المخا ومأرب.. ضربة استباقية تكشف رهانات العدو السعودي على الحرب الداخلية

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
10 أغسطس 2026مـ – 27 صفر 1448هـ

تقريــر || محمد ناصر حتروش

يمارس العدو السعودي، بعد 12 عامًا، من التوحش الإجرامي، سياسة الخداع في مواجهة اليمنيين، بالتزامن مع سجل واسع من استهداف المدنيين والبنى التحتية، وفق آخر بيان لمركز عين الإنسانية، بلغ إجمالي ضحايا المدنيين جراء العدوان السعودي على اليمن 60,891 شهيدًا وجريحًا، بينهم أطفال ونساء؛ فيما طال التدمير والتضرر 623,599 منزلًا سكنيًا ومرفقًا خدميًا ومقرًا حكوميًا، إلى جانب آلاف الطرق والجسور وشبكات المياه والاتصالات والكهرباء، فضلًا عن 16,798 منشأة تجارية.

ولم يقتصر الاستهداف على القطاعات الخدمية والاقتصادية؛ إذ يؤكّد مركز عين الإنسانية امتداده إلى القطاعات الثقافية والسياحية والرياضية والإعلامية، لتقدم هذه الإحصائيات صورة دامغة عن تداعيات العدوان السعودي واتساع نطاقه ليشمل مختلف جوانب الحياة المدنية والاقتصادية والخدمية في اليمن.

وفي مسار مغاير لخارطة الطريق التي جرى التوقيع عليها بوساطة عُمانية، يمضي العدو السعودي، بإيعاز أمريكي وصهيوني، في محاولة إبقاء الاحتلال والحصار على اليمن، متوسلًا أساليب الخداع والمراوغة؛ إذ يتحدث عن السلام وإنهاء العمل العسكري، بينما يحشد أدواته الحزبية والمناطقية ويمدها بالسلاح والعتاد لتفجير الوضع من الداخل.

وأمام هذه التحركات، أسهمت حكمة القيادة السياسية والثورية ودقة العمل الاستخباراتي في فضح المخططات وإحباطها؛ فيما واصلت القوات المسلحة اليمنية فرض معادلة «الحصار بالحصار» ورصد التحركات العدائية في الداخل.

ومن زاوية أخرى، تأتي استهدافات عشرات المعسكرات في عددٍ من المحافظات المحتلة لتوجّه رسالة واضحة للعدو وأدواته؛ بأن انتهاك السيادة اليمنية لم يعد أمرًا ممكنًا، وأن مسار الأحداث يتجه نحو استكمال معركة التحرير الشامل لكافة الأراضي اليمنية.

في السياق، يؤكّد قائد قوات الدفاع الساحلي اللواء محمد القادري، أنّ عمليات استهداف مراكز التحشيد ومخازن الأسلحة التابعة للعدو السعودي في المخا تمت بقدرات عالية، في سياق التعامل مع التحركات العسكرية المعادية، مشدّدًا أن تحشيدات العدو السعودي من الأدوات المحلية تم تحذيرها أكثر من مرة من عدم التعامل مع العدو الصهيوني، وكذا العدو السعودي، وعدم إدخال أسلحة ومرتزقة عبر ميناء المخا، مبينًا أن أنشطة الميناء تحولت من النشاط التجاري إلى النشاط العسكري المشبوه الذي يخدم أعداء الوطن من الصهاينة والسعوديين.

ويدعو اللواء القادري المغرر بهم من أبناء الحديدة وبقية المحافظات إلى مغادرة معسكرات العدو والعودة إلى مناطقهم وقراهم، لافتًا إلى أن العدو السعودي يُمعن، على مدى 12 عامًا، في استهداف البنية التحتية وتعطيل المصالح الحيوية، ما يثبت إصراره على انتهاك أبسط الأعراف والمواثيق الدولية الإنسانية.

وبحسب القادري؛ فإن عمليات المخا والثنية تأتي في إطار رسالة ردع استراتيجية، تؤكّد قدرة القوات المسلحة على التعامل مع كل التحركات المعادية، محملًا تحشيدات العدو السعودي مسؤولية العواقب الوخيمة للتورط مع هذا العدو المجرم والارتباط به في مساعيه ومؤامراته لتجويع الشعب اليمني ومحاولة إركاعه لقوى الاستكبار العالمي، مختتمًا بالقول: «وقد أعذر من أنذر».

من جانبه، يؤكّد عضو المكتب السياسي لأنصار الله حزام الأسد، أن التحشيدات العسكرية الارتزاقية مثلت بالنسبة للعدو السعودي في اليمن، من خلال التمويل والتحشيد والتدريب والتسليح، وكذلك بناء المعسكرات المستحدثة، «خط دفاع أول» و«رأس حربة» في أي مسار تصعيدي، إضافة إلى استخدامها للتملص من استحقاقات الشعب اليمني وكسر الحصار في المرحلة المقبلة.

