التصعيد الأمريكي يفتح أبواب خسائر استراتيجية على حلفائه ويقود المنطقة إلى معادلات جديدة
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
22 يوليو 2026مـ – 8 صفر 1448هـ
يدفع التصعيد الأمريكي في المنطقة نحو توسيع دائرة الصراع، وإطالة أمد التوتر، وإدخال حلفاء واشنطن في مواجهة مفتوحة مع تداعيات أمنية واقتصادية تتجاوز حدود أي دولة بعينها. فكل خطوة تصعيدية جديدة تعمّق حالة عدم الاستقرار، وتؤكد أن الإدارة الأمريكية ما تزال مصرة على تفجير المنطقة أملاً في استعادة صورة الردع التي حطمتها الجمهورية الإسلامية.
وفي المقابل، تتعامل إيران مع هذه المرحلة باعتبارها معركة دفاع عن سيادتها وقرارها الوطني، وترفض، وفق هذا المنظور، أي تفاوض يجري تحت التهديد أو القصف أو الابتزاز السياسي. كما ترى أن استمرار العدوان سيدفعها إلى تطوير أدوات الردع، وإعادة رسم معادلات الأمن الإقليمي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
وتلتقي هذه المعادلة مع تنامي دور قوى محور الجهاد والمقاومة في أكثر من ساحة، بما يعزز الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها، ويجعل أي محاولة لفرض وقائع بالقوة محفوفة بتداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية واسعة، في ظل بيئة إقليمية لم تعد تستجيب لمعادلات الردع التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير والباحث في الشؤون الإيرانية الدكتور رضا إسكندر أن أي محاولة لتضييق الخناق على إيران ستنعكس على المنطقة بأكملها، موضحاً أن استمرار الضغوط سيقابله تضييق على الكيان الصهيوني وحلفائه، بمن فيهم الولايات المتحدة وبعض الدول الخليجية والدول الأوروبية المتواطئة، ولا سيما مع التنسيق القائم مع أنصار الله في اليمن.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يشير إسكندر إلى أن إيران تقاتل على أرضها وتدافع عن شعبها وسيادتها، ولذلك فهي تمتلك الحق في اتخاذ ما تراه مناسباً للدفاع عن نفسها، في حين أن الولايات المتحدة جاءت من خارج المنطقة لتحقيق مكاسب اقتصادية والتلاعب بأسواق الطاقة، معتبراً أن هذه السياسة لن تنجح هذه المرة في فرض إرادتها.
ويوضح أن إيران لم تنسحب من مسار التفاوض، لكنها تتمسك بمفاوضات تحفظ حقوقها وكرامتها وسيادتها، وترفض أي تفاوض يجري تحت الضغط أو القصف أو وفق الرؤية الغربية، مؤكداً أن طهران لن تقبل بالتنازل عن حقها في التطور العلمي أو المعرفة أو حقوقها المشروعة.
ويضيف أن إيران منفتحة حتى على الدول الخليجية التي تعاديها، لكن على أساس الحوار المباشر بعيداً عن الوصاية الأمريكية، داعياً تلك الدول إلى التفاوض مع طهران بصورة مستقلة، لأن رفع الغطاء الخليجي عن الوجود الأمريكي سيزيل كثيراً من أسباب التوتر ويعيد العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
ويعتبر إسكندر أن الولايات المتحدة تسعى إلى توسيع الأزمة وإعادة فتح الملف النووي من نقطة الصفر، وإقحام دول الخليج في حرب تستنزفها مالياً وسياسياً، بينما يجلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الإجرام الصهيوني بنيامين نتنياهو لمتابعة نتائج الصراع.
ويلفت إلى أن واشنطن استنزفت دول الخليج مالياً وأخلاقياً، منتقداً الخطاب الإعلامي الخليجي الذي تجاهل سقوط آلاف الضحايا في إيران، بينما ركز على تداعيات الإجراءات الإيرانية على بعض مظاهر الحياة اليومية في الخليج، معتبراً أن هناك تفاوتاً واضحاً في النظرة إلى الإنسان والحياة.
ويؤكد أن إيران تتجه إلى تغيير المعادلة ليس عسكرياً فقط، وإنما أيضاً على مستوى الأخلاق السياسية والأمنية، وصولاً إلى إعادة صياغة العلاقة مع المجتمع الدولي ومجلس الأمن على أسس جديدة تقلص الهيمنة الأمريكية على القرار الدولي.
