المأزق الاستراتيجي السعودي بين كلفة التصعيد وضرورات التسوية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
4 أغسطس 2026مـ – 21 صفر 1448هـ
تقرير || وديع العبسي
ترزح السعودية اليوم تحت وطأة معضلة أمنية وسياسية بالغة التعقيد جراء المكابرة عن تمكين الشعب اليمني من حقوقه الطبيعية في كامل السيادة على أجوائه ومياهه وأراضيه وثرواته، والذي تسبب في تحرك القوات المسلحة لفرض حصار بحري على الملاحة السعودية في البحر الأحمر وفق معادلة واضحة ومشروعة، هي “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”. ويزيد من وقع هذا المأزق التصاعد المستمر للعمليات العسكرية البحرية ضد سفنها. إذ لم يعد هذا الواقع الميداني المستجد مجرد تهديد عابر أو مناوشات تكتيكية، بل تحول إلى تهديد استراتيجي لطموحات السعودية الاقتصادية وللمكانة الدولية التي تحظى بها كوجهة اقتصادية وسوق للطاقة. ويضع هذا الواقع دوائر صنع القرار السياسي والعسكري في الرياض، إلى جانب الولايات المتحدة وكبرى المؤسسات الملاحية وبيوت “تقدير المخاطر الدولية”، أمام استحقاق إعادة تقييم شاملة لأسباب هذا المنحنى الحادّ للأوضاع في المنطقة، والمخاطر المتوقعة، وتكلفة البدائل، على أساس اتخاذ القرار السليم للخروج من عنق الزجاجة، وهو النزول عند المطالب اليمنية المُحِقة، لاسيما بعد أن أثبتت آليات الردع التقليدية والمقاربات الأمنية الكلاسيكية التي لا يزال المحور الأمريكي يعمل بها عجزاً بنيوياً واضحاً عن احتواء المأزق أو خفض حدة تصاعده.
استراتيجية الهروب المكلِّفة
وفي مواجهة هذا الواقع، اتجهت الرياض إلى سلسلة من الخيارات التي هدفت إلى احتواء التداعيات، غير أنها أسهمت في تعميق المأزق بدلاً من احتوائه، إذ تشكّلت وتفاقمت تداعيات المأزق السعودي منذ اللحظة الأولى لسريان قرار القوات المسلحة فرض الحصار، وتنفيذ العمليات ضد السفن السعودية، حيث ذهبت الرياض إلى حلول اضطرارية يائسة، وخيارات محدودة الجدوى، لا تحقق أي استقرار استراتيجي بقدر ما تعمق من آثار الأزمة على واقعها.
الشكل الأول من هذه الحلول كان الهروب بالسفن من مرمى القرار اليمني بصورة لافتة ضاعفت الكُلفة على الرياض ما يجعل هذا الإجراء غير منطقي، إذ كشفت التحركات الميدانية التكتيكية لناقلات النفط السعودية عن تبني استراتيجيات دفاعية تقليدية غير مسبوقة في تاريخ الشحن البحري للنفط السعودي، حيث أظهرت بيانات تتبع السفن والتحليلات الرقمية للأقمار الاصطناعية الصادرة عن وكالات دولية رائدة مثل “بلومبرغ” و”رويترز”، أن الرياض قد فرضت على أساطيلها النفطية العملاقة التابعة لشركة أرامكو وشركات الشحن الحليفة، تبني مسارات التفافية طويلة ومكلِّفة عبر طريق رأس الرجاء الصالح حول القارة الأفريقية.
وترافق هذا التحول الجغرافي القسري مع تطبيق بروتوكولات “تعتيم رقمي” صارمة تشمل اللجوء التكتيكي المتكرر لإغلاق أجهزة البث اللاسلكي وأنظمة التعرف التلقائي هرباً من الرصد اليمني، وكذا القفزات غير المسبوقة في الرسوم التقديرية للتأمين ضد مخاطر الحرب، فرضتها “بورصة لويدز” وشركات التأمين العالمية، وهو ما سيفضي -بالضرورة حسب خبراء- إلى تآكل الميزة التنافسية والقوة السعرية للنفط السعودي في الأسواق العالمية المستهدفة، كما سيعيق -في المحصلة- تدفقات السيولة النقدية الضخمة اللازمة لتمويل المشروعات الاستثمارية العملاقة وبرنامج التحول الاقتصادي المعروف برؤية (2030).
