بين اليمن والسعودية.. حين يرتد الحصار على صانعيه

2

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
23 يوليو 2026مـ – 9 صفر 1448هـ

​بقلم// خديجة طه النعمي

​تعتاد التواريخ الكبرى أن تُكتب على أطراف المضائق، وحيث تتصادم الإرادات على حافة المياه.
لم تكن الملاحة البحرية عبر التاريخ مجرد خطوط وهمية ترسمها الموانئ، بل كانت دوماً الشريان الذي يمد الإمبراطوريات بأسباب الحياة، أو السيف الذي يُحسم به مصير الممالك.

واليوم، وفي لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، يجد الإقليم نفسه أمام تحول جيوستراتيجي كلي؛ تحول لم يكتفِ بإعادة رسم قواعد الاشتباك العسكري، بل أعاد صياغة الفلسفة الاقتصادية للردع تحت عنوان مكثف وحاسم: “معادلة الحصار بالحصار”.

​لعقود طويلة، تعاملت الذهنية السعودية مع البحر الأحمر باعتباره مجرد بحيرة خلفية يسهل تأمينها عبر الرهان على الحماية الدولية وتكديس الترسانات العسكرية، غير أن هذا الرهان التبسيطي تصادم سريعاً مع حقائق الجغرافيا الصارمة؛ فحين أغلقت الأزمات الإقليمية مضيق هرمز، سارعت الرياض إلى التزام ميناء “ينبع” كطوق نجاة أخير لتصدير الجزء الأكبر من نفطها، دون أن تستوعب أن هذا الشريان البديل ينتهي عملياً عند البوابة الجنوبية ذاتها.. عند باب المندب، حيث ترقب صنعاء حركة المياه وتملك القدرة على إغلاق القوس.

وهكذا، وجدت الرياض نفسها في فخ استراتيجي متكامل يُعرف بـ “نقطة الاختناق المزدوجة”، حيث لم تعد الهندسة الأمنية لخطوط الأنابيب قادرة على منحها الحصانة، وباتت حركة صادراتها وقدرتها اللوجستية رهينة المدى الميداني للسيادة اليمنية.
​ولعل اللافت في هذا التحول ليس حجم الصواريخ أو المسيرات المذخرة، بل ذلك الأثر الناعم والمباشر الذي أحدثه مجرد الإعلان اليمني قبل إطلاق أي مقذوف.

فالتحذيرات الصريحة عبر “القناة 16” الدولية، وتراجع الناقلات النفطية أدراجها نحو السويس، كشفا عن سلاح اقتصادي خفي لا يقل حسماً: تدمير مفهوم الأمان التأميني.
فحين ترتفع أقساط التأمين البحري وتتقافز أسعار النفط نحو مستويات قياسية، فإن اللغة التي تفهمها الشركات العابرة للقارات تتغير فوراً.
لم يعد السؤال الدولي متعلقاً بمشروعية الموقف اليمني، بل بمدى قدرة السعودية على تحمل الكلفة.

وكبرى شركات الأمن الملاحي والأساطيل الغربية، التي وقفت عاجزة عن تأمين الممرات، باتت تنصح السفن بالابتعاد عن نمط الأهداف المرتبطة بالرياض، وفي هذا التراجع الإجباري إعلان غير موقع بإفلاس المظلة الأمنية الأمريكية، وبأن العواصم التي شنت الحرب باتت تخوض مأزقها المالي والأمني منفردة.

​وفي المقابل، حاولت الرياض، عبر أدواتها الدبلوماسية والسياسية، تسويق هذا الحظر باعتباره تهديداً للملاحة الدولية؛ غير أن الحقيقة التي يتجاهلها الإعلام الخليجي هي أن صنعاء تمارس حقاً مكفولاً بالمعاملة بالمثل.
فكيف يمكن لمن فرض حصاراً خانقاً لأكثر من اثني عشر عاماً، وجوّع شعباً بأكمله، وحرم ملايين المرضى من حقهم المبدئي في السفر والعلاج عبر إغلاق مطار صنعاء، أن يطالب اليوم بحصانة مجانية لشرايينه الاقتصادية؟

لقد كشفت هذه المعادلة السقوط الأخلاقي المدوّي للمنظمات الدولية، التي صمتت لعقد ونيف عن هلاك أمة تُحاصر في أطباقها وأدويتها، لتستنفر فجأة شاحذة لسان القانون الدولي حين مس الضر شحنات النفط وأرباح الشركات.
إنها الازدواجية التي حطمت صنم الشرعية الدولية، وأثبتت أن الحق الذي لا تحميه القوة يتحول في أروقة الأمم المتحدة إلى مجرد حبر على ورق العزاء.

​واليوم، وهي تقف على أرضية صلبة من التفويض الشعبي والانتصار الأخلاقي، لا تطرح صنعاء شروطاً تعجيزية، بل تعيد نصاب العدالة إلى أصله: المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ. أما عن المستقبل الموعود لـ “رؤية 2030″، والمشاريع المليارية الممتدة على شواطئ البحر الأحمر من “نيوم” إلى ميناء جدة، فباتت جميعها ترزح تحت وطأة المعادلة الجديدة.

وقد أدرك العالم – وإن كابر السياسيون – أن مفتاح أمن الملاحة في ينبع والخليج لا يكمن في واشنطن ولا في الترسانات المكتظة، بل في فك الحصار الكامل والناجز عن مطار صنعاء وموانئ الحديدة.
وبين صمود يمني صلب لا يلين، وعجز سعودي متصاعد عن تحمل كلفة الاستنزاف، تتضح الخارطة المأمولة: إما سلم شامل يضمن للجميع حقوقهم، وإما شلل ملاحي متبادل يرتد فيه الحصار أولاً وأخيراً على صانعيه.