الاقتصاد تحت النار.. المواجهة تعيد رسم مستقبل السعودية

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
30 يوليو 2026مـ – 16 صفر 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

منذ بيان السيد القائد بمناسبة العام الهجري الجديد والذي دعا فيه الشعب اليمني للتأهب من أجل استرداد الحقوق، ثم البيان التنفيذي للقوات المسلحة الذي تضمن إعلان معادلة “الحصار بالحصار”، والذي عُدّ بمثابة التدشين للتحرك العملي، دخل مسار الأحداث مرحلة جديدة اتسمت بتسارع واضح في الإيقاع، فيما سارعت مراكز الدراسات والشركات الاقتصادية الدولية إلى تحليل الإعلان وقراءة تداعياته المحتملة، لتتفق في المحصلة على التأكيد بأن وضعًا ناريًا يندلع اليوم بين اليمن والسعودية سيكون وبالًا على المملكة، وقد يكون بداية لوضعية عكسية تمامًا لما هي عليه اليوم من وضع ترفي.

ما زاد من رسوخ هذه القناعة طبيعة الإجراءات العملية بالغة القوة والجرأة التي اتخذتها القوات المسلحة بعد ذلك؛ أولًا بفرض الحصار البحري على العدو السعودي، وهي خطوة كسرت كل التوقعات وقدمت اليمن كقوة قادرة على إحداث تحولات فعلية ومؤثرة على الصياغات التقليدية التي ظلت تهيمن على المنطقة لعقود، ثم ثانيًا جاء تعزيز صدقية التحرك نحو هدف الضغط بأقصى درجاته على العدو السعودي لدفعه إلى مراجعة مواقفه ورفع يده عن اليمن، من خلال الاستهدافات المباشرة للسفن التي حاولت كسر قرار الحظر. وبنفس قوة هذا الحدث جاء التحرك الثالث المتمثل في الغارات التي استهدفت مطار أبها، ومنشآت أرامكو النفطية في جيزان وينبع، زائدًا الخط النفطي (شرق غرب) المملكة.

هذه القوة في التعامل مع العدو والتي كانت طابع أول إجراء، أكدت للمراقبين أن تحرك اليمن هذه المرة سيكون مختلفًا ومؤثرًا بشكل لافت سواء لجهة إجبار السعودية على الانصياع للإرادة اليمنية، أو إدخالها حقبة سوداء تتآكل فيها وتفقد وضعها المخملي. ما دفع لتكوين قناعة أخرى لدى كل المتابعين بأن السعودية -وإن تفوقت في امتلاك السلاح- إلا أنها تظل مفتقرة للأوراق الاستراتيجية التي يمكن من خلالها أن تمنع عنها الهجمات.

موانئ المملكة تفقد ميزاتها الاستراتيجية
منذ الأيام الأولى من تنفيذ قرار فرض الحصار البحري اليمني على الملاحة السعودية، جرى التعامل الدولي مع القرار بجدّية وحذر، خصوصًا مع عجزها عن فك الحصار الذي وضعها في زاوية خانقة، وهي التي كانت تخطط لمشاريع مستقبلية طموحة بالاعتماد على ثرواتها النفطية والثقة الدولية.