رهان التحالفات البحرية
الخيار الثاني الذي وضعته السعودية كمحاولة للخروج من المأزق، اتجهت فيه إلى “بدائل بناء القوة”، فعمدت إلى هندسة وتشكيل تحالف بحري إقليمي أو دولي جديد لتعويض الإخفاق العملياتي الذريع الذي واجهه تحالف حارس الازدهار بقيادة واشنطن ولندن، وقبله تحالف “عاصفة الحزم” السعودي الأمريكي. ومع عبثية هذا التحرك، واجه التحالف الجديد موجة عارمة من السخرية والانتقادات الحادة والتشريح الموضوعي من قبل الخبراء والمراقبين والأوساط الاستخباراتية، ومنها “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية” في لندن و”معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام العالمي”. انطلقت هذه الانتقادات من القناعة الاستراتيجية المتزايدة بأن الأساطيل البحرية التقليدية لم تعد تمتلك الحلول التكنولوجية الشافية لتحييد خطر ترسانة الأسلحة غير المتناظرة التي توظفها القوات اليمنية بكفاءة تكتيكية عالية، والتي تشمل جيلا جديدا ومؤثرا من الطائرات المسيرة الانتحارية، والصواريخ الباليستية المضادة للسفن، والانشطارية والفرط صوتي ذات المديات المتطورة. حيث يرى خبراء ومحللو الأمن الملاحي أن حشد بوارج ومدمرات حربية دفاعية من الطراز الأول تقدر قيمتها بمليارات الدولارات لحراسة ناقلات النفط التجارية لا يمثل استراتيجية مستدامة، بل على العكس من ذلك يحوّل هذه القِطَع البحرية الضخمة والمكلفة إلى أهداف هشة وثابتة في بيئة مائية ضيقة ومحصورة جغرافياً أمام أسلحة يمنية تتميز بإنتاجها الكمي منخفض التكلفة، وقدرتها العالية على المناورة، والتخفي الرقمي، وتحقيق مبدأ الصدمة والمفاجأة.
ضربٌ من الهروب إلى الأمام
ولم يقتصر التشكيك على الجوانب العسكرية، بل امتد إلى جدوى إعادة إنتاج التحالفات البحرية نفسها، إذ تؤكد تقارير لجان تقييم المخاطر السيادية في العواصم الغربية أن اللجوء لمثل هذه التحالفات في ظل انسداد أفق الحلول الدبلوماسية يمثل ضرباً من الهروب إلى الأمام، ومناورة دبلوماسية واهية لن تفلح في منح السعودية أو شركات الملاحة العالمية الكبرى أو الغرف التجارية الدولية أي ضمانات أمنية حقيقية وملموسة على أرض الواقع، نظراً لكون معضلة العبور الآمن في مضيق باب المندب قد وُضعت ضمن معادلة يمنية ثابتة، وهو ما يجعل أي تكتل بحري سعودي مستجد مجرد عبء مالي وسياسي وعسكري إضافي.
ويعزز من ذلك رفض (40) دولة المشارَكة في التحالف الجديد وتوقفُه عند (14) دولة، ما أفرغ التحرك السعودي من أي جدوى، وحوّله من “مشروع أمني جماعي مشترك” إلى مبادرة سعودية معزولة تفتقر إلى الغطاء والدعم الإقليمي اللازمين لمنحه ما يسمونها الشرعية الدولية، والقدرة على التأثير الميداني.
رفض صيني قاطع ومبدئي
في السياق وعلى المستوى الدولي، واجه مشروع التحالف السعودي الجديد نكسة إضافية تمثلت في الموقف الصيني الرافض لفكرة التحالف، والذي حرم التحرك من وزن دولي كانت تأمله الرياض، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والسياسي الكبير الذي تتمتع به بكين كأكبر شريك تجاري لدول المنطقة، وأكبر مستورد للنفط والغاز الخليجي.
تقوم حسابات الموقف الصيني على مبدأ الفصل التام بين أمنها التجاري الخاص والالتزامات الأمنية والعسكرية الجماعية، فالصين ترفض -بشكل قاطع ومبدئي- الانخراطَ في أي ترتيبات عسكرية أو تحالفات مسلحة ذات طابع صدامي أو قطبي في حوض البحر الأحمر، وتعتبر أن عسكرة الممر المائي عبر حشود عسكرية إضافية وضخ قطع حربية جديدة في مياهه لن يؤدي إلا إلى صب الزيت على النار، وتوسيع رقعة الصراع الإقليمي، وزيادة منسوب المخاطر التي تهدد حركة التجارة العالمية برمتها. وقد لفتت الرؤية الصينية في التعامل مع التحالف السعودي انتباه مراكز القرار الدولي إلى كونه إجراء يفتقر للدعم التكنولوجي والسياسي واللوجستي من القوة الآسيوية الكبرى، وعجِز -منذ البداية- عن حشد الإجماع الدولي اللازم لولادته كقوة ردع حقيقية ومؤثرة في موازين القوى البحرية.
