زمن كشف الأقنعة: حقيقة المخطط الصهيوني وسقوط الدور السعودي في المنطقة

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
6 أغسطس 2026مـ – 23 صفر 1448هـ

تقريــر || عباس القاعدي

تتجلى في هذه المرحلة الحاسمة الحقائق الناصعة وتتساقط كل الأقنعة الشكليّة التي طالما تستر خلفها النظام السعودي لقرون من الزمن، ليتكشف التوجه الحقيقي والمسار الممنهج الذي يقوده المعتوه بن سلمان وعصابة الحكم في الرياض والدرعية.

فلم يعد الأمر يقتصر على مجرد تطبيع سياسي أو مجاملات دبلوماسية عابرة، وإنّما يتعداه إلى ارتداد كامل وانخراط صريح في خدمة المشروع الصهيوني والأمريكي على حساب ثوابت الأمة ومقدساتها وقضاياها المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والسيطرة على مقدسات بلاد الحرمين الشريفين.

وتأتي هذه السلسلة من الشواهد والأدلة والتقارير الموثقة لتسلط الضوء على الأبعاد الخطيرة لهذا التوجه، بدءًا من الاستعلاء والاستهداف الممنهج للشعب اليمني وتعميم الفتن في المنطقة، مرورًا بالتقارب غير المشروط مع كيان العدو الصهيوني ورموزه، وصولًا إلى التمكين الخفي والمعلن لما يسمى بـ “المجتمع اليهودي” في شبه الجزيرة العربية وتفريغ الأمة من قيمها الروحية والأخلاقية؛ إنه “زمن كشف الحقائق” الذي لا يدع مجالًا للبس أو الغموض، ليضع كافة أبناء الأمة العربية والإسلامية، شعوبًا ونخبًا وعلماء، أمام مسؤولياتهم التاريخية في مواجهة هذا الخطر الوجودي.

يُـلَخِّصُ الموقفُ السعوديُّ وحقيقةُ النَّظرةِ السعوديةِ تجاهَ اليمنِ، في أبواقِ وناشطي وإعلاميي نظامِ العدوِّ السعوديِّ، والمقرَّبينَ من دوائرِ الحكمِ في الرياضِ، الذينَ يعبِّرونَ عن حقدٍ، وعداوةٍ، واحتقارٍ واستعلاءِ النظام السعودي بحق الشعب اليمني.

إضافةً يُمارِسُ المجرمُ السعوديُّ كلَّ أنواعِ التدخُّلِ في اليمنِ وشؤونِ شعبِهِ، وينهبُ ثرواتِهِ، ويظلمُ ويحاصرُ أبناءَهُ، وفي المقابلِ يقومُ بدعمِ الأدواتِ والمرتزقةِ، ليبقى اليمنُ مكبَّلًا وأسيرًا للصراعاتِ الأهليةِ، وفوقَ هذا يظهرُ ناشطو وسياسيو العدوِّ السعوديِّ على قنواتِهِم، وهم يتطاولونَ على الشعبِ اليمنيِّ الذي هو أكرمُ وأنبلُ وأشرفُ، وأطهرُ شعبٍ على وجهِ الكرةِ الأرضيةِ.

كما يَـظْهَرُ ما تحاولُ الأسرةُ السعوديةُ الحاكمةُ أن تُخفِيَهُ على ألسنةِ الإعلاميينَ المقرَّبينَ من الديوانِ الملكيِّ، الذينَ بقدرِ تطاولِهِم على الشعبِ اليمنيِّ، يَتَغَزَّلُونَ بالمقابلِ باليهودِ، ويَتَمَدَّحُونَ في الصهاينةِ، بما يكشفُ للعالمِ حقيقةَ السياسةِ السعوديةِ بشكّلٍ عامٍ؛ سياسة تمثِّلُ حربًا على العروبةِ والإسلامِ، ودعمًا وإسنادًا لليهودِ والصهاينةِ في مختلفِ المواقفِ وتجاهَ كلِّ الاستحقاقاتِ، وصولًا إلى جعلِ العدوِّ الإسرائيليِّ جزءًا لا يتجزَّأُ من دولِ الخليجِ، وأن يُعامَلَ الصهيونيُّ معاملةَ المواطنِ الخليجيِّ، وهذا ما يؤكِّدُهُ أحدُ إعلاميي العدوِّ السعوديِّ.

يُؤَكِّدُ ما تابعناه باللغة السابقة عن اليهود، وعن الصهاينة، وعن العدو الإسرائيلي، أننا سمعنا بالمقابل مستوى الإسفاف والحقد والتطاول والإساءة ضد الشعب اليمني، وأيضًا ضد الشعب الفلسطيني، وضد قضايا الأمة العربية والإسلامية بشكّلٍ عام؛ فما تابعناه هو ارتداد كامل تشهده السعودية، والمسألة ليست رأيًا شخصيًا، بل هذا توجه وسياسة سعودية ممنهجة، يوضحها الدعم والاهتمام السعودي وعلى لسان ناشطيه الذين يتغزلون باليهود.

المقطع السابق يُشير إلى أنه لم يَبْقَ إلا إعلان رسمي للتطبيع السعودي الصهيوني، في حفل ترعاه أمريكا، يلتقي فيه المجرمان نتنياهو وابن سلمان، ويتعانقان بالأحضان في إعلان عودة وشائج الأخوة بين اليهود وبن سعود، وهي الوشائج التي ظل السعوديون يتسترون عليها عقودًا طويلة من الزمن، مارسوا خلالها أقدر وأخطر اختراق للأمة العربية والإسلامية لصالح الصهيونية ولصالح المشروع الأمريكي والإسرائيلي.