تذكر صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير تحليلي أن “التصعيد العسكري يضع المشاريع الطموحة للمملكة تحت رحمة الاستهداف المباشر، ويهدد بهروب المستثمرين الأجانب”. وسقوط صاروخ واحد في محيط “نيوم” أو مركز مالي في الرياض لن يدمر الخرسانة فحسب، بل سيدمر السمعة الأمنية للمملكة. كما يؤكد مراقبون أن التهديد اليمني كفيل بإنهاء أحلام “رؤية 2030” وتحويلها إلى أطلال معطلة. فيما يشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في ورقة “تقدير موقف” إلى أن الحصار البحري اليمني نجح سريعًا في خلق طوق خانق يلتف حول عنق الاقتصاد السعودي، مؤكدًا أن القيادة في الرياض تبدو في حالة من الرعب والحذر الشديد من انهيار التهدئة، ومستعدة لتقديم تنازلات مالية ضخمة لتفادي سيناريو القصف التدميري لمنشآت الطاقة. وتؤكد مجلة “فورين بوليسي” “Foreign Policy” الأمريكية أن اليمن أثبت امتلاكه لـ “فيتو بحري” حقيقي في مضيق باب المندب، وأن الرياض باتت تدرك جيدًا أن أمنها القومي واستقرار عائلتها الحاكمة مرهونان برضا صنعاء وتلبية مطالب الشعب اليمني، حسب المجلة. أما مجلة “Lloyd’s List” المعنية بشؤون الشحن البحري العالمي فتؤكد أن التهديدات اليمنية للملاحة السعودية غيّرت مفاهيم الأمن البحري في الشرق الأوسط، حيث أصبحت خطوط الملاحة السعودية تُعامل عسكريًا كأهداف عالية الخطورة، ما يُفقد موانئ المملكة ميزاتها الاستراتيجية ويجعل تكلفة التجارة عبرها غير مجدية اقتصاديًا.

وفي السياق أيضًا، يؤكد المفكر الاقتصادي الاستراتيجي الدكتور عبد الحي زلوم استحالة نجاح خطط الرياض الطموحة تحت وطأة التهديد اليمني، حيث أكد أنه لا يمكن للشركات التكنولوجية متعددة الجنسيات أو الصناديق الاستثمارية العالمية أن تغامر بضخ مئات المليارات من الدولارات في مدن مستقبلية مثل نيوم، أو مشاريع الترفيه في القدية، أو المنتجعات السياحية الفارهة على شواطئ البحر الأحمر، طالما أن هذه المناطق والمشاريع تقع ضمن المدى العملياتي الفعال للمسيرات والصواريخ اليمنية.

القناعة التي تعكسها العمليات اليمنية
في السياق أيضًا، ومنذ إعلان الشعب اليمني تحركه للتحرر من محاولات فرض الهيمنة السعودية الأمريكية، وإنهائه العدوان ورفع الحصار بشكل كامل، وقرار القوات المسلحة لمعادلة المواجهة، أعادت شركات الأمن البحري والتأمين -وبشكل مباشر- تقييم مستويات المخاطر في البحر الأحمر وخليج عدن، ورفعت مستوى التحذيرات الخاصة بالسفن المرتبطة بالسعودية، بالتزامن مع انعكاسات القرار على تكاليف التأمين البحري صعودًا وعلى تقييم المخاطر في البحر الأحمر وخليج عدن. وهذا التفاعل الدولي السريع إنما عكَس إدراكًا وقناعة متزايدة بقدرة اليمن على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وهي القناعة التي تراكمت منذ معركة البحر الأحمر ونجاح القوات المسلحة في فرض حصار على ملاحة العدو الإسرائيلي والتسبب بإغلاق ميناء “أم الرشراش”.

ولمّا كانت الموانئ السعودية على ساحل البحر الأحمر تقع جغرافيًا وميدانيًا في المدى المباشر لترسانة القوات المسلحة الصاروخية وسلاح الجو المسير، وكذا قُرْبها مقارنة بميناء “أم الرشراش” البعيد، فإن ذلك يمنح الصواريخ الباليستية والمسيرات اليمنية قدرة تدميرية مضاعفة مع هامش خطأ منعدم تمامًا. ما يضائل من فرص خلاص السعودية من هذا المأزق.

دولة مرهونة بضربات الحظ
وتؤكد المعطيات العسكرية على الأرض أن تطور القدرات اليمنية خلال سنوات الحرب أوجد واقعًا جديدًا في طبيعة المواجهة، وأن المملكة تفتقر -فعلا- إلى القدرة الاستراتيجية على تحمل استمرار الحصار. وحساسية اقتصادها النفطي واعتمادها الكلي على سلامة الممرات المائية لحماية مشاريعها المستقبلية يجعل منها دولة مرهونة بضربات الحظ، فيما تمنح اليمن أفضلية وميزة عسكرية متفوقة في حرب الاستنزاف. خصوصًا وأن قواته المسلحة تمكنت ميدانيًا من فرض تفوق نوعي في توظيف التكنولوجيا العسكرية الرخيصة والفعالة لتهديد أهداف بمليارات الدولارات.

