طهران تحتفظ بمفتاح “هرمز” وتجبر واشنطن على التراجع.. شروط إيرانية ومفاوضات عُمانية تُزيح أمريكا من “المضيق”

4

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
12 أغسطس 2026مـ – 29 صفر 1448هـ

دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة واشنطن على فرض إرادتها العسكرية والسياسية في المنطقة، فالمعادلة التي أرادت الإدارة الأمريكية تثبيتها بالقوة اصطدمت بقدرة إيران على الصمود وفرض شروطها، بينما تحولت الضغوط والعقوبات والتهديدات إلى أوراق لم تعد تمنح الولايات المتحدة التفوق الذي كانت تراهن عليه.

ويبرز مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة كورقة استراتيجية تملك إيران القدرة على استخدامها في مواجهة الضغوط الأمريكية، فيما تكشف المفاوضات الجارية عبر عُمان أن مستقبل أمن المنطقة وممراتها الحيوية لا يمكن أن يُحسم بقرار أمريكي منفرد.

ويكتسب الفصل بين المسار الإيراني-العُماني والمسار المباشر مع واشنطن أهمية خاصة، لأنه يضع الولايات المتحدة أمام حقيقة أن دول المنطقة قادرة على إدارة شؤونها بعيداً عن الوصاية الخارجية.

وفي مقابل محاولة واشنطن الحفاظ على مظهر القدرة والنفوذ، تتجه طهران إلى تثبيت معادلة تقوم على التفاوض من موقع القوة، والاستفادة من عامل الوقت، وربط أي خطوة تتعلق بالمضيق برفع الحصار والتهديدات والعودة إلى الالتزامات السابقة.

وبهذه المعطيات يصبح أي اتفاق مقبل محكوماً بشروط جديدة تفرضها الوقائع التي أوجدتها المواجهة، فيما تتسع دائرة التحرك الإقليمي حول إيران عبر عُمان وباكستان وقطر، في مسار يضعف قدرة واشنطن على احتكار قنوات التفاوض والقرار.

وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية ومؤسس مركز بروجن للدراسات رضوان قاسم إن الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترامب يريدان الوصول إلى اتفاق مع إيران، كما تريد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الوصول إلى الاتفاق، لكن بعيداً عن الإملاءات الأمريكية، وبما يضمن حقوق مصالح طهران المشروعة.

وفي مداخلة على قناة المسيرة، يوضح قاسم أن التطورات والأحداث الأخيرة كانت أوراق ضغط هدفت إلى كسب المزيد من النقاط والأوراق على طاولة المفاوضات، وأن الطرفين سيعودان إلى الطاولة للوصول إلى الاتفاق النهائي، مشيراً إلى أن الوثيقة التي جرى توقيعها تضمنت الخطوط العريضة للاتفاق.

ويضيف أن الولايات المتحدة حاولت، بعد إغراءات وضغوط من أطراف عدة، وخصوصاً من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي الذي تحدث باسم الإدارة الإسرائيلية، إقناع ترامب بأن المزيد من الضغط يمكن أن يحقق أهدافاً ومصالح أمريكية أكبر، إلا أن التطورات أثبتت قدرة إيران على المواجهة وفرض شروطها.

ويؤكد أن إيران استفادت بصورة كبيرة من عامل الوقت، الذي لا يكون دائماً في مصلحة الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الجمهورية الإسلامية تمكنت من تحقيق أهدافها من خلال كشف نقاط ضعف الجانب الأمريكي.

ويتابع قائلاً: إن الحرب على إيران كشفت ضعف الولايات المتحدة وعدم قدرتها على الاستمرار في حرب طويلة الأمد، إضافة إلى ضعف مخزون الذخيرة والعتاد وحاجتها إلى وقت طويل، فيما فرضت المعادلات الإيرانية على الإدارة الأمريكية التراجع عن عدد كبير من أهدافها.

وينوّه إلى أن إدارة ترامب تواجه مرحلة انتخابات نصفية، ما يجعل الوقت عاملاً ضاغطاً عليها، وأن إيران أصبحت اليوم في موقع وضع الشروط، مستشهداً بما أعلنه محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بشأن عدم إمكانية فتح مضيق هرمز إلا وفق الشروط الإيرانية.

ويرى أن الولايات المتحدة، رغم التصريحات التي يطلقها ترامب، تدرك محدودية الوقت والقدرات العسكرية الأمريكية، وعدم قدرتها على الذهاب بعيداً في حرب جديدة وطويلة الأمد، ولذلك ستضطر إلى تقديم تنازلات كبيرة.

ويبيّن أن ما تريده واشنطن في المقابل هو الحفاظ على “ماء الوجه”، بحيث تحصل على نقاط تستطيع تقديمها للرأي العام باعتبارها إنجازات أمريكية، مضيفاً أن الاتفاق يمكن أن يتم عبر سلطنة عُمان بعيداً عن الإعلام، بما يسمح لترامب بالقول إنه فتح طريق مضيق هرمز وفرض قواعد اشتباك تفاوضية جديدة.

