معادلة الحصار بالحصار.. كيف يضع الردع اليمني اقتصاد السعودية أمام كلفة شروطه؟
ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
5 أغسطس 2026مـ – 22 صفر 1448هـ
بقلم// خديجة طه النعمي
على مدى اثني عشر عاماً متواصلة، عاش الشعب اليمني تحت وطأة استهداف منهجي لم يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتد ليتخذ من الملف الاقتصادي سلاحاً رئيسياً لإخضاع إرادته، تجسد هذا الاستهداف في حصار شامل أُغلقت بموجبه كافة المنافذ البرية والبحرية والجوية، ودُمرت البنية الإنتاجية ومصادر الدخل القومي، في محاولة حثيثة لشل حركة الحياة وتعطيل مقومات النهوض الوطني، غير أن هذه السياسة العدوانية التي أرادت إبقاء اليمن مكبلاً في مربع الفقر والاحتياج، واجهت تحولاً إستراتيجياً فارقاً تمثل في إعلان القوات المسلحة اليمنية معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، لتنتقل المواجهة من موقع التلقي والصمود الإنساني إلى فرض ردع اقتصادي مباشر يطال العمق الحيوي وشرايين الطاقة للمملكة السعودية.
ولفهم جذور هذا التحول ودوافعه الإستراتيجية، ينبغي التوقف عند الفاتورة الاقتصادية الثقيلة التي تكبدتها الجمهورية اليمنية نتيجة سنوات الحصار والعدوان، حيث توثق البيانات التفصيلية الصادرة عن الجهات الرسمية أن إجمالي الخسائر الاقتصادية التراكمية المباشرة وغير المباشرة تجاوز حاجز التريليون ومئة وثلاثين مليار دولار.
تتوزع هذه الخسائر الفادحة بنسبة سبعة وخمسين بالمئة كحرمان للاقتصاد الوطني من فرص النمو والإنتاج المحقق بقيمة بلغت ستمائة وثمانية وأربعين مليار دولار، وبنسبة 43% كأضرار قطاعية مباشرة بلغت أربعمائة واثنين وثمانين مليار دولار.
وقد طال التدمير كافة القطاعات السيادية والإنتاجية، وفي مقدمتها قطاع التجارة الخارجية الذي خسر أكثر من مائة وأحد عشر مليار دولار متأثراً بتراجع حركة التجارة بنسبة55%، والقطاع الزراعي الذي فقد النسبة ذاتها جراء تضرر نحو 40% من المساحات المزروعة وتراجع إنتاج الحبوب بنسبة 70%، إضافة إلى القطاع الصناعي الذي تكبد خسائر تجاوزت اثنين وثمانين مليار دولار نتيجة تدمير وتوقف أكثر من ألف منشأة إنتاجية، فضلاً عن قطاع النفط والمعادن الذي خسر سبعة وخمسين مليار دولار وتوقفت فيه العشرات من القطاعات الإنتاجية والاستكشافية.
ولم تتوقف فاتورة التدمير الممنهج عند هذه القطاعات فحسب، بل امتدت لتضرب المفاصل الخدمية والسيادية للدولة بصورة مباشرة؛ حيث تكبدت خزينة الدولة العامة خسائر تجاوزت ثلاثين مليار دولار جراء هبوط الإيرادات العامة بنسبة 90%، بالتوازي مع خسارة قطاع الكهرباء والطاقة لأكثر من سبعة وعشرين مليار دولار جراء التدمير المباشر لآلاف المنشآت والمحطات وتوقف خدماتها بنسبة تجاوزت 80% في أغلب المحافظات.
كما تكبد قطاع النقل بمختلف فئاته خسائر تجاوزت ثلاثة وعشرين مليار دولار، توزعت بين تضرر الملاحة والبنية التحتية في القطاع البحري بنسة55% من إجمالي خسائر النقل، والقطاع الجوي بنسبة 26%، والبرية بنسبة 19%.
اقترن ذلك بتدمير البنية التحتية لقطاعات حيوية أخرى، كقطاع الثروة السمكية الذي خسر أكثر من اثني عشر مليار دولار، وقطاع السياحة والآثار الذي أُلحقت به أضرار تجاوزت أحد عشر مليار دولار شملت استهداف المئات من المعالم التاريخية والمتاحف، إلى جانب خسائر قطاع الصحة البالغة سبعة مليارات دولار، والاتصالات بواقع ستة مليارات دولار، والمياه والصرف الصحي بنحو ثمان مائة مليون دولار.
لم تكن هذه الأرقام مجرد بيانات مالية صماء، بل انعكست بصورة قاسية على التفاصيل اليومية لحياة المواطن اليمني، حيث قفزت معدلات البطالة لتصل إلى 60%، وتم تسريح نحو 65% من العمالة والموظفين في المنشآت الاقتصادية نتيجة التوقف القسري للأعمال، ليواجه واحد وثلاثون مليون نسمة مخاطر الأزمة المعيشية وسوء التغذية.
وتسبب الحصار المشدد في فرض اختناق لوجستي حاد عبر رفع تكاليف الشحن والتأمين المالي؛ إذ قفزت تكلفة شحن الحاوية الواحدة إلى ميناء الحديدة بنسبة 300% (من ثلاثة آلاف دولار إلى ما بين اثني عشر ألفاً وخمسة عشر ألف دولار)، بالتوازي مع تمديد فترات احتجاز السفن وتفتيشها بنسبة زيادة زمنية بلغت 400%.