يشير تقرير لـ شبكة DW الألمانية إلى أن “الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة منخفضة التكلفة كشفت نقاط الضعف الدفاعية في البنية التحتية للمملكة، وجعلتها هدفًا سهلًا”.

تحت رحمة النزيف المزدوج
ويضع التصعيد العسكري الحالي السعوديةَ في مفترق طرق حساس، تبدو فيه متلبسة بالمقامرة بحاضرها ومستقبلها، حيث بدأت تعاني فعليًا النزيف المزدوج، بسبب الحصار من جهة، وتدمير منشآتها النفطية من جهة ثانية، كما تُبدد هذه الانعطافة من فرص تحقيق رؤاها الاستثمارية الحديثة.

يرى المحلل السياسي البريطاني البارز ورئيس تحرير موقع “ميدل إيست آي” ديفيد هيرست أن معركة البحر الأحمر المفتوحة مع أمريكا وبريطانيا قد منحت اليمنيين نفوذًا، وهيبة، وجرأة سياسية وعسكرية غير مسبوقة في التاريخ الحديث للمنطقة، وجعلت الرياض تدرك يقينًا وبشكل قطعي أن أي مغامرة عدوانية جديدة أو انصياع أعمى للأوامر والضغوط الأمريكية لضرب اليمن أو خنقه اقتصاديًا، يعني تلقائيًا تدمير منشآتها السيادية والاقتصادية بالكامل، وإعادتها عقودًا طويلة إلى الوراء.

تحديات متزايدة أمام السعودية
وفي تناولها للقدرات العسكرية التي راكمتها القوات المسلحة اليمنية خلال السنوات الماضية، وتأثير ذلك على نتائج المواجهة مع المملكة، اعتبرت وسائل إعلام عبرية أن أي مواجهة واسعة مع السعودية قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد في ظل ما وصفته بتنامي القدرات الصاروخية والجوية والبحرية، واتساع قاعدة القوى البشرية، وتعاظم جاهزية الجبهة الداخلية لمواجهة مختلف السيناريوهات.

وتفيد صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية -في تقرير تناول التطورات الأخيرة في البحر الأحمر- بأن القوات المسلحة تمتلك من الإمكانات العسكرية والبشرية ما يؤهلها لخوض حرب متعددة الجبهات تشمل العمليات البرية والبحرية والجوية، بالتوازي مع قدرتها على إدارة معركة استنزاف طويلة، وهو ما يفرض تحديات متزايدة أمام السعودية في حال استمرار التصعيد العسكري .

إلى ذلك وبحسب الصحيفة العبرية، وقراءة العديد من المحللين، فإن القوات المسلحة اليمنية تمتلك قوة نظامية تضم مئات الآلاف من المقاتلين، إلى جانب قوات احتياطية وتشكيلات مساندة، وبرامج تدريب وتعبئة داخل المؤسسات الحكومية والجامعات، فضلًا عن الامتداد القبلي الذي يوفر رصيدًا بشريًا كبيرًا يعزز القدرة على مواصلة القتال لفترات طويلة.