ويوضح في حديثه لقناة “الميادين” أن السعودية عمدت خلال السنوات الماضية إلى إنشاء تلك التحشيدات والتشكيلات لهذا الغرض، مشيرًا إلى أن العمل الذي قامت به القوات المسلحة من حيث الرصد الدقيق وتحديد الإحداثيات الدقيقة والأهداف بدقة متناهية، وصولًا إلى الضربات المسدّدة والدقيقة التي استهدفت هذه التحشيدات والثكنات ومخازن الأسلحة وتواجد الآليات، يُمثل صدمةً “بالنسبة للعدو السعودي بشكّلٍ كبير جدًا”، في ظل المراهنة الكبيرة على التملص من استحقاقات الشعب اليمني.

ويُشير إلى أن هذه المراهنة تأتي في إطار إحداث الإشكال الداخلي وإثارة اليافطات التي يحاول نظام بني سعود دائمًا تسويقها، باعتبار ما يجري في اليمن «مشكلة داخلية وحربًا أهلية»، بينما هي في الحقيقة مواجهة لعدوان وحصار سعودي بحت، ومن يقف خلفه، واصفًا العمليات العسكرية الأخيرة بالانتصار الكبير والتوفيق الإلهي للقوات المسلحة اليمنية.

ووفقًا للأسد؛ فإن الشعب اليمني ينطلق من ثقة بالله سبحانه وتعالى، ومن مواقف محقة وعادلة عندما يتبنى رفع الحصار والمعاناة عن الشعب وانتزاع حقوقه المشروعة، مضيفًا أن من حق هذا الشعب المظلوم والمكلوم أن ينال النصر، بعد ما مورس عليه من ظلم وعدوان طوال ما يقارب اثني عشر عامًا.

وفي قراءة عسكرية، جاءت العمليات النوعية في ميناء المخا ومأرب لتوجّه ضربة استباقية لمخططات العدو وأدواته، ولا سيما تلك الرامية إلى شن هجمات على الجيش اليمني في مختلف المحافظات الحرة، الأمر الذي أسهم في إحباطها وإدخالها في دائرة الفشل.

وحول هذه الجزئية، يتحدث عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح، عن دلالات الاستهداف العسكري لمعسكرات العدو السعودي في الداخل اليمني، قائلًا: “إن القصف جاء ببساطة نتيجة تحول الميناء إلى معسكر لتحشيدات وتجهيزات العدو السعودي التي جمعت استعدادًا للقتال، بهدف مضاعفة المعاناة والحصار وقتل أبناء الشعب اليمني”.

ويضيف في تغريدة له على منصات التواصل الاجتماعي: إن “هذه التحشيدات تأتي في إطار مساعي العدو السعودي لبسط سيطرته واحتلاله على اليمن وتكريس الوصاية من جديد، وفرض الإملاءات الأمريكية والصهيونية على اليمن”.

ويبيّن أن تلك التحشيدات السعودية تستهدف ليّ ذراع الشعب اليمني الحر، وفرض العبودية والاحتلال عليه قسرًا، ودفعه إلى القبول بالعدو الخارجي الذي قتله ودمره وأفقره وجوّعه وقطع مرتباته ونهب ثرواته وتآمر عليه منذ عشرات السنين، ولم يقدم له سوى الدمار والخراب والفتن.

وفي محاولة للتغطية على طبيعة العمليات العسكرية اليمنية الناجحة في ميناء المخا ومأرب، يعمد أبواق تحالف العدوان السعودي إلى تقديمها باعتبارها استهدافًا للمدنيين والأحياء السكنية، بينما تكشف الحرائق الهائلة وتصاعد الأدخنة لساعات طويلة زيف هذه الدعايات، إلى جانب ما سبق أن أوردته وسائل إعلام حليفة للعدو السعودي بشأن عسكرة ميناء المخا وتحويله إلى ثكنةٍ عسكرية.

ولا تقف المعطيات التي تكشف زيف الدعاية السعودية بشأن المخا عند حدود المشاهد الميدانية، إذ سبق لقناة الجزيرة أن تناولت، في عدة تقارير مفصلة، إنشاء قواعد عسكرية في ميون والمخا وذو باب، والاستيلاء على الساحل الغربي اليمني وطرد السكان ومنع الصيد، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول مدى صحة وصف ميناء المخا بالمدني، في ضوء ما وثقته تلك التقارير من حضور وأنشطة عسكرية في المنطقة.

