معادلة الحصار بالحصار تدخل مرحلة التأثير.. كيف فرضت صنعاء حضورها الفاعل في المنطقة وأسواق الطاقة؟

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
23 يوليو 2026مـ – 9 صفر 1448هـ

تقريــر || منصور البكالي

في الأيام الأولى من تنفيذ معادلة “الحصار بالحصار”، اضطربت أسواق الطاقة العالمية، وبدأت شركات الشحن البحري تأخذ محاذيرها من الإبحار والشحن إلى موانئ العدو السعودي، ومعها أعيُن المتابعين وصانعي القرار ورجال المال والأعمال المتجهة نحو باب المندب والبحرين الأحمر والعربي، والإصغاء لتحذيرات وبيان صانع القرار في العاصمة صنعاء، وبيانات المتحدث الرسمي العميد يحيى سريع، التي أعادت إلى الأذهان مشاهد إغراق سفن كيان العدو الصهيوني والشركات المتعاقدة معه أبان الإسناد اليمني لغزة.

ومنذ 20 مايو، بدأ العالم يضبط ساعته بتوقيت صنعاء، بعد دخول اليمن مرحلة جديدة من المواجهة ضد العدوان والحصار السعودي المستمر منذ 12 عاماً، بفرض معادلة “الحصار المتدرج”، والمقرون بأي تصعيد أو ردة فعل غير محسوبة من قبل الرياض، استناداً إلى الحق المشروع في استرداد الحقوق والدفاع عن السيادة الوطنية، ورفضاً لكل أشكال الوصاية والتبعية وكل مظاهر الاحتلال والحصار والعدوان، ووضع حدًّا لمعاناة أكثر من 40 مليون يمني مهددين بالإبادة قتلاً وجوعاً ومرضاً وحصاراً.

ومع إعلان استهداف السفينتين السعوديتين “ليلى” و”إنسيليا”، تحركت اتصالات بن سلمان بالمجرم ترامب لطلب النجدة مع أنه مشغول بالضفة الأخرى من المنطقة، ووصلت ارتدادات البيان إلى عصب الاقتصاد وأسواق الطاقة الدولية، في تحوّلٍ وُلد من رحم معاناة إنسانية للشعب اليمني وقيادته الحكيمة التي تحول المعاناة إلى فرصة لانتزاع السيادة وكسر طوق الوصاية من باب المندب إلى عمق البحرين الأحمر والعربي، وتؤسس لولادة نظام عالمي جديد، أسلحته الرادعة هي المواقع الجغرافية، وامتلاك روح المبادرة، والقدرة على القرار.

الحظر البحري وتصعيد تدريجي لكسر الحصار

وفي الصدد، أكد وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، السفير عبد الله علي صبري، أن اليمن نجح في فرض معادلة “الحصار بالحصار” ولن يتراجع عن استخدام القوة لاسترداد حقوق الشعب اليمني، مشيراً إلى أن الحظر البحري على النظام السعودي يأتي ضمن تصعيد تدريجي يؤثر على سوق الطاقة وحركة الملاحة، وهو موقف عادل يعكس مظلومية اليمن.

وأوضح في حديثه “للمسيرة” أن هذه المعادلة تهدف إلى إجبار السعودية على رفع الحصار عن موانئ اليمن ومطاراته، مشدّداً على أن حقوق اليمن ثابتة في القوانين الدولية. كما ذكر أن القيادة اليمنية طرحت إمكانية الحوار، لكن النظام السعودي يماطل، ما دفع اليمن لاستخدام القوة، محذّراً من أن أي تصعيد من السعودية سيقابل بتصعيد أكبر من اليمن.

وأشار إلى الإفلاس القيمي للنظام الدولي والعربي، موضحاً أن الأنظمة التي دعمت العدو السعودي بالبيانات المنددة بالخطوة اليمنية، هي نفسها التي شاركت في العدوان على اليمن، واعتبرها شريكة في الجرائم ضد الشعب اليمني. وانتقد ازدواجية المعايير في النظامين الدولي والإقليمي، مشيراً إلى أن قوى المقاومة هي الوحيدة التي دعمت اليمن، خاصة في ظل التخاذل تجاه الجرائم في غزة.

واستشرف صبري إمكانية تشكّيل نظام دولي جديد يقوم على العدالة، وأكّد أن السعودية ستواجه تبعات عدوانها وحيدة، مشدّداً على فشل محاولاتها لتغيير صورتها كطرف معتدٍ من خلال تصعيد الأزمات.

