من بقيق وخريص إلى جيزان وينبع.. اليمن يثبّت قواعد المواجهة

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
26 يوليو 2026مـ – 12 صفر 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

لا تكمن أهمية عملية القوات المسلحة النوعية -التي استهدفت منشآت نفطية في جيزان وينبع- في طبيعة الأهداف التي طالتها فحسب، وإنما أيضا في الرسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية الحساسة والاسترتيجية التي حملتها، والتداعيات التي قد تترتب عليها بالنسبة للسعودية والولايات المتحدة وأسواق الطاقة العالمية.

وقبل ذلك، تعكس العملية تحولا استراتيجيا جديدا في طبيعة المواجهة مع المحور السعودي الأمريكي العدواني بعد أكثر من عقد من الحرب، إذ تؤكد بأن اليمن، الذي نظر إليه التحالف منذ بدء عملياته عام 2015 بوصفه بلدًا يمكن إخضاعه بالقوة العسكرية بشكل خاطف وغير مكلِّف، استطاع أن يفرض معادلات ميدانية استثنائية وفق تقييم الخبراء، وأن ينقل جزءًا من كلفة الحرب إلى العمق السعودي في إطار بمعادلة الردع.

ويعيد القصف اليمني لمنشآت تابعة لشركة أرامكو إلى الأذهان الهجومَ الذي طال منشأتي بقيق وخريص في سبتمبر 2019، والذي أدى حينها إلى تعطيل جزء كبير من إنتاج النفط السعودي، وأحدث اضطرابًا واسعًا في أسواق الطاقة العالمية، بعدما ارتفعت أسعار النفط بأكبر وتيرة يومية منذ عقود. وشكلت تلك العملية نقطة تحول في مسار الحرب، إذ أظهرت أن المنشآت النفطية السعودية -رغم ما تتمتع به من منظومات حماية متقدمة- لم تكن بمنأى عن الاستهداف، وأن أي هجوم يطالها يمكن أن تتجاوز تداعياته حدود المملكة ليترك أثرًا مباشرًا في الاقتصاد العالمي، فضلا عن اختلال القواعد الأمنية للمملكة.

مليارات الدفاع ومعضلة الردع
ومنذ ذاك الهجوم على منشأتي بقيق وخريص، استثمرت السعودية مليارات الدولارات في تعزيز منظومات الدفاع الجوي، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتوسيع شبكة الرصد والاعتراض، إلى جانب الاعتماد -بصورة أكبر- على التقنيات الغربية لحماية المنشآت الحيوية. إلا أن استهداف منشآت أرامكو مجددًا فجْر 25 يوليو أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن فاعلية تلك المنظومات في مواجهة الهجمات المركبة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنح اليمن اليد الطولى -وفضلا عن فشل التشكيك في نجاح العملية- في عدم جدوى كل ذلك الاشتغال العبثي والذي كلف الكثير في البناء الدفاعي الوهمي، دون أثر لجهة توفير الحماية لأهم المرافق الاقتصادية في المملكة.

في هذا السياق، يذهب مراقبون ومحللون إلى أن استمرار الاعتماد على طبقات دفاعية باهظة الكلفة -رغم تكرار الهجمات التي تستهدف العمق السعودي- يثير تساؤلات حول جدواها، كما يفتح الباب أمام انتقادات تتهم الولايات المتحدة بالاستمرار في تسويق مزيد من أنظمة التسليح والدفاع باعتبارها الضامن لأمن المملكة بينما يتضح -عمليا- هشاشتها، في حين يرى منتقدو هذه السياسة أن الأولوية الأمريكية تظل مرتبطة بالمصالح الاقتصادية الأمريكية وصفقات السلاح أكثر من تقديم ضمانات مطلقة للحماية. لهذا، لم يعد مفهوم الردع في هذه المواجهة يقتصر على امتلاك وسائل الهجوم الحديثة، أو التفوق في حجم الترسانة العسكرية، وهو ما عليه السعودية، وإنما يقاس بقدرتها الفعلية على حماية بنيتها التحتية الحيوية، وإدارة الأزمات، والحفاظ على ثقة المستثمرين والأسواق، وتقليل آثار الضربات على اقتصادها وحتى استقرارها الداخلي. ومن هذا المنظور، اتفق الخبراء على أن عجز العدو السعودي في تحقيق هذه الثوابت، وقدرة الجش اليمني في اختراق منظومة الحماية وإصابة الهدف بشكل دقيق، قد أحدث التأثير المباشر، وضرب صورة قدرات الرياض على الحماية.