وحول هذا الشأن، يقول عضو المكتب السياسي لأنصار الله سليم المغلس: “من العجيب أن الإعلام السعودي لم يستطع حتى الآن تزييف صورة بالذكاء الاصطناعي ليؤكد أكاذيبه عن قصف مستشفيات ومنازل ومنشآت مدنية”، لافتًا إلى أن أيّ شخص لا يعرف اليمن والمخا ويسمع أخبار الحدث سيشعر أن المخا دولة فيها عشرات المستشفيات والمنشآت المدنية، وتم تدميرها، ويصف ما يجري بأنه «إفلاس وكذب وتزييف وخداع مفضوح».

قتلى سعوديون في معارك لا فائدة منها

واستنادًا إلى مصادر خاصة، أفادت “المسيرة” بمصرع العشرات من تحشيدات العدوان السعودي، بينهم ضباط وجنود سعوديون، في تطورات تعيد إلى الواجهة تساؤلات حول جديّة العدو السعودي في المضي نحو السلام وإنهاء العدوان على اليمن، فضلًا عن استرخاصه للدم الحجازي والنجدي والزج بهم في معارك لا فائدة منها.

وحول هذا الشأن، يقول الناشط السعودي سعود المالكي: ” يا إخوان، دعونا نتحدث بصراحة وبعيدًا عن التظليل الذي نسمعه كل يوم في الإعلام، إلى متى ونحن ندفع ثمن السياسات والتخبط السياسي الذي لم يأتي لنا سوى بالمشاكل؟”.

ويجيب في سلسلة تغريدات له على منصات التواصل الاجتماعي: “من سنوات طويلة والحكومة تدور في نفس الحلقة المفرغة، تورطت في حرب اليمن ودخلتنا في دوامة ما لها نهاية”، مردفًا القول: “بدال ما تروح ميزانيات البلد وثروات النفط للشباب السعودي اللي يدور وظائف، ولا للخدمات الصحية والتعليمية اللي كل مالها تتراجع، تروح ملايين وملايين على صفقات السلاح، وعلى دعم فصائل ومرتزقة في الساحل والمخا وغيرها”.

ويزيد القول: “وفي النهاية ماهي النتيجة؟ نرجع للصفر، وتجي الردود والضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة فوق رؤوسنا، ونحس بتهديد حقيقي لأمننا واقتصادنا”.

ويتساءل المالكي: “ماذا استفدنا من هذه المماطلة وتأجيل الحلول؟ ليش الإصرار على فرض سياسات الحصار والتضييق الاقتصادي على اليمن، وفي الآخر كل فعل له رد فعل أصعب؟ المسألة ما هي مجرد حرب عسكرية، المسألة إن اقتصادنا ينزف، والمواطن هو اللي يتحمل الضرائب والغلاء وارتفاع الأسعار، بينما المليارات تضيع في حروب بالوكالة ما جنى منها الوطن إلا الوجع”.

وخلص إلى أن الحكمة والعقل يقولان إن الأمان والحفاظ على استقرار السعودية لا يأتي عن طريق الرهان على الأدوات ولا بالمماطلة في الملفات الاقتصادية والإنسانية، يأتي بإنهاء هذه الحرب فورًا، مشيرًا إلى أن العناد والتخبط السياسي ليس شجاعة، والشجاعة الحقيقية وفق منظوره هي في الاعتراف بالخطأ وتوقف هذا النزيف قبل ما ندفع كلنا ثمن أكبر.

قلق أممي عن المخا.. وصمت عن الحصار

وبالعودة لدور الأمم المتحدة، يعيد الموقف الأخير للمبعوث الأممي إلى اليمن “هانس غروندبرغ” طرح الأسئلة حول طبيعة المقاربة الأممية للملف اليمني؛ فقد أعرب عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات الأخيرة التي شنها الجيش اليمني على المخا، مدعيًا أنها عرضت المدنيين لخطر جسيم في المخا ومأرب ومناطق أخرى، وداعيًا إلى وقف التصعيد وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.

لكن اللافت في هذا الموقف هو تركيزه على التطورات الأخيرة بمعزلٍ عن السياق الأوسع للحرب والحصار وتداعياتهما، وما سبقهما من استهداف للبنية التحتية والمصالح الحيوية اليمنية، في وقتٍ يغيب عن خطابه التطرق إلى مسار السلام اليمني والعوامل التي حالت دون استكماله.

ومن هُنا؛ فإن حصر المعالجة الأممية في وقف التصعيد وحماية المدنيين، من دون وضع جذور الأزمة والعدوان والحصار في صلب الموقف، يُثير تساؤلات حول مدى قدرة الأمم المتحدة على أداء دور متوازن يقود إلى سلام شامل ومستدام، بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائج التصعيد دون مسبباته؟!