اقترن هذا التضييق المعيشي بانتهاج سياسات تعتيم وتجميد لموارد الثروة النفطية اليمنية على مدى عقود طويلة، حيث أظهرت الدراسات الجيولوجية الموثقة أن ما تم الإعلان عنه واستغلاله لا يتجاوز 4%فقط من الخريطة النفطية، بينما تعرضت 96%من الدراسات المتعلقة بالثروات الوطنية للتكتم والإخفاء، بل وصل الأمر إلى ردم آبار نفطية بالإسمنت وإحراق ملفات الاستكشافات لإبقائها بعيدة عن أيدي أبناء اليمن.
أمام هذا الواقع الممتد من التجويع والحرمان، كان لا بد للمعادلة أن تتغير، وأن يدرك الطرف الفارض للحصار أن خنق الشعوب لا يمكن أن يمر دون ثمن.
ومن هذا المنطلق، جاء تفعيل معادلة الحصار بالحصار لتضع القطاعات الحيوية وموانئ التصدير السعودية في مواجهة مباشرة مع التبعات والتداعيات الذاتية لأفعال الرياض، فقد أدى تضييق الخناق البحري وتفعيل ضربات الردع على المنشآت النفطية وخطوط الإمداد الاستراتيجية إلى حالة من الإرباك الشامل في حركة الملاحة والتصدير؛ حيث تعرض أنبوب شرق – غرب للشلل والتوقف، بالتوازي مع تعطيل العمليات التكريرية في منشأة جيزان بنسبة 100%خلال فترات الاستهداف.
هذه الإجراءات البحرية والعسكرية تسببت في تراجع حركة تصدير النفط السعودي بنسبة 50%، واضطراب جداول الشحنات الملتزم بها أمام الأسواق العالمية.
ولم تقف آثار هذه المعادلة عند حدود الخسائر التشغيلية المباشرة للمنشآت النفطية، بل امتدت لتحدث زلزالاً لوجستياً يهدد البنية الاقتصادية التي تعول عليها الرياض في مشاريعها المستقبليّة.
فقد تحولت سلاسل الإمداد البحرية المتجهة نحوها إلى عبء مالي وأمني مكلف؛ حيث أجبرت الضغوط البحرية شركة “أرامكو” على رفع أسعار تسعير صادراتها النفطية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية بمقدار عدة دولارات للبرميل لتعويض كلف النقل والتأمين المرتفعة بنسبة تجاوزت 100%، بينما اضطرت الناقلات النفطية إلى سلوك مسارات ملاحة طويلة حول القارة الأفريقية مضيفة زيادة زمنية بنسبة 40% على رحلاتها.
وبدأت الموانئ الاستراتيجية الواقعة على الساحل الغربي للمملكة، كـميناء جدة الذي يستقبل عادة أكثر من 65% من واردات المملكة وموانئ ينبع وجيزان والملك عبد الله، تشهد انخفاضاً حاداً في حركة المناولة بنسب تتراوح بين 64% مع عزوف متزايد من شركات الشحن العالمية، وهو ما يضع ركائز رؤية عشرين ثلاثين والطموحات السعودية للتحول إلى مركز لوجستي عالمي في مواجهة خطيرة مع واقع الشلل والتراجع.
القراءة لموازين القوى في هذه المرحلة تؤكد أن الكلفة الاقتصادية واللوجستية للحصار لم تعد تقع على عاتق اليمنيين وحدهم، بل أصبحت معادلة متوازنة تنعكس آثارها المباشرة على الاقتصاد السعودي بصورة مضاعفة.
فالفارق الشاسع بين حجم التجارة البحرية اليمنية المحدودة والحجم الضخم لحركة التجارة والموانئ السعودية التي تتجاوز مئات الملايين من الأطنان سنوياً، يجعل أي تعطيل بنسبة 10% فقط في الممرات البحرية السعودية يحمل الرياض خسائر تزيد بنسبة 400% عما يواجهه اليمن.
وتدرك الرياض اليوم أن استكمال الرهان على المماطلة والتنصل من الالتزامات الإنسانية والاقتصادية لم يعد خياراً آمناً؛ إذ إن بقاء الموانئ والمنشآت النفطية السعودية تحت تهديد الحظر والتوقف يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنهاء الحصار المفروض على الموانئ والمطارات اليمنية.
ختاماً.. تصب كل المعطيات الميدانية والإستراتيجية في حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها.. تقول أن السبيل الوحيد لاستعادة الاستقرار في الممرات البحرية وحماية المنشآت الاقتصادية وسلاسل الإمداد اللوجستية في المنطقة لا يمر عبر التصعيد أو الاستعانة بالحماية الخارجية، بل عبر الاستجابة المنطقية للمطالب المشروعة للشعب اليمني.
وتتلخص هذه المطالب في رفع اليد السعودية عن اليمن، إنهاء العدوان بصورة كاملة، ورفع الحصار الشامل عن المنافذ والموانئ، والوفاء بكافة الاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية المترتبة على سنوات العدوان والحصار.
ودون تحقيق هذه المبادئ، ستظل معادلة الحصار بالحصار قائمة ومتصاعدة، حاميةً لحقوق اليمنيين ومثبتةً أن زمن الفرار من التبعات الاقتصادية قد مضى إلى غير رجعة.