وفي ختام مداخلته، يتطرق الباحث والخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور رضا إسكندر إلى زيارة وزير الداخلية الإيراني إلى باكستان، موضحاً أنها لا تعني بالضرورة استئناف الوساطة بشأن المفاوضات، وإنما ترتبط أولاً بالعلاقات الثنائية والملفات الأمنية المشتركة، خصوصاً مكافحة الإرهاب وشبكات المخدرات، بعد وقوع عمليات إرهابية في المناطق الحدودية، مضيفاً أن الزيارة هدفت أيضاً إلى جس نبض بعض المبادرات المتعلقة بطرح هدنة مؤقتة، مع الإبقاء على جميع الخيارات مفتوحة.
[إيران تتجه إلى تصعيد ردها العسكري للضغط على واشنطن وحلفائها وتغيير موازين القوة
من جانبه، يؤكد الخبير في الشؤون الإقليمية نجاح محمد علي أن أي حرب استنزاف طويلة الأمد لن تكون في مصلحة الطرف الآخر، لأن إيران تقاتل على أرضها وبين شعبها، موضحاً أن العدوان أدى إلى زيادة التلاحم الداخلي، حتى بين من كانت لديهم مواقف ناقدة لبعض السياسات الحكومية، حيث اصطف كثيرون خلف القيادة الإيرانية الحالية.
ويشدّد في مداخلة على قناة المسيرة، على أن إيران ترفض “التطبيع مع حالة العدوان”، مبيناً أن طهران لا تقبل بتحويل الاعتداءات المتكررة والاغتيالات والحصار والضغوط إلى واقع دائم، ولذلك فهي تواصل الرد وترفض الاكتفاء بسياسة الاحتواء.
ويتطرق بدوره إلى أن زيارة وزير الداخلية الإيراني إلى باكستان جاءت في إطار التعاون الأمني الطبيعي بين البلدين، ولا سيما بعد العمليات الإرهابية الأخيرة، لكنها تضمنت أيضاً محاولة لاستطلاع المواقف بشأن بعض الرسائل المتعلقة بمقترحات هدنة مؤقتة، معتبراً أن إيران تتعامل مع الجهد الدبلوماسي باعتباره جزءاً من إدارة المعركة، دون أن تتخلى عن خياراتها الأخرى.
وفي سياق متصل، يؤكد محمد علي أن مضيق هرمز لا يخضع لاتفاقيات دولية تفرض على إيران كيفية إدارة المرور فيه، موضحاً أن طهران تعتبر أن تنظيم المرور الآمن يتم بالتنسيق مع سلطنة عمان، وفق التفاهمات القائمة بين الطرفين.
ويضيف أن إيران لم تعد مستعدة لتكرار التجارب السابقة مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن القيادة الإيرانية ترفض توقيع تفاهمات جديدة يمكن أن تنقضها واشنطن لاحقاً، كما حدث في السابق.
ويلفت إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نقل قبل الحرب وبعدها رسائل مباشرة إلى قادة دول مجلس التعاون الخليجي، محذراً من أن اتساع الحرب سيجعلها حرباً شاملة، وأن استمرار العدوان الأمريكي سيؤدي إلى استهداف القوات والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وينوّه إلى أن إيران، بحسب ما أعلنه المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء، تستعد لتنفيذ عملية نوعية كبرى، لكنها في الوقت نفسه تعمل على استنفاد كل المسارات الدبلوماسية وسحب الذرائع التي قد تستخدمها الولايات المتحدة لتبرير تصعيد جديد.
ويذكّر بأن وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف طرح مجدداً رؤية تقوم على بناء شراكة اقتصادية وأمنية مع دول الخليج، تبدأ بمعاهدة عدم اعتداء، ثم تتطور إلى معاهدة سلام، وصولاً إلى منظومة دفاع إقليمي مشترك، باعتبار أن التنمية والتعاون الاقتصادي هما الطريق الحقيقي لضمان أمن المنطقة.
وفي ختام مداخلته، يؤكد الخبير بالشؤون الإقليمية، نجاح محمد علي، أن استمرار الحصار المفروض على اليمن يمنح إيران فرصة لتوسيع نطاق المواجهة عبر انخراط اليمن بصورة أكبر، محذراً من أن أي إصرار سعودي على مواصلة الحصار سيجعل باب المندب جزءاً رئيسياً من معادلات الصراع الإقليمي المقبلة.