المأزق يحاصر النظام السعودي
بناء على ما سبق، فإن استمرار الحصار، السعودي على الشعب اليمني، أو الدخول في جولات تصعيد للمواجهة، ستكون تداعياته كارثية على الدولة السعودية شعبًا ونظامًا، إذ صار الأكيد أن آثار أي عملية تستهدف منع سفن الإمداد المخترقة لقرار الحظر، أو المنشآت الحيوية، ستلقي بظلالها على تفاصيل الخطط والبرامج التنموية للبلاد، ما ستنعكس مظاهره لاحقًا من خلال تراجع المشاريع الطموحة إلى مستويات حرجة. وعلى مستوى المواطن فإن آثار دخول البلاد في حالة صدام عسكري مع أي طرف، تظهر بشكل مبكر من خلال افتقاد الشعور بالاستقرار والأمان. فالمجتمع السعودي الذي اعتاد نمطًا من الحياة يتسم بالترف والبذخ، من الصعب إقناعه بالتنازل عن بعض مظاهر هذا النمط الحياتي. ومن أجل ذلك تسببت عودة العمليات العسكرية اليمنية ضد أهداف حيوية داخل المملكة، وتنفيذ القوات المسلحة لمعادلة “الحصار بالحصار” بحالة هلع بين أوساط السعوديين، دفعهم إلى تخزين المواد الغذائية بصورة لافتة ولا إرادية وبكميات كبيرة، أفرغت “المولات والماركيتات” من البضائع، بينما كانت السلبية طابع الأداء الحكومي، حيث لم يكن هناك أدنى اهتمام لتهدئة الناس. والمَشَاهد التي جرى تداولها خلال الأيام الماضية عبر وسائل الاتصال، كشفت عن فارق مؤثر بين المجتمعين اليمني والسعودي، حيث المعيشة القاسية التي اعتاد عليها اليمني جعلت منه جبهة صلبة صعبة الاختراق، وقادرة على التماسك في كل الظروف، وفي المنعطفات الصعبة يصنع المستحيل من وسائل الحياة البديلة، فذلل الطبيعة لخدمة احتياجاته.

يزيد هذا الواقع السعودي الهش من تعقيدات الوضع أمام النظام في الرياض، وتتراجع على إثر ذلك الخيارات، ويصير المأزق هو سيد الظرف السعودي.

دولة مخملية لا تحتمل الخدش
وتخلص المداولات النقاشية والبحثية إلى أن السعودية دولة مخملية، لا تحتمل خدشًا واحدًا في صورتها الاستثمارية أو سمعتها الأمنية كواحة آمنة للمال والأعمال. فيما اليمن دولة اعتادت العيش في أصعب الظروف الجيوسياسية والاقتصادية، وأتقنت إدارة معاركها الاستراتيجية وتطوير تصنيعها العسكري من وسط الركام والأنقاض وتحت وطأة الحصار الشامل.

ووفق منطق المكاسب والخسائر يتفق الجميع بأن ما يمكن أن تخسره السعودية اليوم (بمشاريعها الخرسانية والزجاجية، ورؤيتها الاستثمارية العالمية، واستقرارها المالي، وهيكليتها الاقتصادية المركزية) يفوق بآلاف المرات ما يمكن أن يخسره اليمن الذي صهرته ثماني سنوات من الحرب الشاملة والحصار. وعلى ذلك، يصير خيار المكابرة والإصرار على سلب اليمنيين حقوقهم هو -حسب وصف خبراء- بمثابة “مقامرة صفرية” خاسرة بكل المقاييس الاستراتيجية، خصوصًا مع تحديث القوات المسلحة اليمنية لـ”بنك الأهداف” داخل العمق السعودي، وتزويده بإحداثيات دقيقة بما يسمح باستهداف مواقع حيوية بدقة عالية في حال اتساع دائرة المواجهة، وتجعل المنظومات الدفاعية الغربية مثل (“باتريوت” و”ثاد”) مجرد خردة لا قيمة لها أمام تكتيكات الإغراق الصاروخي.

ويدعم ذلك أن الترسانة اليمنية المتعاظمة، وعجز محور الشر في تطويقها أو كسر إرادتها، وتحوُل الأهداف الحيوية السعودية -وهي كثيرة- إلى نقاط ضعف أمنية قاتلة أمام مسيّرات وصواريخ منخفضة الكلفة، كلها عوامل تجعل من الانصياع لمتطلبات السلام العادل، وفك الحصار عن الشعب اليمني، والاستجابة للملف الإنساني، المخرج الوحيد المتاح للرياض، لتفادي كارثة محققة.