قدرات تعيد صياغة معادلات الردع الميداني

وعلى الصعيد العسكري والميداني، أوضح الخبير العسكري، العميد مجيب شمسان، أنه ليس جديداً على القوات المسلحة اليمنية أن تنفذ عمليات مركبة ومعقدة في تكتيكاتها، على اعتبار أنها خاضت عامين من الإسناد لغزة واجهت خلالهما الأساطيل الضاربة بتكتيكات معقدة ومتجددة أربكت أكبر الأساطيل واعترفت بذلك مراراً وتكراراً، مشيراً إلى أن المفارقة تأتي مع النظام السعودي الذي يريد أن يكابر ويقفز فوق تلك الوقائع والمعادلات، لتكون النتيجة عليه كارثية.

وأكد شمسان في حديث لقناة “المسيرة”، أن الرد اليمني على العدوان والحصار المستمر وتنفيذ معادلة “الحصار بالحصار” يعكس جدية القوات المسلحة اليمنية وقدرة اليمنيين على الذهاب إلى أبعد الخيارات في ظل حالة التعنت السعودية، مضيفاً: “الإصابات الدقيقة سواء من خلال الطائرات المسيرة أو الصواريخ الباليستية أو المجنحة تؤكد امتلاك اليمن للكثير من القدرات والخبرات لردع العدو السعودي براً وبحراً”.

وبيّن العميد شمسان أن العدو السعودي الذي يظن بأنه من خلال تجميع الإدانات أو المواقف الدولية يمكن أن يؤثر على موقف اليمنيين هو واهم، مشدداً على أن إرادة اليمنيين ماضية في انتزاع حقوقها مهما كانت الخيارات والنتائج، وأن النظام السعودي بات الخيار الوحيد أمامه هو تأمين ملاحته في البحر الأحمر وموانئه التي يعتمد عليها بشكل كبير جداً في المواد الغذائية والحاويات والصادرات النفطية، ولن يكون له ذلك ما لم يستجب لصنعاء ولحقوق الشعب اليمني المشروعة.

وأشار إلى أن إعلان القوات المسلحة الحظر البحري أدى إلى انسحاب عشر سفن أو عودتها بعد توجيهات القوات المسلحة، مما يؤكد أن شركات الشحن باتت تدرك تماماً، استناداً للعمليات السابقة، أن اليمن تقول وتفعل، وأن حالة الاستجابة سترتفع بشكل مباشر ومتسارع بعد استهداف سفينتين مخالفتين للحظر اليمني، لتنتقل الأمور إلى مستوى آخر أكثر تصعيداً قد يشمل الملاحة الجوية والمطارات السعودية.

وفي قراءته الاقتصادية والعسكرية للموقف، يلفت العميد شمسان إلى أن الوضع الذي وصل إليه احتياطي النفط العالمي وإغلاق مضيق هرمز وإبقاء منفذ واحد للسعودية وهو ميناء ينبع، يكبد المملكة خسائر فادحة في ظل عجزها المستمر. وأوضح بالأرقام حجم التفاوت، مبيناً أن ما يصل إلى الموانئ السعودية كصادرات وواردات يبلغ 322 مليون طن، في مقابل 14 مليون طن لكل الموانئ اليمنية، ما يعني أن الفجوة كبيرة جداً وحجم الخسارة سيكون قرابة 23 ضعفاً على النظام السعودي، الذي لا يمكنه التعويض في ظل إغلاق الموانئ المطلة على الخليج العربي واعتماده الكبير على ميناء جدة وغيره.

واستذكر شمسان ما حصل عام 2019 في بقيق وخريص ورأس التنورة وغيرها، وكيف عجزت كل المنظومات الدفاعية بحضور الخبراء الأمريكيين والبريطانيين عن التصدي لتلك الصواريخ والطائرات، مؤكداً أن القدرات الصاروخية والمسيرة اليوم وصلت إلى مستويات متقدمة جداً قادرة على نسف المنشآت السعودية بشكل كامل وتدميرها، لافتاً إلى أن صنعاء قدمت الكثير من التنازلات وفتحت باب السلم، لكنها لم تواجه سوى الغطرسة والتعنت، ولن يبقى أمام اليمنيين سوى انتزاع حقوقهم بالقوة براً وبحراً وجواً.

