أبعاد العملية اليمنية والاتهامات السعودية للمقاومة العراقية.. ردع متقدم وهروب مكشوف الأهداف
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
28 يوليو 2026مـ – 14 صفر 1447هـ
تقريــر || نوح جلّاس
مثلت العملية التي أعلنت عنها القوات المسلحة اليمنية اليوم باستهداف عدد من الأهداف والنقاط الحساسة لإمدادات ونقل النفط الخام من شرق السعودية إلى ينبع، انتقالاً جديداً في معادلات الردع؛ من استهداف المنشآت النفطية إلى استهداف البنية اللوجستية التي تضمن استمرار تدفق النفط، بما يحمله ذلك من رسائل عسكرية واقتصادية وسياسية.
وجاءت العملية في توقيت بالغ الدلالة؛ فقد أعقبت مباشرة إسقاط الدفاعات الجوية اليمنية الطائرة التركية المتطورة “بيرقدار أقينجي”، قبل أن تتوسع القوات المسلحة اليمنية في الرد بضربات استهدفت مسار إمدادات النفط الخام، الأمر الذي يكشف عن نمط جديد من الردود السريعة والمباشرة على أي تصعيد سعودي مهما كان صغيراً أو كبيراً.
أبعاد العملية.. استهداف دقيق لشريان النفط ورسائل ردع متقدمة:
إن اختيار نقاط وخطوط إمداد النفط الخام الممتدة من شرق السعودية إلى ميناء ينبع يحمل دلالات عملياتية تتجاوز مجرد إحداث أضرار مادية؛ فالوصول إلى هذه المواقع يعني امتلاك القوات المسلحة اليمنية معلومات استخباراتية دقيقة عن شبكة نقل النفط السعودي، بما يشمل خطوط الإمداد والعقد اللوجستية والمواقع الحساسة التي يعتمد عليها تدفق الخام نحو الساحل الغربي.
كما يكشف ذلك تطوراً في القدرة على اختيار الأهداف ذات القيمة الاقتصادية العالية، بحيث يصبح تعطيل سلسلة الإمداد نفسها وسيلة ضغط لا تقل تأثيراً عن استهداف المصافي أو الموانئ، وذلك إلى جانب الحظر البحري الذي تفرضه القوات المسلحة اليمنية، والذي أدى إلى انخفاض تحميلات النفط السعودي من ميناء ينبع إلى قرابة النصف بحسب ما أكدته تقارير دولية وسعودية.
ومن الناحية العسكرية، فإن إصابة هذه النقاط تؤكد أن بنك الأهداف اليمني يتجاوز المنشآت المعروفة، ليشمل تفاصيل البنية اللوجستية المرتبطة بقطاع الطاقة، وهو ما يزيد من صعوبة حماية جميع عناصر هذه الشبكة، ويضع النظام السعودي أمام كلفة متصاعدة لأي حماقة.
وفي سياق متصل، فقد حملت العملية أيضاً رسالة واضحة بشأن قواعد الاشتباك الجديدة؛ فمجرد أن دفع النظام السعودي بطائرة تركية حديثة إلى الأجواء اليمنية، جرى إسقاطها، ثم تبع ذلك مباشرة استهداف مواقع مرتبطة بإمدادات النفط داخل السعودية.
ويؤكد هذا التسلسل أن القوات المسلحة اليمنية باتت تعتمد مبدأ الرد الفوري والمتدرج، بحيث لا يمر أي تصعيد أو اختراق دون تكلفة مقابلة.
كما أن تنفيذ الضربات داخل العمق السعودي، في مقابل غياب رد عسكري سعودي معلن حتى الآن، يعزز الانطباع بأن الرياض باتت أكثر حذراً في الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تستدعي موجات جديدة من الضربات ضد منشآتها الحيوية.
وتشير العملية كذلك إلى أن الردع اليمني بات قائماً على فرض حالة من عدم اليقين لدى العدو السعودي؛ فمجرد معرفة القيادة السعودية بأن أي اختراق جديد قد يقابله استهداف مباشر لمنشآت أو خطوط إمداد أو مراكز اقتصادية، يجعل كلفة القرار العسكري أعلى من ذي قبل، وهو الأمر الذي يقيّد العدو ويبدد خياراته ويجعله أمام خيارين ينحصران على: وقف العدوان والحصار وتحمل كلفة ما اقترفه بحق الشعب طيلة 12 عاماً، أو الجمود أمام تلقي الصفعة تلو الصفعة، سيما في ظل الرصد الدقيق لناقلات النفط المتجهة من وإلى الموانئ السعودية والتي باتت في حالة شلل تام، فضلاً عن العزوف الدولي المتصاعد عن التعامل مع الملاحة السعودية سواء بالشحن والتحميل أو التأمين.