يُثْبِتُ كَلامُ السيدِ القائدِ عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- أنَّ أسوأَ ما يعملُ عليهِ السعوديُّ هو إثارةُ الفتنِ في العالمِ الإسلاميِّ، وهذا دورٌ أساسٌي يقومُ بهِ السعوديُّ، والكلُ يعرفُ أنَّهُ ما من فتنةٍ وقعتْ في شعبٍ من شعوبِ أمتِنا الإسلاميةِ في هذا العصرِ الذي نعرفُهُ، إلا وللسعوديِّ دورٌ فيها في الهندسةِ لها، وفي التغذيةِ لها، وفي الإثارةِ لها، وفي التمويلِ لها.

فكلُّ الفتنِ التي وقعتْ في العالمِ العربيِّ بشكلٍ عامٍ، ونتجَ عنها سفكُ الدماءِ، وإثارةُ الفرقةِ بينَ شعوبِ هذهِ الأمةِ، وإثارةُ العداوةِ والبغضاءِ بينَها، والمظالمُ والمآسي والمحنُ الكبرى، تحتَ عناوينَ سياسيةٍ، أو عناوينَ طائفيةٍ، أو عناوينَ عرقيةٍ، أو عناوينَ مناطقيةٍ، أيَّ عنوانِ فتنةٍ ينتجُ عنه فرقةٌ، وينتجُ عنه سفكٌ للدماءِ، وينتجُ عنه بعثرةٌ لهذهِ الأمةِ، يبادرُ السعوديُّ بكلِّ مسارعةٍ إلى تمويلِهِ، وإلى تقديمِ الأموالِ فيهِ.

وأيُّ نشاطٍ للجريمةِ المنظمةِ، حتى في اليمنِ يموِّلُهُ، ويدفعُ لهُ السعودي؛ فإذا تحرَّكَ أيُّ سارقٍ، أو أيُّ قاطعِ طريقٍ، وارتبطَ بالسعوديِّ ليموِّلَ نشاطَهُ، وليحوِّلَهُ إلى حالةِ استهدافٍ لشعبِنا، لا يبخلُ عن ذلكَ بل يكونُ سخيًّا، فعندما تكونُ المسألةُ مسألةَ قتلٍ، وسفكٍ للدماءِ، وإخلالٍ بالأمنِ والاستقرارِ، وبعثرةٍ للشعوبِ، وتمزيقٍ لها، وسفكٍ لدماءِ الناسِ، يبذلُ الأموالَ الهائلةَ لذلكَ.

وهذه حقيقةٌ؛ لأنَّهُ ما من فتنةٍ وقعتْ في شعبٍ من شعوبِ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ في هذا العصرِ، إلا وللسعوديةِ فيها يدٌ في هندستِها، وتغذيتِها، وتمويلِها، والدورُ السعوديُّ السابقُ جزءٌ من مهمةٍ ومن وظيفةٍ لذلكَ النظامِ الذي من أجلِها أنشأتْهُ بريطانيا في خدمةِ المشروعِ الإسرائيليِّ وإقامةِ ما يُسمَّى بإسرائيلَ الكبرى.

وإلا فما الذي يفسِّرُ أنَّ السعوديةَ تقفُ ضدَّ كلِّ شيءٍ يتعلَّقُ أو يرتبطُ برفضِ الإجرامِ الصهيونيِّ ومقاومةِ الاحتلالِ والتوسعِ الإسرائيليِّ في البلدانِ العربيةِ، وفي فلسطينَ على وجهِ الخصوصِ، وعلى العكسِ من ذلكَ -وكما سمعنا من الإعلاميِّ السعوديِّ- تدعو إلى التطبيعِ والتقاربِ والتوحُّدِ مع اليهودِ، وتدعو إلى منحِ الصهاينةِ حقَّ الدخولِ إلى الأراضي الإسلاميةِ المقدسةِ في الجزيرةِ العربيةِ بدونِ تأشيرةٍ (فيزا)؟ بينما المواطنُ العربيُّ أو اليمنيُّ يُتمُّ إحراقُهُ بالبنزينِ فيما لو أمسكَ به حرسُ الحدودِ، أيُّ فقيرٍ عربيٍّ أو مسلمٍ يحاولُ البحثَ عن عملٍ أو مصدرِ رزقٍ يسترهُ من ذلِّ الفقرِ والحاجةِ والجوعِ.

يُظْهِرُ ما تقدَّمَ أنَّ أهمَّ مجموعةٍ تدعمُ العدو الإسرائيلَي اليومَ في أمريكا ليست اليهودَ، بل المسيحيون الصهاينةُ، حيث كانت المجموعةَ الأهمَّ التي قادت بريطانيا إلى منحِ فلسطينَ لليهودِ عامَ 1917م، ومنهم بلفور، وهم صهاينةٌ ومسيحيون؛ إذ يمكنُ أن تكونَ يهوديًا من دونِ أن تكونَ صهيونيًا، ويمكنُ أن تكونَ صهيونيًا من غيرِ أن تدينَ باليهوديةِ.