لماذا جيزان وينبع؟
ليست جيزان وينبع هدفين عاديين في خارطة البنية التحتية للطاقة السعودية، بل تمثلان ركيزتين أساسيتين استراتيجيتين ضمن منظومة إنتاج النفط وتكريره وتصديره، وهو ما يمنح أي استهداف لهما أبعادًا اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود الأثر العسكري المباشر.

تقع جيزان في جنوب غرب المملكة، وتضم مرافق نفطية وصناعية وميناءً استراتيجيًا، إلى جانب مصفاة جيزان (أحد أحدث وأكبر مشاريع أرامكو) التي أنشئت لتعزيز قدرات المملكة في مجال التكرير وتأمين الإمدادات للأسواق المحلية والدولية، فضلاً عن دورها في دعم التنمية الصناعية والاقتصادية في المنطقة الجنوبية.

أما ينبع، فتمثل أحد أهم مراكز صناعة النفط السعودية على ساحل البحر الأحمر، إذ تضم مصافي ومنشآت بتروكيميائية وميناءً رئيسيًا لتصدير النفط ومشتقاته. كما تستقبل الخام القادم عبر خط أنابيب “شرق–غرب” الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى الساحل الغربي، بما يوفر منفذًا استراتيجيًا للتصدير بعيدًا عن مضيق هرمز، ويمنح الرياض هامشًا أكبر من المرونة في مواجهة أي اضطرابات قد تشهدها الممرات البحرية في الخليج.

من الحدود إلى العمق السعودي
ومن هذا المنطلق، فإن اختيار جيزان وينبع لا يمكن النظر إليه بكونه استهدافًا لمنشأتين نفطيتين فحسب، بل رسالة موجهة من خلال انتقاء الهدف: أحد أهم أعمدة الاقتصاد السعودي، والمنظومة التي تعتمد عليها المملكة في ضمان استقرار صادراتها النفطية. كما يعكس تطورًا متواصلًا لقدرات اليمن العسكرية، وفي طبيعة إدارة المواجهة، بعد سنوات من العدوان السعودي الأمريكي الغاشم، والتي شهدت انتقال عمليات القوات المسلحة من الدفاع داخل الحدود اليمنية إلى استهداف منشآت ذات قيمة استراتيجية في العمق السعودي.

ويشير هذا المسار إلى أن المواجهة، التي بدأت عام 2015، لم تعد محكومة بالاشتباكات العسكرية التقليدية، بل أصبحت أيضا ترتبط -بصورة متزايدة- بمعادلات الردع الاقتصادي، حيث لم تعد المنشآت الحيوية بمنأى عن دائرة الاستهداف، وأصبح أمن الطاقة جزءًا لا يتجزأ من معادلات القوة والضغط.

ضربة أعادت تعريف أمن الطاقة
ارتفاع منسوب القلق والمخاوف لدى الأمريكي من هذا النجاح اليمني في تكرار ضرب منشآت النفط السعودية يأتي من علاقة التخادم بين واسنطن والرياض، فلا يرتبطً فقط بالعلاقة الأمنية، بل أيضًا بتداعيات أي اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية، خصوصا مع استمرار أزمة مضيق هرمز، وبما ينعكس بالضرورة على الأسواق الدولية، وعلى مكانة الولايات المتحدة وتأثيرها في النظام الاقتصادي العالمي المرتبط بالطاقة وحركة التجارة الدولية.

كما تُظهر عملية استهداف جيزان وينبع أن منشآت الطاقة لم تعد في مأمن من ضربات القوات المسلحة التي جعلت منها أهدافا، وحذرت في غير مرة من إمكانية الذهاب إلى ما هو أبعد وأعمق إذا تطلب الأمر ذلك وأصرّ العدو السعودي على البقاء في حالة الغرور، والاستناد إلى أمريكا و”إسرائيل” في استمرار قتل الشعب اليمني ومصادرة حقوقه المشروعة.

استمرار الدروس اليمنية
كما شكلت العملية تحديًا للصورة التي عملت السعودية على ترسيخها لعقود باعتبارها قوة قادرة على ضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية وحماية منشآتها الحيوية. إذ كشف الهجوم اليمني الناجح بأن أمن البنية التحتية النفطية عموما -السعودية نموذجا- لم يعد مسألة داخلية فقط، بل أصبح جزءًا من التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدول المنتجة للطاقة، مهما بلغت قدراتها الاقتصادية والعسكرية. ومن زاوية أخرى أثبت استهداف جيزان وينبع أن امتلاك التفوق الجوي والقدرات العسكرية التقليدية لا يعني بالضرورة القدرة على منع وصول تهديدات منخفضة الكلفة نسبيًا، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، إلى أهداف ذات قيمة استراتيجية عالية، ليستمر اليمن في كسر القواعد التقليدية في المواجهة، وتقديم الدروس في تطويع القدرات بصورة عالية القيمة ومضمونة النتائج.

