على الاستخدام المبدع والفعال للغاية لاستخبارات المصادر المفتوحة ومطابقتها الفورية مع الرصد الميداني في المضيق، لفرض حظر بحري عجزت عن مجاراته قوى دولية تمتلك أضخم ميزانيات الدفاع في العالم.
الاعترافات الغربية والصهيونية
وعلى الجانب “الإسرائيلي” حملت تقارير صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية وتصريحات مدير ميناء أم الرشراش اعترافات علنية صريحة بنجاح هذا الحصار الاستخباري-العسكري اليمني؛ إذ أكدوا أن الميناء تعرض لحالة شلل كامل وإفلاس مدقع ونشاط انخفض بنسبة تتجاوز 85%، وأشاروا إلى أن الخطورة تكمن في الدقة المذهلة لفرز السفن؛ حيث كان ربابنة السفن يتلقون تحذيرات تفصيلية تثبت معرفة اليمنيين الدقيقة بهوية المالك والوجهة النهائية، ما أجبر كبرى شركات الشحن العالمية (مثل ميرسك وإم إس سي) على التعليق الفوري لمساراتها عبر باب المندب، في مقابل عبور آمن ومستمر للملاحة الدولية غير المرتبطة بالعدو الصهيوني.
أيضاً، هذا التطور النوعي لخّصهُ “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” بالإشارة إلى أن قدرات القوات المسلحة اليمنية شهدت قفزة نوعية حاسمة، انتقلت بها من نمط الإغراق الناري التقليدي إلى تنفيذ “الضربات الجراحية” القائمة على امتلاك الوعي والمعرفة بالمجال العملياتي، ما جعل إخفاء التجمعات التسليحية ومحاولات الخداع في مسارح البر والبحر مهمة بالغة التعقيد ومستحيلة الفاعلية أمام “بنك أهداف متجدد” يُدار بأعلى مستويات اليقظة والحيويّة.
وقال معهد نيويورك لسياسات الحرب (ISW) “إنهم لا يهاجمون أي سفينة، بل يعرفون بالضبط من هي السفينة، ومن يملكها، وإلى أين تتجه، حتى وإن كانت تسير بدون أجهزة تتبع أو تحت علم بنما. هذا المستوى من الفرز الملاحي ينم عن بنية استخباراتية متماسكة وليست عشوائية”.
فيما أشار “جون هاردي” نائب مدير البرنامج الدفاعي في FDD إلى أن ما يفعله اليمنيون في البحر ليس مجرد إطلاق عشوائي، بل هو “استخدام مبدع وفعال للغاية لاستخبارات المصادر المفتوحة، حيث أظهروا قدرة على تتبع بيانات الشحن، والملكية البحرية، وقواعد البيانات التجارية، ثم مطابقتها مع الرصد الميداني في المضيق”، وهو ما عجزت عنه دول ذات ميزانيات دفاعية ضخمة.