ولهذا؛ فإنَّ العالمَ اليومَ أمامَ معسكرينِ: معسكرٍ صهيونيٍّ ومعسكرِ مقاومةٍ، وإنَّ الانتصارَ للحقِ وللمقاومةِ يقودُهُ محورُ المقاومةِ؛ فهذه هي الحقيقةُ؛ فالمعسكرَ أو المشروعَ الصهيونيَّ يضمُّ أنظمةً وحكوماتٍ عربيةً، ومعظمَ الحكوماتِ والأنظمةِ العربيةِ هي جزءٌ من هذا المشروعِ الصهيونيِّ، التي يُطلبُ منها الإبقاءُ على الانتماءِ شكليًا كعربٍ ومسلمينَ.

وعلى رأسِ هذهِ الأنظمةِ يأتي النظامُ السعوديُّ الذي يجمعُ بين الأصولِ اليهوديةِ، بمعنى أنَّ الاهتمامَ السعوديَّ يفسِّرُ حرصَ النظامِ وميلَهُ واندفاعَهُ لخدمةِ الصهيونيةِ والمشروعِ الصهيونيِّ في الأراضي العربيةِ الفلسطينيةِ المحتلةِ، وهذا ما يكشفُهُ قادةٌ معروفون موجودونَ كقاماتٍ فكريةٍ وسياسيةٍ سعوديةٍ، وهم أكثرُ معرفةً وقربًا من بني سعودَ وخباياهُم وأصولِهِم، وحقيقةِ علاقتِهِم بالإسلامِ والعروبةِ وباليهودِ والصهيونيةِ.

يُـؤَكِّدُ السياسيُّ السعوديُّ المعروفُ محمدٌ المسعريُّ -وهو قامةٌ معروفةٌ وليس مدَّعيًا- بحديثِهِ عن المعتوهِ بنِ سلمانَ وأبيهِ، بأنّهما صهاينةٌ، لأنَّهُ إذا غَرَّتْكَ الأصولُ، دلَّتْكَ الأفعالُ؛ أي الممارسةُ التي تقومُ بها السعوديةُ على صعيدِ القضايا العربيةِ، وبالذاتِ القضيةُ الفلسطينيةُ، وعلى صعيدِ محاولةِ نشرِ الفسادِ والسقوطِ الأخلاقيِّ والارتدادِ عن الإسلامِ داخلَ السعوديةِ الآنَ.

وهذا يؤكِّدُ الكلامَ؛ لأنَّ المشروعَ الصهيونيَّ يقومُ على عدةِ أعضاءٍ مثل أيِّ جسمٍ أو كيانٍ؛ فـ(إسرائيلُ) ككيانٍ تمَّ زرعُهُ في فلسطينَ هو بمثابةِ القلبِ للمشروعِ الصهيونيِّ، وله أذرعٌ، والنظامُ السعوديُّ أبرزُ أذرعِ الصهيونيةِ في العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ. فنحنُ وخلالَ عقودٍ مضتْ، كنَّا مخطئينَ أو قاصري النظرِ في قراءةِ المشروعِ الصهيونيِّ.

والاعتقادُ بأنَّ الصهاينةَ هم اليهودُ، وأنَّ المشروعَ الصهيونيَّ فقط في فلسطينَ، أو أنَّ كلَّ صهيونيٍّ هو يهوديٌّ، غيرُ صحيحٍ؛ إذ ليس شرطًا أن يكونَ الصهيونيُّ يهوديًا، فالصهيونيةُ لا تقتصرُ على اليهودِ، والصهيونيةُ ليست حكرًا على اليهودِ، وإنّما الصهيونيةُ مشروعٌ أوسعُ من اليهوديةِ، ولذلك هناك صهاينةٌ يهودٌ، وصهاينةٌ عربٌ، وصهاينةٌ يتسترونَ بالانتماءِ للإسلامِ، وصهاينةٌ مسيحيون، وصهاينةٌ لا دينيون، كلهم تجمعُهم جزيرةُ الشيطانِ إبستين.

يُـعَـزِّزُ ما سبقَ كشفُ العلاقةِ الحميمةِ بين جزيرةِ الشياطينِ ورمزِها إبستين، وبينَ ابنِ سلمانَ وبعضِ أمراءِ وحكامِ الخليجِ، لِيُؤَكِّدَ الشهاداتِ حولَ صهيونيةِ نظامِ آلِ سعودَ، وبحسبِ اعترافاتِ وشواهدِ شخصياتٍ سعوديةٍ معارضةٍ.

وبحسبِ كلامِ الدكتورِ المسعريِّ؛ فقد جَمَعُوا بينَ الأصولِ اليهوديةِ والانتماءِ للصهيونيةِ، ولذلك لم يكنْ المجرم ترامب مبالغًا عندما قالَ: “لولا السعوديةُ لما وُجِدَتْ إسرائيلُ”؛ فترامب لم يكن مبالغًا بل يقولُ الحقيقةَ بأنَّ السعوديةَ مفيدةٌ للصهاينةِ للغايةِ في المنطقة، ولولاها لما وُجِدَتْ لأمريكا قاعدةٌ عسكريةٌ ضخمةٌ في المنطقةِ، وأنَّ العدوَّ الإسرائيليَّ بدونِ السعوديةِ سيكونُ في مأزقٍ كبيرٍ، مؤكِّدًا أنَّ لدى أمريكا حليفًا قويًا للغايةِ وهي السعوديةُ.

