إيران تلوّح بتعليق التزاماتها في مذكرة تفاهمات السلام ردًّا على التصعيد الأمريكي
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
18 يوليو 2026مـ – 4 صفر 1448هـ
تكشف التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة في منطقة جنوب غرب آسيا عن مرحلةٍ جديدة من الصراع المحتدم بين إيران وأمريكا، تتجاوز حدود العمليات العسكرية الخاطفة لتلامس إعادة تشكيل قواعد الاشتباك والردع، في مؤشرٍ جديد على انهيار مسار التهدئة بين البلدين تحت وطأة التصعيد العسكري الجاري.
وفي قراءةٍ لأحداث الساعات الـ 12 الماضية؛ فإنّ الاستهدافات الأمريكية الأخيرة للبنية التحتية المدنية الإيرانية في محافظة “هرمزكان” تُـعد انعكاس ملموس لانسداد الأفق الاستراتيجي الأمريكي؛ إذ تحولت خطط الحصار وتطويق الحدود الإيرانية إلى مأزق ومصدر تهديد للمعتدين أنفسهم.
ويأتي هذا التصعيد في وقتٍ تبدو فيه إيران أكثر إصرارًا على تحويل نكث واشنطن لالتزاماتها وحقدها التاريخي إلى هزيمة استراتيجية متكاملة، مؤكّدةً أن حماية مضيق هرمز من قبل الحرس الثوري وحرس الحدود لا تقتصر على النطاق الجغرافي، وإنّما تمتد لتكون ذودًا حاسمًا عن السيادة والاستقلال القانوني والكرامة الوطنية، في مواجهة تفكك مشروع الممر الجنوبي الذي عوّلت عليه القوى الصهيونية طويلاً لإضعاف نفوذ إيران الإقليمي، وهو ما أكّد عليه رئيس السلطة القضائية الإيرانية الشيخ “غلام محسن إيجئي”.
وتبرز التصريحات الرسمية الإيرانية، اليوم السبت، لتضع العدوان الأمريكي في سياق الخداع الدبلوماسي؛ حيث استغلت واشنطن فترة المفاوضات الجارية والمذكرات التفاهمية لتنفيذ أعمالها العدوانية، ما يمثل انتهاكًا صارخًا لالتزاماتها الدولية، وفقًا لنائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، “كاظم غريب آبادي”.
وشدّـد “آبادي” على أن الأولوية الحالية لبلاده لم تعد مواصلة المسار التفاوضي، وإنما “الدفاع الحازم عن البلاد والرد على المعتدين”، لافتًا إلى أن واشنطن تلقت ردًّا يثبت أن التحركات العسكرية لن تمكنها من تحقيق أهدافها.
وقال: إنّ على المسؤولين الأمريكيين، “إن كانوا عقلاء”، اختيار مسارات أخرى غير التصعيد، مضيفًا أنّ الخيار المتاح أمام إيران في المرحلة الراهنة يتمثل في مواصلة الدفاع عن أراضيها والرد على الهجمات.
وتؤكّد طهران، عبر قنواتها الدبلوماسية والقانونية، أن هذه الإجراءات العدائية تلقت وسوف تتلقى الرد الحاسم والقاطع، ولن تحقق أيًا من أهدافها السياسية أو العسكرية، بل على العكس تمامًا، ساهمت هذه الهجمات في تمتين الجبهة الداخلية وتعزيز وحدة الشعب الإيراني وإصراره على مواجهة الغطرسة الأمريكية، مظهرة “الجيش الأمريكي الإرهابي” بمظهر من يستعرض قوته الواهية عبر استهداف المنشآت المدنية والأبرياء العزل بعد فضحه وفشله في الميدان العسكري المباشر.
في سياق متصل، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: “سنبقى ملتزمين بعهودنا طالما أوفت الولايات المتحدة بالتزاماتها، بما أن أمريكا نقضت التزاماتها؛ فإنّ إيران لم تعد قادرة هي الأخرى على الوفاء بالتزاماتها، ولا يمكن توقّع الوفاء بالالتزامات من جانب واحد”.
وأشار بقائي إلى أن إيران لم تكن يومًا البادئة بنقض أيّ التزام والولايات المتحدة نقضت الاتفاق عمليًا منذ الأيام الأولى، وأن “مسار الاتفاقيات التي برمتها باتت في حالة تعليق بسبب نقض واشنطن لتعهداتها ومواصلة هجماتها”، مؤكّدًا أن هيكل الحكم الحالي في أمريكا “مشتت ومتشظٍ وتمنعه لوبيات الضغط من الوفاء بتوقيعه”.
وأدان الهجمات على المراكز المدنية والبنى التحتية الحضارية في إيران، وهذه الإجراءات جرائم الحرب ومحاولة للإبادة الجماعية، مشدّدًا على الجهوزية التامة للقوات الدفاعية في البلاد إلى جانب مواصلة مسار الدبلوماسية، وأنّ الشعب الإيراني لا يضمر أيّ عداء للشعب الأمريكي ولكن يجب على الرأي العام العالمي أن يمنع مأسسة الغطرسة في النظام الدولي.
