الحصار بالحصار: اليمن يقلب الطاولة على النظام السعودي

4

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 يوليو 2026مـ – 6 صفر 1448هـ

وفيما العدو السعودي يمعن في حصار الشعب اليمني دون مراعاة لأي قوانين أو ضوابط إنسانية، أعلنت القوات المسلحة عن نقلة نوعية في استراتيجية المواجهة، متجاوزة مرحلة الدفاع والصبر الاستراتيجي إلى مربع الهجوم والمبادرة، عبر إعلان حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي وفق معادلة “الحصار بالحصار”. هذا الإعلان كان تتويجا لمسار طويل من المعاناة الإنسانية والمماطلة السعودية التي استنفدت كل أبواب الحلول السلمية، ليجد اليمن نفسه مضطراً لخوض معركة من نوع جديد، معركة يمتلك فيها أوراق قوة استثنائية اكتسبها من تجربة عامين من الاشتباك المباشر مع أعتى الأساطيل العالمية في البحر الأحمر.

ومنذ ما يقارب اثني عشر عاماً، يفرض النظام السعودي حصاراً شاملاً على الشعب اليمني، براً وبحراً وجواً، في عدوان لا يستند إلى أي مسوغ قانوني أو إنساني في جريمة مركبة تجمع بين نهب الثروات السيادية اليمنية من نفط وغاز، ومنع وصول السلع الأساسية والمواد الغذائية والدوائية، وتضييق الخناق على الموانئ والمطارات اليمنية، بما في ذلك مطار صنعاء الدولي الذي ظل معطلاً لسنوات طويلة، لتتكشف مؤخراً الحقيقة بأن النظام السعودي هو من يقف مباشرة وراء هذا التعطيل، في وقت كان يحاول فيه التنصل من مسؤوليته وتصوير الأزمة اليمنية وكأنها شأن داخلي لا علاقة له به.

لقد وصلت معاناة الشعب اليمني إلى مستوى لا يطاق، حيث أثقل الحصار كاهل المواطن اليمني وأوصله إلى حالة المجاعة، كما أكد ذلك نائب وزير الخارجية عبدالواحد أبوراس بقوله: “ما قام به العدو السعودي من عدوان وحصار على اليمن براً وبحراً وجواً على مدى 12 عاماً تنوء بحمله الجبال الرواسي”، وهذا الحصار الجائر الذي حرّم الشعب اليمني من ثرواته وأوصله إلى حالة المجاعة، لم يعد من الممكن القبول به أو السكوت عليه، بعدما أثبتت التجربة أن النظام السعودي لا يفهم إلا لغة القوة، ولا يستجيب للحق إلا عندما يُفرض عليه فرضاً.

غدر العدوان على مطار صنعاء: القشة التي قصمت ظهر البعير
شكّل العدوان السعودي الأخير على مطار صنعاء الدولي نقطة تحول حاسمة في مسار الصراع، فهو لم يكن مجرد اعتداء عسكري جديد، بل كان فضيحة مدوية كشفت للقاصي والداني حقيقة الموقف السعودي ونواياه المبيتة ضد الشعب اليمني، لقد أثبت هذا العدوان السافر بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام السعودي هو من يقف خلف تعطيل مطار صنعاء طيلة السنوات الماضية، وهو المحرض الرئيس وراء الحصار البحري الذي ضاعف الكلفة المادية لجميع المواد المستوردة وجعل أسعارها باهظة الثمن على المواطن اليمني.

كما وصف فخامة الرئيس مهدي المشاط هذا العدوان بأنه تصرف أهوج ومدان سيدفع العدو السعودي ثمنه، مؤكداً أن بيان النظام السعودي الذي تعاطى مع اليمن “كمحافظة سعودية” مهدداً باستمرار الحصار، كان الإدانة بعينها، لقد انكشف القناع وسقطت كل الأقنعة التي حاول النظام السعودي التخفي وراءها طيلة سنوات، ليظهر على حقيقته كمعتدٍ غاشم يمعن في إذلال الشعب اليمني وتجويعيه، غير آبه بكل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية.

المسيرات المليونية: تفويض شعبي غير مسبوق
لم يكن إعلان القوات المسلحة اليمنية عن معادلة “الحصار بالحصار” قراراً فوقياً أو مغامرة غير محسوبة، بل جاء تتويجاً لحراك شعبي عارم بدا واضحاً في المسيرات المليونية غير المسبوقة التي خرجت في “جمعة التحذير والنفير”، وما سبقها من تجمعات ووقفات قبلية حاشدة أكدت أن الشعب اليمني بكامل أطيافه ومكوناته يقف صفاً واحداً خلف قيادته وقواته المسلحة في مواجهة الحصار السعودي الظالم، لقد قال الشعب اليمني كلمته الفاصلة بأن الفترة الممنوحة للنظام السعودي قد انتهت، وأنه بحماقته واستكباره يتحمل تداعيات أي تصعيد.