تُـوَضِّـحُ هذهِ الأدلةُ الحقيقةَ؛ فبنُ سعودَ ذراعٌ للمشروعِ الصهيونيِّ، وترامبُ في المقطعِ السابقِ لم يكن مبالغًا عندما قالَ: “لولا السعوديةُ لكانتْ (إسرائيلُ) في مأزقٍ وجوديٍّ”؛ فترامبُ كانَ يقولُ الحقيقةَ فقط، لكنَّ المغالطةَ أنَّ النظامَ السعوديَّ يريدُ أن يجمعَ بينَ كونهِ أكثرَ أدواتِ وأذرعِ المشروعِ الصهيونيِّ إخلاصًا لليهودِ والنصارى، وبينَ كونهِ زعيمَ المسلمينَ والساهرَ على خدمةِ المقدساتِ، ويلقِّبُ نفسَهُ بـ “خادمِ الحرمينِ”، وهو من يصرفُ صكوكَ وشهاداتِ الانتماءِ للإسلامِ ويقومُ بتوزيعِها على الآخرينَ.

وهذه مغالطةٌ كبيرةٌ وتاريخيةٌ، وخداعٌ كبيرٌ للأمةِ بأكملِها؛ فبنُ سعودَ عمرُهُ ما كانَ مع العربِ والمسلمينَ إلا بالشكلِ والمظهرِ لأجلِ الخداعِ فقط، أما في المضمونِ وفي العملِ والسلوكِ؛ فهو أكثرُ إخلاصًا للمشروعِ الصهيونيِّ، وربما بأكثرَ مما عليهِ بعضُ اليهودِ أنفسِهم، وهذا ما يقولُهُ الكثيرُ من الخبراءِ والباحثينَ والمتخصصينَ، حتى القادةُ الغربيونَ واليهودُ، ويؤكِّدُهُ الواقعُ بكلِّ دقةٍ وتطابقٍ بينَ ما يُقالُ وما يحصلُ في الميدانِ وعلى الأرضِ.

يَكْشِفُ بناءُ وإقامةُ أولِ حيٍّ يهوديٍّ في منطقةِ الخليجِ أبعادَ هذا المشروعِ؛ إذ إنَّ الحديثَ والنشاطَ المعلنَ بدأَ بالإماراتِ على أساسِ التمهيدِ للانتقالِ إلى أرضِ الحرمينِ الشريفينِ؛ فالعينُ اليهوديةُ هي على الحجازِ، وعلى مكةَ والمدينةِ، وما الإماراتُ إلا العتبةُ، والبوابةُ، وبوابةُ الاختبارِ، وبوابةُ الترويضِ لترويضِ الشعوبِ العربيةِ والمجتمعاتِ الإسلاميةِ.

فقد صارَ الحديثُ عما يسمونهُ مجتمعًا يهوديًا في الدولِ الخليجيةِ شيئًا طبيعيًا، وقالوا إنه يمتلكُ معابدَ وكنائسَ وجامعاتٍ ومدارسَ، وكلَّ ما يتعلقُ بإقامةِ ما يسمى مجتمعًا يهوديًا في منطقةِ الخليجِ، بينما الهدفُ الحقيقيُّ هو التقدمُ والتواجدُ والتهيئةُ لمجتمعٍ يهوديٍّ صهيونيٍّ معلنٍ في أرضِ الحرمينِ الشريفينِ، وهو ما أصبحَ واقعًا يعملُ عليهِ اليهودُ برعايةٍ من محمدِ بنِ سلمانَ ووالدِهِ في السعوديةِ.

يَـشْهَدُ الواقعُ لما يطلقُهُ الحاخامُ اليهوديُّ “إسرائيل هيرتسوغ” على نفسِهِ بأنَّهُ أولُ حاخامٍ -أي معلمٍ روحيٍّ- لما يسمّونَهُ بالمجتمعِ اليهوديِّ في السعوديةِ؛ حيثُ إنَّ هناكَ عملًا متسارعًا على تجميعِ يهودٍ وتهويدِ مواطنينَ من أبناءِ الجزيرةِ العربيةِ، وتحويلِهِم إلى فئةٍ أو جزءٍ من النسيجِ السكانيِّ في السعوديةِ، ليصبحَ لهم نشاطُهُم المعلنُ، ولهم حقوقُهُم التي لا يحصلُ على مثلِها أبناءُ الجزيرةِ العربيةِ المقموعونَ والمضطهدونَ الذين لا يجرؤُ أحدٌ منهم على التعبيرِ عن رأيِهِ أو انتمائِهِ.

بينما يكونُ المجالُ مفتوحًا لليهودِ مع التمكينِ لهم بشكّلٍ معلنٍ، أما في الخفاءِ، فما يقومُ به بن سعودٍ فيه الكفايةُ وزيادةٌ من ناحيةِ التمكينِ للسيطرةِ اليهوديةِ على المقدساتِ الإسلاميةِ، وعلى قبلةِ المسلمينَ، وعلى مدينةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.

تَـصِـفُ تصريحاتُ مؤسسِ مركزِ التراثِ الصهيونيِّ “مايك إيفانز” حقيقةَ الموقفِ؛ إذ تقعُ السعوديةُ والإماراتُ في صدارةِ الداعمينَ لكيانِ العدو الصهيونيِّ، بحقيقةٍ بلغت حدَّ التباهي بها بمناسبةٍ وبدونِ مناسبةٍ، وفي مختلفِ المحافلِ واللقاءاتِ، وبينها لقاءٌ جمعَهُ مع المجرمين أنفسِهِم.