وعلاوةً على ذلك، فإن هذه العملية تكشف أن توسيع دائرة الأهداف المحتملة يفرض على السعودية توزيع قدراتها الدفاعية على نطاق أوسع، وهو ما يرفع الأعباء التشغيلية ويقلل من كفاءة منظومات الحماية، فضلاً عن أن تلك المنظومات أثبتت فشلاً ذريعاً أمام الضربات اليمنية.
أبعاد اتهام المقاومة العراقية..من محاولة إخفاء العجز إلى التحرك ضمن الأجندات الصهيوأمريكية:
وفي سياق آخر، اتجه النظام السعودي بعد العملية اليمنية إلى اتهام المقاومة العراقية بالوقوف وراء الهجوم، وهو مسار يحمل أبعاداً سياسية وإعلامية تتجاوز مضمون الاتهام نفسه.
وأحد التفسيرات المحتملة لهذا الاتهام يتمثل في محاولة تجنب الاعتراف بوصول الطائرات اليمنية إلى أهدافها داخل العمق السعودي؛ كون الاعتراف بأن الطائرات اليمنية اخترقت المجال الجوي ونجحت في إصابة أهداف مرتبطة بإمدادات النفط يثير تساؤلات حول كفاءة منظومات الرصد والاعتراض التي تمتلكها المملكة، في مقابل منظومات الرصد التي تمتلكها اليمن والتي تمكنت من إسقاط الطائرة التركية رغم استخدام هذا الطراز للمرة الأولى.
كما أن تحميل جهة أخرى مسؤولية العملية قد يُستخدم لتخفيف التركيز الإعلامي على قدرة القوات اليمنية نفسها، مقابل ضعف الدفاعات السعودية، بالإضافة إلى أن هذا الاتهام يعد محاولة للهروب من تبعات استمرار العدوان والحصار على اليمن.
ومن منطلق آخر، يكشف هذا الاتهام الزائف محاولة سعودية لفصل الضربة عن سياقها المباشر؛ فالبيان العسكري اليمني ربط العملية بشكل واضح بالرد على اختراق الطائرات السعودية للأجواء اليمنية، وبالتالي فإن تجاهل هذا السياق والبحث عن طرف آخر قد يُقرأ باعتباره سعياً لتجنب تحميل السياسات العسكرية السعودية مسؤولية التصعيد وما يقابله من ردع.
ومن زاوية أخرى، يكتسب الاتهام بعداً سياسياً آخر يتمثل في وضع ملف فصائل المقاومة العراقية تحت مزيد من الضغط الحكومي، على غرار ما يمارسُه العدو السعودي من ضغوط على حركات الجهاد والمقاومة في كافة مناطق المحور، بغرض تمرير مخطط صهيوأمريكي لنزع سلاح المقاومة.
فإقحام المقاومة العراقية في مثل هذه العمليات ينسجم مع توجهات أمريكية وإسرائيلية متكررة تدعو إلى تقييد سلاح حركات المقاومة في العراق، وهو ما قد يزيد الضغوط السياسية على الحكومة العراقية في هذا الملف.
كما ينسجم ذلك مع مواقف سعودية ظهرت في ملفات إقليمية أخرى، حيث يدعم النظام السعودي مسارات تدعو إلى تقويض قدرات حركات الجهاد والمقاومة، بما في ذلك المواقف المتعلقة بسلاح حزب الله في لبنان.
وبهذه المعطيات، تكشف هذه العملية النوعية أن القوات المسلحة اليمنية انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيداً في إدارة الردع، من خلال استهداف حلقات حساسة في منظومة الطاقة السعودية، وإظهار قدرة على الرد السريع عقب أي تصعيد ميداني بغض النظر عن حجمه؛ وفي المقابل، يتبين أن النظام السعودي مُصرٌّ على مسار المماطلة والتهرب والسعي لخدمة المخططات الصهيوأمريكية بدلاً من الانصياع لمطالب الشعب اليمني العادلة والمشروعة.