وعلى الصعيد الإنساني والميداني، وجّه سفير إيران ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، “أمير سعيد إيرواني”، رسالة إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، في أعقاب العدوان الأمريكي على إيران واستهداف البنية التحتية المدنية للبلاد واستشهاد مواطنين.
وأكد أن الاعتداءات الجوية الأمريكية الشرسة التي نُفذت بين ليل الـ 16 وفجر الـ 17 من يوليو الجاري، أسفرت عن خسائر بشرية ومادية فادحة في محافظة “هرمزكان”؛ إذ استهدفت الصواريخ الأمريكية أحياءً سكنية ومرافق حيوية أسفرت عن استشهاد 8 مواطنين مدنيين بشكّلٍ مباشر، بينهم 4 نساء و4 رجال من بينهم شقيقان من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وتأتي هذه الحصيلة لتضاف إلى السجل الدامي منذ مطلع شهر يوليو وحتى صباح الـ 17 منه، حيث بلغت الحصيلة الإجمالية للشهداء 43 مواطنًا إيرانيًّا، بينهم 3 نساء وطفل، إضافةً إلى إصابة 400 آخرين بجروح مختلفة، من ضمنهم 22 امرأة و9 أطفال، فيما لا يزال 47 مصابًا في المستشفيات تحت الرعاية المركزة بحالة حرجة للغاية نتيجة خطورة جراحهم.
وأشار “إيرواني” في رسالته إلى أن العدوان لم يتوقف عند حد استهداف الأرواح، بل تعمد تدمير البنية التحتية وشرايين الحياة المدنية والتجارية في الجنوب الإيراني بشكّلٍ ممنهج، حيث طال القصف محطة قطار “بندر عباس” الرئيسة، التي تربط المدينة بميناء “الشهيد رجائي” الاستراتيجي وتعد العصب الحيوي لممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب.
كما تسبب القصف المدمر في انهيار عدد من الجسور الحيوية، من بينها جسر “جريوه”، والجسر الواقع بعد قرية “لاتيدان”، وجسران على طريق “كهورستان-لار”، وجسر قيد الإنشاء على طريق “بندر خمير-كشار-بندر عباس”، وجسر قرية “مارو” في “بندر خمير”.
وتسبب هذا التدمير الممنهج في وقوع كوارث إنسانية مروعة، حيث سقطت مركبة مدنية من أعلى أحد الجسور المدمرة، ما أدى إلى استشهاد 7 مدنيين وإصابة 9 آخرين، في حين شهد حي في بندر عباس استشهاد مدني وإصابة 8 آخرين، بالتوازي مع انفجارات عنيفة هزت محيط قرية “ماسان” في جزيرة “قشم”، وتساقط القذائف على مناطق متفرقة في “بندر لنجة وسيريك”، ما أدى إلى شلل كامل في الأنشطة التجارية وعمليات الإغاثة وإضرار مباشر بسبل عيش السكان المدنيين.
أمام هذا المشهد الإجرامي، نقلت الدبلوماسية الإيرانية المعركة إلى أروقة الأمم المتحدة؛ حيث وجّهت رسالة شديدة اللهجة إلى مجلس الأمن الدولي والأمين العام، تضمنت إدانة رسمية قاطعة لهذا العدوان المتصاعد، ووصفته بأنه انتهاك صارخ للفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السيادة والسلامة الإقليمية للدول.
واعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، “إسماعيل بقائي”، في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، أن الاستهداف المتعمد لشبكات النقل والسكك الحديدية والجسور والمناطق السكنية يشكّل “جريمة حرب” مكتملة الأركان وفقًا للقانون الدولي الإنساني، محملاً أمريكا المسؤولية الدولية القانونية والمالية الكاملة عن الأرواح التي أُزهقت، والدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية، فضلاً عن الأضرار البيئية والتداعيات الناجمة عن هذه الأعمال غير المشروعة.
وتضع الدبلوماسية الإيرانية المجتمع الدولي ومجلس الأمن أمام مسؤولياتهما السياسية والأخلاقية، محذّرةً من أن تقاعس المجلس المستمر واستمرار غياب الإجراءات الرادعة لوقف الجرائم الأمريكية لا يهدد أمن إيران وحسب، بل يمثل تهديدًا مباشرًا ومستعرًا للسلم والأمن الدوليين، وسلامة الملاحة البحرية، والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج ومضيق هرمز الحيوية للعالم أجمع.
وتختم إيران رسالتها الاستراتيجية بالتشديد على أنه في حال استمرار هذا العجز الأممي؛ فإن الجمهورية الإسلامية تحتفظ بحقها الأصيل والمشروع، بموجب القوانين والأعراف الدولية، في اتخاذ كافة التدابير الدفاعية والعسكرية اللازمة لحماية سيادتها، وصون سلامة أراضيها، والدفاع عن شعبها ومصالحها الوطنية العليا في وجه أيّ عدوان.