 

نهاية زمن التبعية والوصاية

وفي القراءة السياسية لمعادلة الحصار بالحصار، أكد الكاتب والمحلل السياسي، محمد يعقوب، أن الشعب اليمني لم يلهه شيء عن صموده طوال عشر سنوات من العدوان، مبنياً أن الدفاع عن الأرض هو حق مشروع كفله قرار الأمم المتحدة رقم 51.

وأشار المحلل السياسي يعقوب في حديث لقناة “المسيرة”، إلى أن التاريخ يثبت أن اليمن عُرف دائماً بقتاله ودفاعه عن حقه، مؤكداً أن محور المقاومة بقيادة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- على خطى الشهداء الكبار كالسيد حسن نصرالله، يقف صامداً في وجه كل الطغاة ولن يخضع لأحد.

وانتقد الدور السعودي التخريبي في المنطقة، مبيناً أن الرياض تعود اليوم لتنفيذ رغبات وأوامر مخططات الكيان الصهيوني وتوجيهات المجرم ترامب، الذي أخذ منها تريليونات الدولارات وورطها في حروب جديدة بالمنطقة. وأوضح أن العدوان على اليمن يأتي في هذا السياق المشبوه لتنفيذ أجندات أمريكية صهيونية، محذراً السعودية من مغبة الاستمرار في هذا المسار الخاطئ الذي لم تجنِ منه سوى الخراب والفشل طوال العقد الماضي.

وشدّد يعقوب على أن ما يسمى بـ”الشرق الأوسط” الذي يحلم به مجرمو الحرب ترامب ونتنياهو، لن يتحقق، بفضل وحدة الساحات وتكامل جبهات المقاومة في اليمن ولبنان وإيران والعراق، مؤكداً أن اليمن -الذي أجبر عشر سفن على التراجع واستهدف سفينتين أمس- يثبت دائماً أن إرادة أحراره لا تقهر، ومحذراً من محاولات توريط الدول العربية والإمارات وسلطنة عمان وقطر في حروب نيابة عن الغرب وإسرائيل.

وفي السياق السياسي، أكّد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، عدنان الصبّاح، بدوره، على أن الأنظمة التي تخلت عن دورها وقررت أن تكون مطيعة وخانعة ومنفذة لأجندات الاستعمار لا تمتلك الحق في حرمان الأمة من قيم الحرية والعدالة والاستقلال.

وانتقد الصباح، في حديث لقناة “المسيرة”، بشدة حالة الانقياد الأعمى لسياسات السيد الخارجي، مبيناً أن كل من يواجه دولة الاحتلال ويساند قضايا أمته العادلة يعاقب ظلماً، لا من الاحتلال وحده، بل للأسف من محيطه العربي، في إفلاس قيمي وأخلاقي غير مسبوق يعكس التحول إلى أدوات رخيصة تخدم المشروع الصهيوني علناً وبلا خجل.

وأوضح الصبّاح أن اليمن هو البلد الوحيد على وجه الكرة الأرضية الذي انتصر للقانون الدولي والإنساني حين منع الملاحة عن دولة الاحتلال خلال عدوانها على غزة، متسائلاً باستنكار عن الحق المزعوم للآخرين في منع اليمن من الرد بالمثل وحصار من يحاصرها.

وأكّد أن من حق اليمن السيادي المبدئي والأصيل أن يقرر من يمر بمياهه وأجوائه، وأن يدافع عن أطفاله الذين يستصرخون العالم جوعاً، معتبراً أن معادلة “الحصار بالحصار” التي أعلنتها صنعاء هي رد طبيعي ومشروع تماماً على محاولات تجويع الشعب اليمني وقتله.

واستنكر المحلل السياسي الفلسطيني وقاحة التدخلات الأمريكية والغربية التي تأتي من خلف البحار على بعد اثني عشر ألف كيلومتر لتقاتل اليمنيين وتذبح الفلسطينيين وتفرض الوصاية على المنطقة، متسائلاً عن المعيار الذي يصف أصحاب الأرض بالمتنمرين بينما يشرعن احتلال وغطرسة القادم من ورائه، ومشدداً على أن العبودية لم تعد قدراً محتوماً على هذه الأمة، وأن اليمن بثباته ومقاومته يثبت أن أحرارها ماضون في انتزاع سيادتهم وكسر طغيان الهيمنة الأمريكية والصهيونية مهما كانت التضحيات.

