الرد على عدوان الحديدة: عشرات الصواريخ اليمنية تشلّ منشآت أرامكو في جيزان وينبع
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
25 يوليو 2026مـ – 11 صفر 1447هـ
مع ساعات الفجر الأولى من صباح السبت 25 يوليو 2026م، استفاقت المملكة السعودية على صافرات الإنذار وألسنة اللهب تتصاعد من أرامكو في جيزان وينبع، فيما الأدخنة تغطي مساحات واسعة من سماء المملكة، مواقع التواصل الاجتماعي تعج بمشاهد الفوضى والإرباك. هكذا بدا المشهد في المملكة حينما صمّت آذانها عن أنين المرضى وواصلت حصار الشعب اليمني الذي نهض بكبريائه المعهود ليذيقها بعضاً من بأسه كجرعة أولى ستتضاعف حتما خلال الأيام والساعات المقبلة إن لم ترضخ الرياض وترفع يدها عن اليمن.
لفهم الأبعاد الحقيقية للعملية، لا بد من قراءة الظرف الذي أنتجها. فمساء الجمعة أقدم طيران العدو السعودي على عدوانٍ إجراميٍ مزدوج، مستهدفاً مدينة وميناء الحديدة وجزيرة كمران في محاولة لإيقاف المنفذ الوحيد المتبقي لدخول المواد الغذائية والمشتقات النفطية إلى بلدٍ أنهكه حصارٌ ظالم مستمر منذ اثني عشر عاماً، فضرب هذا الشريان الحيوي، بالتزامن مع جزيرة كمران الاستراتيجية، يكشف عن نيةٍ مبيتة لخنق اليمن بشكل كامل، في تحد صارخ لقرار القوات المسلحة، رفع الحصار عن الشعب اليمني مهما كانت التحديات والنتائج.
ما حدث بعد ذلك العدوان قلب المعادلة رأساً على عقب. فبعد ثلاث ساعات فقط من العدوان، كانت الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة اليمنية تشق سماء المملكة في مشهدٍ غير مسبوق، لتؤكد أن زمن البلطجة السعودي قد ولى دون رجعة، وأن الرد بات آنياً، صاعقاً، ولا يقبل التأويل.
مصافي النفط في أرامكو تشتعل
نفذت القوات المسلحة اليمنية عمليتين عسكريتين في وقت واحد، الأولى: استهدفت منشآت أرامكو في جيزان بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وهي عملية تعتبر الأقوى منذ العام 2015، فيما العملية الثانية: استهدفت أهدافاً حساسة في ينبع، على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، بعدد من الصواريخ الباليستية والمجنحة والمسيرات. وهنا مربط الفرس فينبع ليست مجرد ميناء. فبعد أن نقلت السعودية عمليات تصدير النفط من رأس تنورة في الخليج إلى موانئ البحر الأحمر، أصبحت ينبع “دينامو” التصدير السعودي، بمعدل يقارب 7 ملايين برميل يومياً. استهدافها يعني شل الشريان الرئيسي للاقتصاد السعودي، في توقيت كانت الرياض تظن فيه أنها استفردت بممر التصدير الآمن بعد تعطل مضيق هرمز.
الإصابات كانت دقيقة ومباشرة، كما أكد البيان العسكري اليمني، وكما أظهرت مقاطع الفيديو التي تداولتها وسائل الإعلام لأعمدة الدخان الكثيفة. وكالة رويترز أكدت تحقيق إصابات مباشرة في أرامكو جيزان، فيما وثقت صور الأقمار الصناعية دقت الإصابة في خزانات الوقود.
ولتقدير أهمية الحدث لا بد من النظر إلى الكثافة النيرانية في العملية فاستخدام “عشرات” الصواريخ الباليستية في عملية واحدة سابقةٌ لم تحدث من قبل وهذا الرقم تحول كمي يعكس طفرة في القدرة الإنتاجية والتخزينية، أما من حيث التزامن الجغرافي فإن ضرب جيزان (أقصى الجنوب) وينبع (شمالاً على البحر الأحمر) في التوقيت نفسه يؤكد تطوراً هائلاً في القدرات التنسيقية واللوجستية والمسافة بين الهدفين شاسعة، وتنفيذ عمليتين بهذا الحجم في آن واحد يعني أن القوات المسلحة تعمل بعقلية القيادة المركزية القادرة على فتح جبهات متعددة، مع إثبات على القدرة في إصابة أي هدف حساس في هذه الجفرافيا الواسعة.