هذا التفويض الشعبي العظيم هو الذي منح القوات المسلحة اليمنية الشرعية الكاملة والقوة المعنوية الهائلة للمضي قدماً في تنفيذ هذه المعادلة ، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن كلفة التحرك أقل بكثير من كلفة الانتظار للمجهول، وأن استمرار الحصار لم يعد خياراً مقبولاً تحت أي ظرف من الظروف.

معادلة “الحصار بالحصار”: من التهديد إلى التطبيق العملي
إعلان القوات المسلحة اليمنية حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي، الذي يدخل حيز التنفيذ من لحظة إصدار البيان، ليس تهديداً أجوف أو خطاباً إعلامياً للاستهلاك المحلي كما حاول النظام السعودي تصويره، بل هو نقلة نوعية في تجسيد الإرادة اليمنية على مستوى القيادة والشعب، فاليمن يدخل إلى هذه التجربة محصناً بتجربة كبيرة من حظر الملاحة الصهيونية والاشتباك مع البحرية الأمريكية في عهدي بايدن وترامب، والتي انتهت إلى الاتفاق على الانسحاب الأمريكي دون تحقيق أي من أهدافه المعلنة، وهو ما كان بمثابة اعتراف أمريكي بالعجز عن كسر الإرادة اليمنية في معركة البحار.

إن قدرة القوات المسلحة اليمنية على فرض الحصار في وجود الأساطيل الأمريكية والبريطانية وغيرها، واستهداف 228 سفينة والاشتباك مع حاملات الطائرات في أكثر من 134 عملية اشتباك، يجعل فرض حصار بحري على النظام السعودي الذي لا يملك أي قدرات أو إمكانات لخوض غمار مثل هذه التجربة، مسألة في غاية السهولة من الناحية العملياتية. فاليمن الذي تحدى أعتى القوى البحرية في العالم، لن يعجز عن إطباق الحصار على مملكة تمتد سواحلها على مسافة 2800 كيلومتر من ميناء ضباء في شمال البحر الأحمر إلى رأس تنورة في الخليج العربي، والتي تشكل الملاحة البحرية عمود اقتصادها الفقري.

الكارثة الاقتصادية التي يصنعها النظام السعودي بنفسه
إن إعلان حظر الملاحة البحرية السعودية يمثل ضربة قاصمة لاقتصاد المملكة، فعمود الاقتصاد السعودي قائم على النقل البحري سواء فيما يتعلق بإمدادات الطاقة أو الإمدادات التجارية الأخرى عبر موانئ الحاويات والمشتقات الصناعية. إن الحديث عن استهداف ميناء ينبع النفطي الذي تعبر من خلاله سبعة ملايين برميل نفط يومياً، يعني حرمان السعودية من شريانها الاقتصادي الأهم. وكذلك ميناء جدة، البوابة التجارية الأساسية للسعودية في الحاويات وسلاسل الإمداد، سيصبح ضمن بنك الأهداف اليمنية، ناهيك عن إدراج أسطول شركة “البحري” السعودية المخصصة للنقل البحري وسفنها ضمن قائمة الأهداف المشروعة.

إن النظام السعودي الذي راهن على إطالة أمد الحصار على اليمن إلى ما لا نهاية، يجد نفسه اليوم أمام معادلة عكسية تماماً: فالسفن والموانئ والمنشآت النفطية السعودية أصبحت رهينة للإرادة اليمنية، تماماً كما كان الشعب اليمني رهينة للحصار السعودي طيلة اثني عشر عاماً. إنها لحظة الحقيقة التي تتجسد فيها معادلة “الحصار بالحصار” بكل ما تحمله من دلالات، حيث يدفع النظام السعودي اليوم ثمن حماقته واستكباره وإصراره على التنكر للحقوق اليمنية المشروعة.

السيناريوهات المفتوحة: بين الرضوخ والتهور
أمام هذه المعادلة الجديدة، يجد النظام السعودي نفسه محاصراً بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الرضوخ للمطالب اليمنية المحقة ورفع الحصار بشكل كامل عن المطارات والموانئ اليمنية، وإعادة الحقوق المنهوبة في الثروات النفطية والغازية، ومعالجة الملف الإنساني والمرتبات وإغلاق ملف الأسرى، وإما تحمّل تبعات التصعيد الشامل الذي لن يبقى محصوراً في إطار حظر الملاحة فحسب، بل قد يتسع ليشمل استهدافاً مباشراً للمنشآت الاقتصادية والبنى التحتية الحيوية في عمق المملكة.