ويجزم بأن إيران تسعى من خلال التفاوض مع سلطنة عُمان إلى إيصال رسالة بأن المنطقة يجب أن تُدار من قبل أهلها، وليس من الخارج أو من إدارة ترامب، وأن خروج الولايات المتحدة من المنطقة يمثل أحد البنود التي وردت في الوثيقة التي وقع عليها ترامب والرئيس الإيراني.

ويشير إلى أن الاتفاق الإيراني-العُماني يؤكد أن السيادة على مضيق هرمز لا تعني انفراد إيران بها، وإنما تؤكد أن الولايات المتحدة لا تملك سلطة على المضيق، وأن ترامب يحاول إظهار قدرته على السيطرة عليه وفتحه، وهو ما لم تمنحه إيران له.

ويكشف قاسم عن وجود نقطة تفاوضية غير معلنة تتمثل في إمكانية موافقة ترامب على المقترحات الإيرانية والعُمانية والوصول إلى اتفاق يحرم الإدارة الأمريكية من استخدام الوساطة العُمانية كغطاء دبلوماسي لتغطية تراجعاتها الميدانية.

ويشدّد على أن إيران أبعدت المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة عن المشهد الإعلامي، بحيث تتم التفاهمات مع سلطنة عُمان، ثم يجري الوصول إلى اتفاق مع واشنطن من دون الإعلان عن تفاصيل ما جرى بين طهران ومسقط.

ويضيف أن الولايات المتحدة كانت قد هددت سلطنة عُمان، مؤكداً أن عُمان في هذا المسار ليست مجرد وسيط، وإنما شريك مع الإيرانيين، وأن الاتفاقات التي تجري معها تتم بعيداً عن المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة.

وبشأن التحركات الإقليمية، يقول قاسم إن إيران لا تستطيع التنازل عن الاتفاق أو الشروط التي وضعتها ووافق عليها الجانب الأمريكي، مشيراً إلى أن طهران باتت تمتلك ورقة قوة تتمثل في إمكانية الانسحاب من أي اتفاق مقبل إذا تراجع الأمريكيون عن التزاماتهم.

وفي ختام مداخلته، يعتبر مؤسس مركز بروجن للدراسات، رضوان قاسم، أن باكستان كانت شاهدة على الاتفاق وسعت إليه، وأن زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران ووقوفه إلى جانب الموقف الإيراني، مع إعلانه أن الوصول إلى اتفاق مع الولايات المتحدة أصبح قريباً جداً، تؤكد استمرار المساعي الباكستانية، إلى جانب المساعي القطرية، وأن الشروط الإيرانية ستنفذ، مشدداً على أن المفاوضات الباكستانية والإيرانية-العُمانية تجري في الخلفية، بما يعزز الموقف الإيراني ويقرب الوصول إلى الاتفاق.

من جانبه، يقول الباحث والخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور حسين رويوران، إن اتفاق إيران وعُمان يتعلق بالمضيق بين الدولتين، وإن إيران لم تسمح لأي طرف آخر بالتدخل في هذا الملف، مشيراً إلى أن الاتفاق الحالي ثنائي ومؤقت، فيما يعمل الطرفان على اتفاق دائم.

ويبيّن في مداخلة على قناة المسيرة، أن الاتفاق الإيراني-العُماني لا يعني فتح مضيق هرمز تلقائياً، لأن فتحه يحتاج إلى إطار تفاهم، فيما خرجت الولايات المتحدة من إطار مذكرة التفاهم السابقة.

ويحدد رويوران أربعة شروط أمريكية لفتح المضيق، تبدأ بإعلان وقف كامل ودائم لإطلاق النار، ورفع الحصار البحري، وتجميد العقوبات الأمريكية على صادرات النفط والمشتقات النفطية والبتروكيماويات الإيرانية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.

ويضيف أنه إذا نفذت الولايات المتحدة هذه الإجراءات، فإن ذلك يعني تراجعها عن قرار سابق بالخروج من مذكرة التفاهم، وعليها عندها أن تعلن عودتها إلى المذكرة والتزامها بها، وعند تنفيذ هذه الإجراءات يمكن فتح مضيق هرمز.

ويشدد رويوران على أن إيران لا يمكنها فتح المضيق من طرف واحد تحت أي ظرف، لأن إغلاقه جاء نتيجة العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران، وبالتالي لا يمكن فتحه من دون مقابل.

ويؤكد أن الإعلان الإيراني المبكر عن الفصل الكامل بين التفاهمات الإقليمية مع سلطنة عُمان ومسار الصراع المباشر مع واشنطن يعكس طبيعة الاتفاق القائم، موضحاً أن مذكرة التفاهم المقصودة هي بين إيران والولايات المتحدة وليست بين إيران وعُمان.

وفي ختام مداخلته، يجدّد الخبير والباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور حسين رويوران، التأكيد على أن إغلاق مضيق هرمز جاء نتيجة العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران، وأن فتحه يتطلب إعلان واشنطن وقف إطلاق النار والعودة إلى مذكرة التفاهم والالتزام بها، وعندها يمكن لإيران فتح المضيق.