ولو توقف الأمر عند ما حدث في 25 يوليو، لكان الحدث عظيماً بذاته، لكن المفاجأة أن ما حدث ليس سوى البداية. المحللون العسكريون يصفون عملية 25 يوليو بأنها “رأس الجليد” فقط. ما يعني أن ما يخفيه اليمن أكبر كثير مما أبداه اليوم فاستخدام هذا الكم الهائل من الصواريخ الباليستية يكشف عن حجم القدرة الهائلة من الصواريخ التي أنتجتها القوات المسلحة خلال فترة التصعيد
إن استهداف القوات المسلحة “جيزان وينبع ” بالذات يؤكد أن اليمن لم يبدأ بالأهداف الكبرى وإنما يعد نفسه لعمليات متصاعدة فالبدء جيزان وينبع، وهما هدفان استراتيجيان بكل تأكيد، لكنهما ليسا الأكثر حساسية في بنك الأهداف، وهناك أهدافا أخرى موضوعة على القائمة، ومرتبة بشكل متدرج منها مضخات الدوادمي الهيدروليكية التي تضخ ما بين 4 إلى 7 ملايين برميل يومياً كطاقة قصوى، وضربها يعطل الإنتاج لفترة طويلة جداً لا يمكن تعويضها بسهولة، كذلك حقل رابغ ومنشآت فصل الغاز عن النفط و منشآت أرامكو في جدة والرياض والظهران وجبيل ورأس تنورة كلها ضمن بنك الأهداف وتمتلك القوات المسلحة القدرة على استهدافها لكن هذا التدرج يعكس استراتيجية مدروسة بعناية: كل خطوة سعودية عدوانية جديدة تقابل بخطوة يمنية أقسى، والانتقال من هدف إلى آخر لا يحتاج إلا إلى قرار وهذه الاستراتيجية تمنح الخصم فرصة للتراجع قبل فوات الأوان، وتجعل كل مرحلة قادمة أشد إيلاماً وأعمق أثراً من سابقتها.
“الحصار بالحصار”.. المسارات الثلاثة للاستراتيجية اليمنية
تتأسس الاستراتيجية العسكرية اليمنية الجديدة على ثلاثة مسارات متوازية ومتكاملة، تشكل بمجملها نقلةً نوعية من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي وفرض الإرادة:
المسار الأول: الحصار الجوي (المطار بالمطار): بعد استهداف العدو السعودي لمطار صنعاء الدولي مطلع يوليو 2026، ردت القوات المسلحة باستهداف مطار أبها، وأعلنت بشكل واضح أن الملاحة الجوية للمطارات السعودية ستكون هدفاً مشروعاً، محذرةً شركات الطيران من التعامل معها. هذه المعادلة ما زالت سارية، وتشكل رأس حربة في كسر الحصار الجوي المضروب على اليمنيين منذ سنوات.
المسار الثاني: الحصار البحري المتدرج: في العشرين من يوليو 2026، أعلنت القوات المسلحة رسمياً “حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي وفق معادلة الحصار بالحصار”. وخلال يومين فقط، ترجمت هذا الإعلان باستهداف سفينتي النفط السعوديتين “ENCELIA” و”LAYLA” وإصابتهما إصابةً مباشرة، مع إجبار ما يقارب عشر سفن أخرى على التراجع والعودة. يؤكد هذا المسار أن القوات المسلحة تمتلك إجراءات تصعيدية متدرجة تبدأ بالنداء والتحذير، ثم الرسائل النارية، وصولاً إلى الاستهداف المباشر، مع الحرص الأخلاقي على سلامة الأطقم.
المسار الثالث: الردع الاستراتيجي والانتقام المشروع: هذا هو المسار الذي تجلى اليوم بأوضح صوره. فكل عدوان سعودي على الأعيان المدنية اليمنية سيقابل بردٍ فوري وقاصم في عمق العدو السعودي وفي كافة المنشآت الحيوية، وكما أكد البيان العسكري، فإن فرض الحصار البحري لا يزال مستمراً وأن القوات المسلحة لن تتردد في توسيع تحركاتها وتصعيد خطواتها” وفقاً لتطورات الموقف.
