العربدة الأمريكية والغطرسة السعودية بين فكي كماشة “هرمز” و”باب المندب”.. معادلات “المحور” ثابتة
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
29 يوليو 2026مـ – 15 صفر 1447هـ
يوماً تلو الآخر، يتضح للجميع أن العدوان الأمريكي وما يقابله من ردع إيراني تحوّل إلى صراع مباشر على السيادة والممرات البحرية الاستراتيجية، في ظل مساعٍ أمريكية متواصلة لاستعادة الردع وتحسين السمعة التي أهدرتها طهران.
ويكشف المشهد الراهن أن الاعتداءات والضغوط الأمريكية، وهي تستهدف الجمهورية الإسلامية، تسعى أيضاً إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة عبر توسيع دائرة المتورطين في العدوان والزج بمزيد من الدول في المستنقع الذي وقعت فيه واشنطن، وهو ما يهدد بتفجير المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً بشكل غير مسبوق، مما يجعل العدو الأمريكي يتحمل كافة التداعيات الناجمة التي ستصل تأثيراتها إلى العالم أجمع.
وفي المقابل، تؤكد التطورات الميدانية أن طهران تتمسك بموقفها الرافض لأي انتقاص من سيادتها أو فرض إملاءات خارجية، بينما تتزايد التحذيرات من أن استمرار العدوان الأمريكي الصهيوني، وما يرافقه من انخراط بعض الأنظمة الإقليمية، سيدفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة أكثر تعقيداً، سيما في ظل تصاعد الردع اليمني أمام الغطرسة السعودية، وما يمثله ذلك من ردع مركّب تقوده طهران وصنعاء لوضع حدٍ للمغامرين في فلك التحالف الصهيوأمريكي.
وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ العلوم السياسية، الدكتور عادل آل غبيش، أن الولايات المتحدة اعتادت خرق اتفاقات وقف إطلاق النار، وكان متوقعاً منها ألا تلتزم بأي تهدئة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو برفع الحصار عنها، مشيراً إلى أن القوات المسلحة الإيرانية كانت تتوقع هذا السلوك، ولذلك استعدت لمواجهة أي تصعيد أمريكي أو إسرائيلي في المنطقة.
وفي مداخلة على قناة “المسيرة”، يشدّد الدكتور آل غبيش على أن مضيق هرمز ما يزال تحت سيطرة القوات المسلحة الإيرانية، وأن الجمهورية الإسلامية مستعدة للحرب كما هي مستعدة للمفاوضات، لكنها لن تتراجع عن ثوابتها أو تخضع لشروط الآخرين، بل قد تفرض شروطاً جديدة تحقق لها امتيازات أكبر.
ويوضح أن الرئيس الأمريكي المهزوم دونالد ترامب يحتاج إلى المفاوضات لأنه غير قادر على فرض سيطرته على إيران أو على مضيق هرمز، مشيراً إلى أن المتحدث باسم مقر “خاتم الأنبياء” أعلن أن أي دولة تشارك في الحرب ضد إيران ستتعرض لضربات من القوات المسلحة الإيرانية، مؤكداً أن الجمهورية الإسلامية لن تستسلم أو تخضع لأي ضغوط.
ويضيف آل غبيش أن ترامب يسعى لاستغلال الأزمة من أجل السيطرة على حركة الملاحة البحرية والاستفادة من ثرواتها، بينما تمتلك إيران الحق في فرض رسوم مقابل الخدمات والتأمين في مضيق هرمز باعتباره يقع ضمن مياهها الإقليمية، مشدّداً على أن هذه الورقة أصبحت مكسباً جديداً لطهران، وأن واشنطن تحاول انتزاعها لكنها لن تتمكن من ذلك.
وينوّه إلى أن مجلس الأمن القومي والبرلمان الإيرانيين أيدا فرض هذه الرسوم، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة قد تحاول إشراك دول من حلف شمال الأطلسي، بينها فرنسا وألمانيا وأوكرانيا، للمشاركة في أي عدوان على إيران بهدف انتزاع هذه الورقة، إلا أنه استبعد نجاح هذه المحاولات.
ويبيّن أن الطبيعة الجغرافية لمضيق هرمز لا تسمح بحركة المدمرات الكبيرة، وأن إيران أعدت نفسها مسبقاً عبر تطوير زوارق بحرية خاصة وصفها بـ”النحل الأحمر”.