ويكشفُ تقريرُ قناةِ “المنار” والتصريحاتُ لمؤسسِ مركزِ التراثِ الصهيونيِّ مايك إيفانز تفاصيلَ ذلكَ؛ حيثُ يقولُ: التقيتُ بمحمدٍ بنِ زايدٍ وابنِ سلمانَ وليِّ عهدِ السعوديةِ، ويمكنُ أن أقولَ لكم أمرًا مدهشًا: هؤلاءِ القادةُ داعمونَ “لإسرائيلَ” أكثرَ من بعضِ اليهودِ، متحدثًا عن أنَّ مربيةَ ابنِ سلمانَ كانتْ يهوديةً.

ثم أضافَ هذا الصهيونيُّ قائلًا: “ما سمعتُهُ من ابنِ سلمانَ حولَ إسرائيلَ كان مدهشًا، ستطيرُ عقولُكم إنْ علمتمْ كيفَ يفكرُ هذا الرجلُ!، متابعًا: “فسألتُهُ: ماذا يمكنُ أن يفعلَ الفلسطينيونَ؟ فأجابَ: الأمرُ بسيطٌ، يحتاجونَ إلى استنساخِ “إسرائيلَ” (أي أن يَهْوَدُوا)” وهذا هو ما يسمى وليُّ عهدِ المملكةِ العربيةِ السعوديةِ، وخادمُ الحرمينِ الشريفينِ القادمُ.

يَـدُلُّ هذا التقربُ من اليهودِ والحديثُ عن وجودِ ثقافةٍ مشتركةٍ بين آلِ سعودَ واليهودِ، في مقابلِ الهجومِ على الشعبِ الفلسطينيِّ والإساءةِ إليهِ بأقذرِ وأحطِّ الألفاظِ من قبلِ ناشطينَ وإعلاميينَ مقربينَ من الأمراءِ السعوديينَ، على حقيقةِ التوجهِ القائمِ.

فلم يَعُدْ في الأمرِ أيُّ لبسٍ أو غموضٍ حولَ الأهدافِ والانتماءِ والعملِ الذي يتحركُ فيهِ محمدٌ بنُ سلمانَ، ويُسَخِّرُ ثرواتِ الأمةِ ومقدساتِها، وأهمَّ وأكبرَ بلدٍ فيها، لصالحِ اليهودِ ولصالحِ المشروعِ الإسرائيليِّ؛ هذا المشروعِ الذي لا يشكلُ خطرًا على فلسطينَ فحسبْ، بل على مجملِ المنطقةِ والشعوبِ والبلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ.

ولذلك يَتَطَلَّبُ الواقعُ في هذهِ المرحلةِ الوعيَ العاليَ والتحركَ الجادَّ من كلِّ أحرارِ الأمةِ؛ لأنَّ ما يحصلُ هو الإعلانُ عن الانقلابِ الكاملِ والواضحِ من قبلِ ابنِ سلمانَ على ثوابتِ الإسلامِ ومقدساتِ المسلمينَ، والانضمامُ المعلنُ والصريحُ لليهودِ؛ إذ إنَّ ما يجري حاليًا -وهو ما لا يراهُ الكثيرُ من العربِ والمسلمينَ- هو العملُ على تمكينِ اليهودِ وإقامةِ ما يسمونَهُ مجتمعًا يهوديًا في دولِ الخليجِ، وخاصةً في السعوديةِ.

تَتَجَلَّى مطامعُ العدو الإسرائيلي التي تستهدفُ السعوديةَ تحديدًا في إعدادِ الدراساتِ والمخططاتِ اليهوديةِ التي تهدفُ إلى العودةِ إلى المدينةِ المنورةِ بعدما تمَّ إجلاءُ يهودِ بني قريظةَ، وبني قينقاعَ، وبني النضيرِ من خيبرَ ووادي خيبرَ ومنطقةِ خيبرَ.

ولا ينبغي أن ينتهيَ هذا الإجراءُ عندَ هذا الحدِّ؛ إذ يوضح الباحث الكويتي عبد الله النفيسي، بأنه توجدُ مراكزُ أبحاثٍ يهوديةٌ، أبرزُها مركزَا «شيلواح» و«جافي»، وهما من أبرزِ مراكزِ الأبحاثِ والدراساتِ الاستراتيجيةِ الإسرائيليةِ المَعْنِيَّةِ بدراسةِ التاريخِ والقبائلِ والآثارِ المرتبطةِ بالوجودِ اليهوديِّ القديمِ في شبهِ الجزيرةِ العربيةِ، وتحديدًا في خيبرَ والمدينةِ المنورةِ، ضمنَ سياقِ النقاشاتِ حولَ المطالبِ التاريخيةِ المزعومةِ.

ويُعِدُّونَ الآنَ فيها العديدَ من الخرائطِ لبساتينِ اليهودِ في المدينةِ المنورةِ وفي خيبرَ، وللتشكيلاتِ القبليةِ اليهوديةِ التي سادتْ في فترةِ الإسلامِ المبكرةِ، على أساسِ أنَّهُ إذا أُتيحَ لهم تأسيسُ علاقاتٍ مع السعوديةِ، تبدأُ المطالباتُ اليهوديةُ لإعادةِ ما يعتبرونَهُ الحقوقَ اليهوديةَ في الجزيرةِ العربيةِ.

