مرة أخرى.. صفقة تبادل الأسرى تصطدم بمماطلة العدوان ومرتزقته
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
12 يوليو 2026مـ – 27 محرم 1448هـ
في الوقت الذي كان يُفترض فيه الشروع في تنفيذ واحدة من أكبر صفقات التبادل للأسرى مع تحالف العدوان الأمريكي السعودي، وبينما كانت آلاف الأسر اليمنية تترقب عودة أبنائها من خلف قضبان العدو، يعود هذا الملف الإنساني إلى مربع التعثر إثر عودة العدو ومرتزقته إلى عادة المماطلة والتسويف.
يوم الجمعة أعلنت اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى أن الطرف الآخر تراجع عن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، الأمر الذي أدى إلى تأخير الصفقة التي كان من المقرر الشروع في تنفيذها وفق جدول زمني تم التوافق عليه خلال جولة مفاوضات استمرت أكثر من ثلاثة أشهر.
يعيد هذا التطور إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً مع تحالف العدوان، وهو التعقيد الذي تسبب به وأثبت غير مرة عدم جديته في حلحلة هذا الملف الإنساني الحساس، ليس فقط بسبب العدد الكبير من الأسرى والمعتقلين والمختطفين، وإنما أيضاً بسبب ارتباطه المباشر بمعاناة آلاف العائلات التي لا تزال في حالة انتظار مؤلمة، في وقت تؤكد فيه المواثيق الدولية أن قضايا الأسرى يجب أن تُفصل عن التجاذبات السياسية والعسكرية، وأن تُدار -فقط- وفق قواعد القانون الدولي الإنساني الذي يمنح هذا الملف صفة إنسانية خالصة.
ويأتي إعلان رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى عبدالقادر المرتضى -الجمعة- عن تعثر تنفيذ الصفقة، بعد أسابيع فقط من حالة تفاؤل سادت عقب انتهاء جولة المفاوضات الأخيرة، والتي وصفها المرتضى بأنها كانت من أصعب جولات التفاوض وأكثرها تعقيداً، نتيجة الملفات الشائكة التي طُرحت على طاولة النقاش، ومنها قضية المخفيين قسراً التي ظلت لسنوات تمثل أحد أكثر الجوانب حساسية في هذا الملف.
أكبر صفقة منذ سنوات
استمرت الجولة الأخيرة من المفاوضات، أكثر من ثلاثة أشهر ونصف، وانتهت بالتوصل إلى اتفاق اعتبره كثير من المتابعين خطوة مهمة على طريق معالجة هذا الملف، حينها أعلن عبدالقادر المرتضى -عقب عودته إلى صنعاء- أن الاتفاق شمل الإفراج عن 1200 أسير ومعتقل من الجانب الوطني مقابل 580 أسيراً من الطرف الآخر، في صفقة تعد من أكبر الصفقات.
أهمية الاتفاق لم تقتصر على حجم العدد فحسب، بل امتدت إلى طبيعة الأسماء التي تضمنتها الكشوفات، حيث أوضح المرتضى أن الصفقة شملت أيضاً 400 مختطف مدني، في خطوة تعكس اتساع نطاق المفاوضات لتشمل فئات لم تكن حاضرة بصورة كافية في جولات سابقة، وهو ما منح الاتفاق بعداً إنسانياً أكبر من مجرد تبادل أسرى من جبهات القتال.
كما كشف المرتضى عن نجاح الوفد المفاوض في إدراج أكثر من خمسين شخصاً من المخفيين قسراً منذ نحو عشر سنوات ضمن كشوفات الصفقة بعد أن كان الطرف الآخر ينفي وجودهم، معتبراً أن هذا التطور يمثل أحد أبرز النتائج التي خرجت بها جولة التفاوض الأخيرة، لما يحمله من أثر مباشر على عشرات الأسر التي ظلت سنوات طويلة تجهل مصير ذويها. وأكد المرتضى -آنذاك- أن الاتفاق جاد، وأن اللجنة الوطنية تنظر إليه باعتباره خطوة أولى نحو إنجاز صفقات أكبر، حتى الإفراج عن جميع الأسرى، وهو ما خلق حالة من التفاؤل لدى مئات العائلات.
من التفاؤل إلى التعثر
غير أن هذا المشهد لم يدم طويلاً، إذ أعلنت اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى -الجمعة- أن العملية تعثرت نتيجة عدم التزام الطرف الآخر بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، لتتحول حالة التفاؤل إلى خيبة أمل جديدة بالنسبة لعائلات الأسرى.