التأثيرات الاقتصادية

وعلى الصعيد الاقتصادي، أكدت وكالة رويترز، اليوم الخميس، ارتفاع خام برنت 6% متجاوزاً 100 دولار للبرميل، جاء عقب استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر من قبل القوات المسلحة اليمنية، ولا يزال اليمن في أول عملياته وفي أيامه الأولى؛ فماذا لو استمرت العمليات البحرية وحرم العالم من 7 مليون برميل يومياً، كان العدو السعودي يقدمها للطاقة عبر البحر الأحمر، قبل فرض اليمن لمعادلة الحصار بالحصار، وماذا لو طال التعنت السعودي، وزادت صنعاء من تصعيدها ليشمل البنية التحتية ومنابع الطاقة والموانئ والمطارات، وتورطت دول أخرى بجانب السعودية، لتدرج اليمن منع ملاحتها في جدول أعمال القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر والعربي؟!

وفي السياق أكد الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي أن قرار القوات المسلحة اليمنية فرض حظر بحري شامل على الملاحة السعودية سيدخل أكثر من أحد عشر ميناءً سعودياً في قائمة الحظر، مما يوجه ضربة قوية للاقتصاد السعودي الذي يصدّر نحو ثلاثة مليار برميل سنوياً من النفط والمشتقات بقيمة تقدر بنحو 300 مليار دولار (بخسائر يومية تقارب مليار دولار).

وأوضح “الجعدبي” أن هذا الحظر سيؤدي إلى تأثيرات كارثية تتجاوز العدو السعودية لتطال الاقتصاد الأمريكي وكيان العدو الإسرائيلي ومنظومة الاقتصاد الأوروبي؛ نظراً لتعطل سلاسل الإمداد ومصافي التصدير والجسور البرية التي كانت تعوض النقص وتدعم العدوان.

وتوقع الخبير الاقتصادي أن تتسبب هذه الإجراءات في ارتفاع قياسي لأسعار النفط عالمياً لتصل إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل، إلى جانب زعزعة استقرار العملة الأمريكية الدولار المرتبطة بمنظومة البترودولار، مما سيفاقم التضخم ويزيد من حجم العجز المالي في الموازنة السعودية التي تعاني أساساً من تفاقم الدين الحكومي وتراجع المشاريع الكبرى.

وتؤكّد المعطيات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتحليلية أن الموقف اليمني الجاد في فرض معادلة “الحصار بالحصار” هو قرار يستند إلى مشروعية الدفاع عن النفس وحق الشعب اليمني الأصيل في استرداد سيادته وكسر سنوات الحصار والتجويع والاحتلال.

وبعد فشل رهانات العدو السعودي على تحالفاته العسكرية والأمنية والدفاعية، وعمالته للكيان الغاصب، وخضوعه الكامل للإدارة الأمريكية، واعتماده على وهم التحالفات البحرية كانت أو البرية والجوية طيلة 12 عاماً أمام اليمن، المصر على مواجهة الغطرسة والتعنت بقوة الردع، يجد النظام السعودي نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستجابة الفورية لمطالب الشعب اليمني العادلة ورفع الحصار الشامل براً وبحراً وجواً، وتنفيذ كامل خارطة الطريق، أو تحمل التداعيات الباهظة التي ستطال أمنه واقتصاده واستقراره.

وهُنــا يجمع المحللون على أن دخول معادلة “الحصار بالحصار” حيز التنفيذ الفعلي يؤكد أن صنعاء باتت رقماً صعباً ومعادلة مركزية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية إقليمية أو دولية قادمة، بينما يقف النظام السعودي أمام خيارات ضيقة ومكلفة بين الاستجابة لصوت العقل ورفع الحصار الشامل أو تحمل تبعات انهيارات اقتصادية وأمنية غير مسبوقة، وأن وحدة ساحات محور المقاومة وصمود أحرار الأمة في مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية والأنظمة الوظيفية في المنطقة، يعيدان رسم خارطة المنطقة، ويثبتان معادلات جديدة من هرمز إلى باب المندب، ما يؤكد أن زمن التبعية والوصاية في اليمن قد ولى دون رجعة منذ فجر 21 سبتمبر 2014م، وأن ثورة الشعوب المتمسكة بقياداتها الربانية ومنهجيتها القرآنية هي المنتصرة في نهاية المطاف، وأن العاقبة للمتقين.