وفي الوقتِ الذي تقومُ فيهِ السعوديةُ بإشعالِ الفتنِ في الدولِ العربيةِ والإسلاميةِ لإشغالِ الشعوبِ والمجتمعاتِ العربيةِ والمسلمةِ، تُتَاحُ الفرصةُ ويُفْتَحُ البابُ للتغلغلِ الصهيونيِّ الهادئِ والسيطرةِ اليهوديةِ التدريجيةِ في الجزيرةِ العربيةِ، وتحديدًا في مكةَ والمدينةِ.

فالموضوعُ خطيرٌ جدًا؛ إذ يبدي الأعداءُ براعةً في إشغالِ العربِ والمسلمينَ بالصراعاتِ والفتنِ المذهبيةِ والطائفيةِ (سُنَّة وشيعة، وعرب وفرس)، بينما يتغلغلونَ هم بهدوءٍ وبرعايةٍ من ابنِ سلمانَ والنظامِ السعوديِّ الحاليِّ، وطبيعيٌّ أنَّ الناسَ في الجزيرةِ العربيةِ، في الحجازِ ونجدٍ وبقيةِ مناطقِ شبهِ الجزيرةِ، مقموعونَ ومحكومونَ بالحديدِ والنارِ، ولا يجرؤونَ على الاعتراضِ على ما يجري ويحصلُ في السعوديةِ، وما يقومُ بهِ ابنُ سلمانَ تحتَ مسمى الترفيهِ من نشرٍ للشذوذِ والسقوطِ الأخلاقيِّ، وتجريدِ المجتمعِ من قيمِ الإسلامِ وحتى القيمِ الفطريةِ والإنسانيةِ والقبليةِ.

وهذا عملٌ صهيونيٌّ تشرفُ عليهِ المخابراتُ الأمريكيةُ والإسرائيليةُ؛ بهدفِ أنهُمْ -بعدَ أن نشروا في عقودٍ سابقةٍ التياراتِ التكفيريةَ- أصبحتْ لدى السعوديةِ اليومَ مهمةٌ جديدةٌ تتمثلُ في نشرِ الإلحادِ والشذوذِ والارتدادِ عن الإسلامِ والسقوطِ الأخلاقيِّ، وتعميمِ هذا النموذجِ على بقيةِ البلدانِ العربيةِ والمسلمةِ.

وكلُّ ذلكَ يندرجُ في إطارِ التنكرِ للإسلامِ، والعملِ على القضاءِ على قيمِ الدينِ الإسلاميِّ وأخلاقِ العربِ الأصيلةِ في العفةِ والغيرةِ والشرفِ والطهرِ، والانتقالِ إلى مجتمعِ الفسادِ والانحلالِ والسقوطِ الأخلاقيِّ، خدمةً للمشروعِ الصهيونيِّ.

تَتَضِحُ الأمورُ هكذا بصورةٍ جليّةٍ؛ إذ إنَّ المسؤوليةَ لا تقعُ على الشعبِ اليمنيِّ بمفردِهِ، ولا على شعبِ الحجازِ والجزيرةِ العربيةِ وحدَهُ، بل إنَّ المسؤوليةَ تقعُ على عاتقِ كلِّ العربِ والمسلمينَ، وعلى الشعوبِ، والحكوماتِ، والنخبِ، والعلماءِ، وعلى كلِّ فردٍ في هذهِ الأمةِ.

فالأحداثُ متسارعةٌ، والسعوديُّ كلَّما وجدَ نفسَهُ محشورًا، سارَعَ في وتيرةِ الارتماءِ في أحضانِ اليهودِ، وإسقاطِ ما تبقَّى من أقنعةٍ أو تمسُّكٍ شكليٍّ بالانتماءِ للأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ. وإنَّ الهدفَ الخطيرَ الذي يُعْمَلُ عليهِ حاليًا -كما أشارَ الداعيةُ الفلسطينيُّ صلاح جندل- هو التمكينُ لليهودِ تحتَ مسمى “مجتمعٍ يهوديٍّ” في الخليجِ، وتحديدًا في السعوديةِ؛ فالهدفُ الأساسيُّ، بالإضافةِ إلى السيطرةِ على النفطِ والثرواتِ في منطقةِ الخليجِ، هو سعيُ اليهودِ لإحكامِ القبضةِ والاحتلالِ لمكةَ والمدينةِ.

قد يستبعدُ البعضُ ذلكَ، لكنَّ الخطرَ قائمٌ، ولا مجالَ للانتظارِ حتى نرى الحقائقَ ماثلةً أمامَ أعينِنا في وقتٍ لا ينفعُ فيهِ التحركُ ولا الصياحُ ولا الاستنكارُ، تمامًا كما جرى في القدسِ وفي فلسطينَ.

يُكْشِفُ ما تضمَّنَهُ المقطعُ الأولُ للباحثِ الكويتيِّ المعروفِ الدكتورِ عبدِ اللهِ النفيسيِّ -حيثُ ذكرَ وجودَ وثيقةٍ وخطةٍ مسربةٍ في مكتبةِ الكونغرسِ الأمريكيِّ تناقشُ أطماعَ واحتلالَ منطقةِ الخليجِ الممتدةِ من الكويتِ إلى مسقطَ- أنَّ الموضوعَ أبعدُ بكثيرٍ من مجردِ قصةِ تطبيعٍ، وأخطرُ بكثيرٍ من قصةِ استضافةِ سفراءَ ومبعوثينَ أو مجاملةٍ دبلوماسيةٍ عابرةٍ.