السعودية.. بين الوكالة والانتحار الاستراتيجي
تطرح العملية أسئلةً وجودية عن دوافع النظام السعودي للمقامرة بمصيره بهذا الشكل. لماذا يعود السعودي لجولة تصعيد جديدة بعد أن شهد نتائج المواجهات السابقة، وبعد أن فشلت الدفاعات الأمريكية في حمايته في بقيق وخريص، وبعد أن اضطر الأمريكي نفسه للاتفاق مع صنعاء لتأمين خروج سفنه من البحر الأحمر تاركاً السفن الإسرائيلية عرضة للنيران؟
الإجابة، تكمن في أن النظام السعودي لا يملك قراره بنفسه، وأنه مسخر لخدمة المشروع الأمريكي الإسرائيلي. ففي إطار استراتيجية “الشرق الأوسط الجديد”، وزّعت واشنطن الأدوار على حلفائها: للإمارات والكويت والبحرين دور في مواجهة إيران، وللسعودية دور تدمير اليمن. وما يقوم به النظام السعودي اليوم من حصار وعدوان هو استمرار لدوره التاريخي كأداة في يد الغرب والصهيونية، على غرار ما فعله في سوريا ولبنان وليبيا والسودان.
لكن المشكلة أن هذه الأداة تُدفع اليوم نحو انتحارٍ استراتيجي. ففي الوقت الذي أغلق فيه هرمز واتجهت المملكة للتصدير عبر البحر الأحمر، ها هي الضربات اليمنية تشلّ ميناء ينبع الحيوي، لتُدخل الاقتصاد السعودي في مأزقٍ غير مسبوق. لقد دخل العدو السعودي، في مأزق لم يكن يحسب له أي حساب، بعد أن كان يظن أن التهديدات اليمنية مجرد “ابتزاز”.
من انتزاع الحقوق إلى المعركة الواحدة
تتجاوز دلالات العملية الإطار الثنائي مع السعودية إلى أفق المواجهة الشاملة مع المحور الأمريكي الإسرائيلي. فالخروج المليوني للشعب اليمني، الذي سبق العملية، كان إعلاناً بأن الشعب اليمني – قيادةً وجيشاً وشعباً – قد خرج بكامله رافضاً للوضع القائم، ومطالباً بإنهاء الحصار والعدوان مهما كانت النتائج والتحديات. وهذا ما عبّر عنه الرئيس مهدي المشاط بقوله: “عندما يصبر شعبنا اليمني ما يقارب 12 عاماً على الحصار السعودي الظالم ولدى قواته المسلحة هذه الخيارات التي لا يقوى العدو السعودي على تحملها، فإنه قد أقام الحجة أمام الله على أكمل وجه”.
في هذا السياق، تأتي تصريحات رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام لتضيف بعداً آخر، حين شبه السياسات السعودية بالنهج الإسرائيلي في العدوان، محذراً من أن خطوات الحظر والقيود البحرية ليست سوى البداية، وهو ما يعكس فهماً استراتيجياً بأن الحصار والعدوان ليسا مجرد سياسة سعودية منعزلة، بل هما وجه من وجوه المشروع الصهيوأمريكي للمنطقة، وأن كسر أحدهما هو طريق لكسر الآخر.
زهوق الباطل وقد آن الأوان
عندما يعلو صوت الصاروخ اليمني في سماء جيزان وينبع، فإنه يحمل رؤوساً متفجرة، و يحمل رسالةً مدوية تؤكدا أن اثني عشر عاماً من الحصار الظالم والغاشم قد بلغت منتهاها، وإن شعب الإيمان والحكمة لم يعد يقبل بأن تُغلق مطاراته “بإذن من الرياض”، ولا أن تتحكم سفن التفتيش “الدمريج” في لقمة عيشه.
لقد نجحت العملية العسكرية النوعية اليوم في تحقيق أهدافها المباشرة بدقةٍ منقطعة النظير، لكن الأهم أنها نجحت في رسم الخطوط الحمراء الجديدة: لا مساس بسيادة اليمن، ولا استمرار للحصار أحادي الجانب، ولا عدوان دون عقاب. وكما قال البيان الأول للحظر، فإن “أي حماقة يقدم عليها العدو السعودي الأرعن من خلال التصعيد الشامل فسنواجهه بتصعيد شامل وقاس”.
في المحصلة، تؤكد عملية الخامس والعشرين من يوليو أن القوات المسلحة اليمنية، وبعد التوكل على الله، تملك الإرادة والقدرة والمخزون الاستراتيجي لخوض معركة انتزاع الحقوق حتى النهاية. لقد بدأت من جيزان وينبع، لكن بنك الأهداف يضم جدة والرياض ورابغ والظهران وجبيل ورأس تنورة، مما يعني أن كل أراضي المملكة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها واقعة تحت تهديد النيران اليمنية. وأول الغيث قطرة، وهذه القطرة كانت طوفاناً من النار.