المخرج الحصري لحماية أمن السعودية ومصالحها
ومع تعثر جميع البدائل السابقة وانسداد أفق محاولات الرياض الترقيعية لتجاوز المأزق، يبرز مسار آخر بوصفه الخيار الوحيد للخروج من هذا الوضع والقادر على إنهاء الأزمة، ويتمثل بحتمية الارتكاز على جوهر المطالب اليمنية كمعادلة مفروضة على أرض الواقع. والمطالب الاستراتيجية والإنسانية التي يطرحها اليمن ليست مجرد شروط تفاوضية قابلة للمساومة، بل محددات أمنية قطعية وغير قابلة للتجزئة لإنهاء التصعيد الملاحي. وتتبلور هذه المعادلة في الربط الصارم بين إعادة الوضع الملاحي السعودي إلى ما كان عليه قبل 20 يوليو، وبين الرفع الكامل للحصار المفروض على الشعب اليمني منذ 12 عاما، وصرف المرتبات من عائدات الثروات السيادية اليمنية، فضلاً عن تدشين ملفات إعادة الإعمار وجبر الضرر.
وبات من المؤكد استراتيجياً أن سلامة تدفقات النفط السعودي عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب ستبقى مرهونة بتنفيذ المطالب اليمنية المشروعة كضمانة حتمية لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها في أي ترتيبات مستقبلية. ويجمع المراقبون والمحللون الدوليون على أن الحلول العسكرية الترقيعية والتحالفات الأمنية الورقية لن تفلح في حيازة أو تأمين الاستقرار المستدام للبحر الأحمر، وأن المخرج الاستراتيجي الوحيد لحماية أمن ومصالح السعودية الملاحية والاقتصادية يكمن حصراً في إنهاء حالة الاستخفاف بما عليها من استحقاقات سلام مع اليمن، والشروع في عملية تسوية سياسية شاملة، وجريئة، ومباشرة لكل الملفات، بما يفضي إلى إنهاء العدوان والحصار.
مغادرة عقلية الحصار وعسكرة البحار
ومن هذا المنطلق الاستراتيجي يجمع خبراء ومحللو الشؤون السياسية والأمنية على أن مشهد الصراع سيتغير كلياً وبشكل جذري إذا ما قررت القيادة السعودية التخلي عن مسار التصعيد، وعمدت بدلاً من ذلك إلى تلبية مطالب الشعب اليمني المشروعة. ويرى المحللون أن هذه الاستدارة السياسية الشجاعة والمباشرة نحو الحل السلمي من شأنها أن تعيد تشكيل معادلات الأزمة بصورة حاسمة؛ فبدلاً من تكبد المملكة لكلفة مالية وسياسية وعسكرية باهظة ولا طائل منها في هندسة وإنشاء تحالفات بحرية جديدة لم تثبت فاعليتها، وبدلاً من البقاء تحت وطأة التهديد المستمر وتلقي الضربات اليمنية الموجعة التي تستنزف سفنها وتهدد عمقها الحيوي والنفطي، فإن الانخراط في تسوية سياسية شاملة تلبي الحقوق اليمنية سيكفل فوراً تصفير المخاطر الأمنية وتأمين ممرات العبور البحرية لناقلات أرامكو والشركات العالمية بكفاءة تامة وضمانات سيادية حقيقية.
ولا شك بان الانتقال من عقلية الحصار وعسكرة البحار إلى منطق السلام وحسن الجوار والشراكة الاقتصادية سيوفر على الرياض مئات المليارات من الدولارات الضائعة في تكاليف الشحن والتأمين والتسلح، ويعيد توجيه هذه الموارد الحيوية لخدمة مشاريع التنمية المحلية، ما يؤكد أن البوابة الحقيقية والمستدامة لأمن الطاقة وازدهار المنطقة ليست الحشود العسكرية الأجنبية، بل هي التفاهم المباشر وتلبية الاستحقاقات العادلة لليمن.