فقد كانَ دولُ الخليجِ -وتحديدًا آلُ سعودَ- أولَ من تعاونَ مع الإنجليزِ لتسليمِ فلسطينَ لليهودِ، وكانَ الملكُ عبدُ العزيزِ هو الرجلَ الذي اعتمدَ عليهِ الإنجليزُ في إقناعِ العشائرِ والمواطنينَ في فلسطينَ بالخروجِ من قراهم عامَ 48 تحتَ وعدٍ بإعادتِهِم خلالَ بضعةِ أسابيعَ؛

حيث يُظْهِرُ المقطعُ الثاني للباحثِ والداعيةِ الفلسطينيِّ صلاحِ جندل كيفَ جمعَ الإنجليزُ قطاعَ الطرقِ وحوَّلوهُم إلى أمراءَ، وكيفَ نزلَ آلُ سعودَ من باديةِ العراقِ إلى نجدٍ تحتَ الحمايةِ والدعمِ الإنكليزيِّ، وكيفَ قامتْ مطبعةُ الملكِ عبدِ العزيزِ بالعبثِ بأنسابِ القبائلِ العربيةِ والمؤلفاتِ الموجودةِ في الحجازِ لإثباتِ أو تسريبِ أنَّ آلَ سعودَ قبيلةٌ عربيةٌ نجديةٌ أصيلةٌ وهي ليست كذلكَ، وكيفَ أنَّ اليهودَ الإثيوبيينَ هم المربونَ الخاصونُ لأمراءِ وأميراتِ سعودَ وبقيةِ ممالكِ الخليجِ.

وَيُـسْتَحْضَرُ في هذا الصددِ كلامُ الباحثِ والداعيةِ الفلسطينيِّ صلاحِ جندل، الذي يتحدثُ عن خطورةِ ما يقومُ بهِ ابنُ سلمانَ وآلُ سعودَ في هذهِ المرحلةِ، مستحضرًا دورَهم وتاريخَهم في تسليمِ فلسطينَ لليهودِ قبلَ أكثرَ من 70 عامًا، وموضحًا دورَ البريطانيينَ في تأسيسِ المملكةِ السعوديةِ والعبثِ في أنسابِ العربِ.

بالإضافةِ إلى دورِ عبدِ العزيزِ آلِ سعودَ في إجهاضِ الثورةِ والمقاومةِ الفلسطينيةِ ضدَّ اليهودِ عندما أقنعَ الفلسطينيينَ بتركِ أراضيهِم في ثمانيةٍ وأربعينَ ووعدَهُم بإعادتِهم؛ فكانتْ خديعةً لتمكينِ اليهودِ من دخولِ المدنِ والقرى الفلسطينيةِ بيسرٍ وبدونِ مقاومةٍ؛ ليُوَجِّهَ هذا الداعيةُ والباحثُ صلاحُ جندل تحذيرًا عاجلًا لسكانِ الخليجِ وبلادِ الحرمينِ الشريفينِ ولجميعِ المسلمينَ والعربِ بشكلٍ عامٍ.

يُوضِحُ الشيخُ والداعيةُ الفلسطينيُّ صلاح جندل طبيعةَ المخططاتِ الأمريكيةِ اليهوديةِ المتسارعةِ في المنطقةِ العربيةِ، ولا سيما في منطقةِ الخليجِ وشبهِ الجزيرةِ العربيةِ على وجهِ التحديدِ؛ حيثُ توجدُ رابطةٌ أخطبوطيةٌ تملكُ عددًا من الجمعياتِ والمؤسساتِ، وتتمتعُ بحمايةٍ حكوميةٍ ونفوذٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ، وتعملُ لتهويدِ سكانِ الخليجِ وتغييرِ النسبةِ الديموغرافيةِ في بلادِ الحرمينِ عبرَ تجنيسِ يهودٍ أو تهويدِ 2% من السكانِ؛ بحيثُ يكونُ بينَ كلِّ مئةِ سعوديٍّ اثنانِ من اليهودِ.

ولم يَعُدْ بإمكانِ أحدٍ مناقشةُ المستوى الذي انحدرَ إليهِ حكامُ الخليجِ؛ فالأمرُ لم يَتَوَقَّفْ عندَ إغلاقِ هيئةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ وتدشينِ هيئةِ الترفيهِ التي لم تحترمْ حرمةَ أرضِ الحرمينِ ولا حرمةَ مكةَ والمدينةِ، ولا عندَ قمعِ الشعبِ وإذلالِهِ في لقمةِ عيشِهِ والاعتداءِ على ممتلكاتِهِ وهدمِ بيوتِهِ (كما حصلَ في جدةَ ومساكنِ الحويطاتِ) وقمعِ العلماءِ وحبسِهِم، بل إنَّ مستوى التعاونِ مع اليهودِ وإفصاحَ اليهودِ عن ذلكَ بوضوحٍ يشيرانِ إلى قطعِ شوطٍ طويلٍ في الخفاءِ.