الكلفة منذ لحظة وصول الصاروخ
كما تعي السعودية أن الرسالة العسكرية من العملية اليمنية التي طالت منشآتها الحيوية لا ترتبط فقط بحجم الأضرار المادية الناتجة عنه، وإنما بما تحمله من دلالات تتعلق بتأكيد قدرة اليمن -اليوم- على تجاوز المسافات ومنظومات الحماية المتقدمة، والوصول إلى أهداف استراتيجية. فبغض النظر عن حجم التدمير المباشر، فإن كلفة أي استهداف تبدأ منذ لحظة وصول الصاروخ أو الطائرة المسيّرة إلى محيط المنشأة، إذ تفرض مثل هذه العمليات إجراءات احترازية واسعة، وقد تؤدي إلى تعطيل أو خفض الإنتاج، ورفع مستوى الاستنفار الأمني، وإثارة مخاوف الأسواق من احتمال اتساع دائرة التصعيد. ثم إن أي اضطراب في إنتاج أو تصدير الطاقة السعودية لا ينعكس على الاقتصاد السعودي فقط، بل يمتد أثره إلى الأسواق العالمية، بالنظر إلى الدور الذي تلعبه المملكة ودول الخليج في إمدادات النفط والطاقة الدولية.

البعد النفسي والاستراتيجي لنجاح الاستهداف
إلى جانب التداعيات الاقتصادية، تحمل مثل هذه الهجمات بعدًا نفسيًا واستراتيجيًا يرتبط بصورة الدولة السعودية وقدرتها على حماية أهم مصادر قوتها الاقتصادية. فتعرُّض منشآتها الحيوية للاختراق يشكك عمليا في سياستها الأمنية لاحتواء أي مخاطر تتهددها، وفي قدرتها على مواجهة تهديدات متطورة ومنخفضة الكلفة، كما يهبط بمستوى الثقة بقدرتها على تأمين بيئة مستقرة لاستمرار الإنتاج وحماية تدفق العائدات المالية.

ومن هنا، تتحول حماية المنشآت النفطية إلى تحدٍ مستمر يتطلب تطوير خطط الدفاع، ورفع جاهزية الحماية الأمنية والتأمينية، خصوصًا مع تغير طبيعة الحروب الحديثة التي أصبحت تعتمد -بصورة متزايدة- على وسائل هجومية دقيقة يمكنها استهداف منشآت ذات أهمية استراتيجية بتكاليف أقل مقارنة بالأسلحة التقليدية.

فشل معادلة واشنطن لحماية الطاقة
في المقلب الأمريكي تدرك الولايات المتحدة -من خلال تجربتها في المواجهة مع اليمن- أن حماية منشآت الطاقة في منطقة الخليج تمثل تحديًا معقدًا، وأن الاعتماد على المنظومات الدفاعية المتقدمة وحدها لم يمنع تعرض هذه الأهداف لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. فقد أظهرت الهجمات التي شهدتها السنوات الماضية، وفي مقدمتها استهداف منشآت بقيق وخريص عام 2019، أن امتلاك قدرات دفاعية متطورة لا يعني بالضرورة القدرة على منع جميع التهديدات أو احتواء آثارها بالكامل. لهذا اضطرت واشنطن -في مراحل مختلفة- إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وتقديم دعم دفاعي لحلفائها، في محاولة لرفع مستوى الحماية حول المنشآت الاستراتيجية. إلا أن مسار الحرب منذ عام 2015 أظهر أن التفوق العسكري التقليدي لم يكن كافيًا لحسم المواجهة، وأن استمرار الضغوط والهجمات دفع -في النهاية- نحو مسارات التهدئة والهدن والمفاوضات. وفي هذا السياق، يرى منتقدو السياسة الأمريكية في المنطقة أن واشنطن لم تتمكن -رغم قدراتها العسكرية والتقنية الكبيرة- من إنهاء التهديدات التي تواجه منشآت الطاقة.

وتبقى الخلاصة التي فرضتها سنوات المواجهة أن الحرب على اليمن لم تعد اختبارًا للتفوق العسكري، بل أصبحت اختبارًا لقدرة القوى (المصنفة بالأولى) على حماية مصالحها وإدارة الصراع. فبينما امتلك التحالف السعودي الأمريكي قدرات جوية وتقنية كبيرة، استطاعت القوات اليمنية تطوير أدوات ضغط جعلت المنشآت الحيوية جزءًا من حسابات الحرب، وهو ما جعل الحل العسكري وحده عاجزًا عن إنهاء المواجهة.