إن أي حماقة قد يقدم عليها العدو السعودي الأرعن من خلال التصعيد الشامل، ستُواجه بتصعيد شامل وقاسٍ، تمتلك فيه القوات المسلحة اليمنية قدرات هائلة أثبتتها خلال سنوات المواجهة السابقة. فالصواريخ اليمنية ذات القدرة التدميرية الهائلة، والتي يمكنها أن تنسف المنشآت النفطية السعودية بشكل كامل، تجعل من أي مواجهة مفتوحة مع اليمن مغامرة غير مأمونة العواقب، خاصة في ظل انشغال الحليف الأمريكي باختبار صعب مع إيران يجعله غير قادر على توفير الغطاء الكافي لحماية العمق السعودي.

المتغير الاستراتيجي: اليمن يفرض إيقاعه على الإقليم
يكتسب التحرك اليمني في هذا التوقيت بالذات أهمية استراتيجية استثنائية، فالمنطقة تعيش على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق، مع أضخم حشد عسكري أمريكي وتصاعد للمواجهة المباشرة مع إيران، وفي هذا المناخ المشتعل، يجد النظام السعودي نفسه في مأزق حقيقي بين ضغوط واشنطن التي تريد توظيفه في مخططاتها الإقليمية، وبين حاجته الملحة للاستقرار الداخلي لحماية مشروعه الاقتصادي “رؤية 2030”.

إن معادلة “الحصار بالحصار” اليمنية قادرة على نسف كل ما خططت له السعودية في رؤيتها الاقتصادية، فتهديد الملاحة البحرية السعودية أو تجدد استهداف العمق الاقتصادي للمملكة يعني هروب الاستثمارات الأجنبية وتهديد سلامة خطوط إمداد الطاقة، وهو ما لا يستطيع أي نظام في العالم تحمله. لقد أصبح النظام السعودي أمام امتحان حقيقي: فإما أن يتجاوز المماطلة وينفذ الاستحقاقات الإنسانية، وإما أن يواجه تداعيات كارثية تجعل استمرار الحصار على اليمن كلفة باهظة لا يستطيع المجتمع الدولي نفسه تحملها.

خلاصة المشهد: اليمن ينتصر لإرادته وحقوقه
في المحصلة النهائية، يمكن القول إن اليمن بحسمه هذا القرار التاريخي، يكون قد نقل المعركة من مربع الصبر والتحمل إلى مربع المبادرة والفعل، ممسكاً بزمام الأمور في معركة فرضها عليه العدو السعودي. إن ما يطالب به الشعب اليمني من رفع للحصار على المطارات والموانئ والثروة النفطية والغازية هي حقوق مشروعة تكفلها كل القوانين الدولية، ولا يحق لأحد في هذه الدنيا أن يشرعن حالة الحصار الظالم التي يفرضها نظام آل سعود على الشعب اليمني.

لقد أثبتت الأيام أن النظام السعودي لم تكن لديه أي نية في إحلال السلام، وأن تعامله مع ما ارتكبه من عدوان لثماني سنوات وكأنها مشكلة يمنية داخلية لا علاقة له بها، كان واحدة من أكبر العوائق التي منعت التوصل إلى حل شامل. واليوم، وبعد أن استنفد اليمن كل جهود السلام وكل الفرص الممنوحة للنظام السعودي، لم يعد هناك مجال للمناورات الكلامية والإعلامية، فالرسالة اليمنية واضحة وضوح الشمس: إما إنهاء الحصار سلماً، أو إنهاؤه حرباً.

وكما قال السيد القائد عبدالملك الحوثي حفظه الله إنه “سيفتدي أبناء الشعب اليمني العظيم بنفسه”، مؤكداً أن هذه الأمة التي تمتلك قضية عادلة وإيماناً راسخاً وشعباً مجاهداً، لن ترضخ للظلم والعدوان مهما طال الزمن. إن اليمن الذي خاض معركته العسكرية ضد تحالف العدوان المكون من 17 دولة طيلة 8 سنوات وانتصر، قادر اليوم على كسر الحصار الاقتصادي وانتزاع حقوقه كاملة غير منقوصة، مستعيناً في ذلك بالله ومتوكلاً عليه، فالله حسبه ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.