وَتَتَجَلَّى خطورةُ التخطيطِ لتهويدِ أو تسكينِ يهودٍ بنسبةِ 2% من سكانِ بلادِ الحرمينِ في أنَّ نجاحَ ذلكَ تحتَ حمايةِ الحكومةِ ومحمدٍ بنِ سلمانَ يُعَدُّ مصيبةً وطامةً كبرى تُعْبِرُ عن خروجِ الأمورِ عن السيطرةِ. وتستهدفُ هذهِ الخطواتُ تحويلَ الوجودِ اليهوديِّ إلى قوةٍ شعبيةٍ طبيعيةٍ تمتلكُ صوتًا سياسيًا وحقوقًا قانونيةً وتملكًا للمواطنةِ، ممَّا يُعِيدُ للأذهانِ تصريحاتِ اليهودِ عامَ 2008 حولَ استعادةِ حصونِ خيبرَ والمطالبةِ بتعويضاتٍ؛ وليسَ من الصدفةِ أنَّ حصونَ خيبرَ والآثارَ اليهوديةَ لا تزالُ محفوظةً كما هي، بينما قامَ آلُ سعودَ بتدميرٍ ممنهجٍ لآثارِ الإسلامِ والنبيِّ محمدٍ صلى الله عليه آله وسلم.

وَيَظْهَرُ الموقفُ السعوديُّ الرسميُّ جليًا في البيانِ الصادرِ الأيام الماضية عن وزارةِ الخارجيةِ السعوديةِ، والذي يصفُ قرارَ ترامب بنزعِ سلاحِ المقاومةِ في غزةَ بأنه «إنجازٌ تاريخيٌّ»؛ حيثُ جاءَ في البيانِ: «تُعْرِبُ وزارةُ الخارجيةِ عن ترحيبِ المملكةِ بإعلانِ فخامةِ الرئيسِ ترامب، رئيسِ الولاياتِ المتحدةِ، عن الاتفاقِ التاريخيِّ المتعلقِ بنزعِ السلاحِ في قطاعِ غزةَ، وتثني المملكةُ على قيادةِ الرئيسِ ترامب والتزامِهِ الثابتِ»، متجاهلًا جرائمَ العدوِّ الصهيونيِّ وحربَ الإبادةِ وسلاحَ العدو الإسرائيليِّ، ومُكَرِّرًا وصفَ تجريدِ الضحيةِ الفلسطينيةِ من سلاحِها بـ «الإنجازِ التاريخيِّ» خدمةً للعدو الإسرائيلي.

يَـتَـنَـاوَلُ السيدُ القائدُ في حديثِهِ الأدوَارَ التي يقومُ بها النظامُ السعوديُّ، ومِن بينِها -كما وردَ في الكلمةِ السابقةِ لجمعةِ التحذيرِ والنفيرِ- الحيلولةُ دونَ أيِّ توجهٍ إسلاميٍّ جادٍّ لنصرةِ الشعبِ الفلسطينيِّ. وتلكَ قضيةٌ واضحةٌ يُشِيرُ إليها الإسرائيليونَ والأمريكيونَ وترامب، الذي يُعْتَبَرُ المرجعَ لدى السعوديينَ والقدوةَ المقدسةَ والحجةَ في قولِهِ وفعلِهِ.

وَيُـسَلَّطُ الضوءُ على تصنيفِ السعوديةِ للمجاهدينَ في غزةَ وفلسطينَ بالإرهابِ، على العكسِ من العدوِّ الإسرائيليِّ؛ وهو ما يفضحُ حقيقتَهُم وتوجُّهَهُم، إذ إنَّ المجاهدينَ في حركةِ حماس، وكتائبِ القسام، وحركةِ الجهادِ الإسلامي، وسرايا القدس، وبقيةِ الفصائلِ الفلسطينيةِ لم يسيئوا إلى السعوديةِ أو يفعلوا لها شيئًا، وإنما جرى تصنيفُهم بالإرهابِ لمجردِ مقاتلَتِهِم للعدوِّ الإسرائيليِّ المحتلِّ والغاصبِ للقدسِ وفلسطينَ.

وَيَـرَى الكثيرون أنَّ السعوديَّ يُسَخِّرُ إمكانياتِهِ الهائلةَ لخدمةِ الصهيونيةِ وأمريكا وإسرائيلَ، ويحاولُ تقديمَ نفسِهِ كمعنيٍّ بواقعِ الأمةِ الإسلاميةِ والتدخلِ في شؤونِ شعوبِها، ولكن تحتَ المظلةِ الأمريكيةِ الإسرائيليةِ الصهيونيةِ وبإشرافٍ أمريكيٍّ مباشرٍ.

أمَّا عن أسبابِ حجبِ هذهِ الحقائقِ سابقًا عن الشعوبِ العربيةِ والإسلاميةِ وتداولِها في دوائرَ ضيقةٍ وخجولةٍ، فترجعُ إلى سطوةِ المالِ والنظامِ السعوديِّ خلالَ العقودِ الماضيةِ، والفكرِ الوهابيِّ الذي عَمِلَت السعوديةُ على نشرِهِ ليكونَ قناعًا دينيًا لمخادعةِ الشعوبِ، والتسترِ بالأقنعةِ؛ حيثُ لم يكنِ النظامُ السعوديُّ في المراحلِ الماضيةِ قد أعلنَ تخليَهُ الصريحَ عن القضايا العربيةِ والإسلاميةِ، وبالتالي؛ فإنَّ هذهِ المرحلةَ هي “زمنُ كشفِ الحقائقِ” -كما قالَ شهيدُ القرآنِ رضوانُ اللهِ عليهِ- حيثُ تتجلى فيها الأمورُ وتتساقطُ الأقنعةُ بالكاملِ.