ويتطرق آل غبيش إلى أن ترامب لم يتمكن طوال الأشهر الماضية من فتح مضيق هرمز، سواء منفرداً أو بمشاركة دول عربية أو حتى حلفائه في الناتو، مشيراً إلى أن هذه الدول باتت تدرك خطورة الانخراط في الحرب إلا إذا اضطرت إلى ذلك.
وفي ختام مداخلته، يربط أستاذ العلوم السياسية، الدكتور عادل آل غبيش، بين التطورات في مضيق هرمز وما يجري في البحر الأحمر، لافتاً إلى أن اليمن دخل المعادلة بإغلاق باب المندب وتنفيذ ضربات استهدفت منشآت نفطية في ينبع، متوقعاً أن تؤدي هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار النفط حتى حدود 150 دولاراً للبرميل، بما سينعكس على الاقتصادين الأوروبي والأمريكي.
من جانبه، يقول مدير مركز “دال” للدراسات، فيصل عبد الساتر، إن الطرح العماني المتعلق بمضيق هرمز لا تزال معالمه غير واضحة، رغم مستوى التنسيق المرتفع بين إيران وسلطنة عمان، مرجحاً وجود ضغوط أمريكية على مسقط قد تكون وراء هذا الطرح.
ويوضح في مداخلة على قناة “المسيرة” أن الهدف المحتمل يتمثل في تقويض ما تعتبره إيران سيادتها الكاملة على المضيق، أو التأثير في صيغة الإدارة المشتركة بينها وبين سلطنة عمان، معتبراً أن الموقف الإيراني جاء استباقياً برفض أي مسار موازٍ قد ينتقص من هذه السيادة.
ويعبر عبد الساتر عن مخاوفه من أن تكون الإدارة الأمريكية تسعى إلى دق إسفين بين إيران وسلطنة عمان لعزل طهران وإبقائها وحيدة في مواجهة الضغوط، فيما يرى أن الحديث عن الرسوم والتفاصيل الفنية يبقى مسألة ثانوية، بينما القضية الأساسية تتمثل في محاولة ترامب الخروج من المواجهة مع إيران بأي إنجاز سياسي عبر الادعاء بأن مضيق هرمز خارج السيطرة الإيرانية، وهو ما أكد أن طهران سترفضه.
وفي الشأن السعودي، يقول عبد الساتر إن الدعوات الرسمية السعودية إلى الحلول الدبلوماسية تتناقض مع انخراط الرياض في أعمال عدائية ضد إيران، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وكذلك مع العدوان المستجد على اليمن، مؤكداً أن هذا السلوك لا يمكن فصله عن الحملة الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
وينتقد الخطاب السعودي الذي يصف اليمن ولبنان والعراق وسوريا بأنها “أذرع لإيران”، معتبراً أن هذا المنطق يهمش الدول والشعوب ويجردها من استقلاليتها، في الوقت الذي تتجاهل فيه الرياض تبعيتها المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية.
ويضيف أن هذا الخطاب استُخدم لتبرير استهداف هذه الدول وشعوبها ووصمها بالعمالة، بينما يتم التغاضي عن الارتهان الأمريكي لدى بعض الأنظمة واعتباره سلوكاً سياسياً مشروعاً.
ويؤكد عبد الساتر أن السعودية ستدفع ثمن سياساتها، سواء كانت تنفذ أجندة أمريكية أو تتحرك وفق حساباتها الخاصة، معرباً عن أسفه لانخراطها مجدداً في العدوان على اليمن.
ويشدّد على أن التحركات العدوانية السعودية تأتي في سياق تنفيذ الإملاءات الأمريكية التي تستهدف إضعاف تماسك محور المقاومة ومنع تكامله في مواجهة الولايات المتحدة وكيان العدو الصهيوني.
وفي ختام مداخلته، يحذّر مدير مركز “دال” للدراسات، فيصل عبد الساتر، من أن السعودية نفسها لن تكون بمنأى عن تداعيات أي تفوق للتحالف الأمريكي الصهيوني، معتبراً أن انضمامها إلى هذا المسار لن يحميها، بل سيقودها إلى تحمل نتائج خياراتها.