وحمّل رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى العميد عبدالقادر المرتضى الطرف الآخر المسؤولية الكاملة عن تأخير تنفيذ الصفقة، مؤكداً أن اللجنة كانت في حالة جاهزية كاملة للمضي في تنفيذ الاتفاق وفق الموعد المحدد والجدول الزمني المتفق عليه، وأنها استكملت جميع الإجراءات المطلوبة دون أي تأخير. وأوضح المرتضى أن اللجنة نفذت جميع الالتزامات الواقعة عليها، وكانت مستعدة للشروع في تنفيذ الصفقة، إلا أن الطرف الآخر لم يلتزم بما تم الاتفاق عليه، الأمر الذي أدى إلى تعطيل عملية التبادل في اللحظات الأخيرة. وأضاف أن أسباب التعثر لم تتوقف عند حدود التأخير، بل شملت أيضاً رفض الطرف الآخر إضافة بقية الأسرى الموجودين لديه إلى الصفقة، وهو ما يُعد مخالفا لما جرى التوافق عليه خلال جولات التفاوض السابقة. وأكد المرتضى أن اللجنة أبلغت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر بجاهزيتها الكاملة لتنفيذ الاتفاق في موعده المحدد لإثبات أن التأخير ليس من جانبها وإنما بسبب عدم استكمال الطرف الآخر للالتزامات التي وافق عليها أثناء المفاوضات، حيث أوضح أن اللجنة نفذت جميع ما عليها، وكانت مستعدة للشروع في تنفيذ الصفقة دون تأخير، إلا أن الطرف الآخر لم يلتزم، ما أدى إلى تعطيل إتمام عملية التبادل. وأضاف أن الطرف المقابل لم يكتفِ بالمماطلة، بل رفض أيضاً إضافة بقية الأسرى الموجودين لديه، الأمر الذي عرقل تنفيذ الاتفاق رغم استكمال الإجراءات من جانب اللجنة.
كما اتهم المرتضى الطرفَ الآخر بمحاولة تجاوز عدد من البنود الأساسية في الاتفاق، معتبراً أن القفز على هذه النقاط أو تجاهلها لا يسمح بإنجاز صفقة متكاملة، لأن تلك البنود تشكل جزءاً أساسياً من التفاهمات التي بُني عليها الاتفاق منذ بدايته. وجدد المرتضى التأكيد على أن اللجنة لا تزال ملتزمة بتنفيذ الصفقة فور التزام الطرف الآخر بجميع النقاط المتفق عليها، محملاً إياه المسؤولية الكاملة عن أي تأخير أو فشل في تنفيذ الاتفاق.
معاناة إنسانية تتجدد
تبقى الأسر اليمنية المتضررَ الأول في هذا التعثر الذي يتكرر باستمرار، في دائرة باتت هي عنوان نوايا الطرف الآخر، إذ يخوض الجانب الوطني معه جولات ماراثونية تستمر أحيانا لأشهر قبل التوصل إلى اتفاق، ثم يتنصل طرف التحالف بقيادة السعودية عن الالتزام، لتدخل الأسر كل مرة في دوامة الأمل والانتظار. فوفق إيقاع سير مفاوضات هذا الملف، تفتح كل جولة تفاوض نافذة جديدة أمام مئات العائلات، قبل أن تعود هذه النافذة إلى الإغلاق مع كل تعثر جديد.
وخلف الأرقام والإحصاءات هناك قصص إنسانية مؤلمة: آباء لم يروا أبناءهم منذ سنوات، وأمهات ينتظرن خبراً يبدد سنوات القلق، وأطفال كبروا دون أن يعرفوا آباءهم إلا من الصور والذكريات. ولهذا السبب تنظر المنظمات الإنسانية إلى ملف الأسرى باعتباره أحد أكثر الملفات إلحاحاً، لأنه يرتبط مباشرة بحق الإنسان في الحرية ولمّ شمل الأسر، بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
ما تكشفه تجربة السنوات الماضية
وعلى الرغم من أن ملف الأسرى ظل طوال سنوات الحرب مرتبطاً بجولات التفاوض السياسية والعسكرية، إلا أن القانون الدولي الإنساني ينظر إليه من زاوية مختلفة تماماً، باعتباره ملفاً إنسانياً خالصاً لا يجوز إخضاعه للمساومات، فاتفاقيات جنيف والقواعد المنظمة للنزاعات المسلحة تؤكد ضرورة احترام حقوق الأسرى والمحتجزين، والعمل على الإفراج عنهم كلما توفرت الفرصة، بما يحفظ كرامتهم ويخفف من معاناة أسرهم.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تأخير في تنفيذ اتفاقات تبادل الأسرى لا يعني مجرد تعطيل لعملية تفاوضية، بل يعني -عملياً- استمرار معاناة آلاف العائلات من أهالي الأسرى. ولذلك دأبت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر على رعاية جولات التفاوض الخاصة بالأسرى، انطلاقاً من أن هذا الملف يمثل أحد أهم إجراءات بناء الثقة. مع ذلك أظهرت التجربة -خلال السنوات الماضية- أن هذا الملف كثيراً ما كان يقترب من لحظة فارقة للمّ شمل الأسرى بأهاليهم، إلا أن ذلك يتعثر قبيل موعد إتمام الصفقة، وهي مسألة تابع المراقبون مسارها وإيقاعها ليقفوا دائما على أن الطرف الآخر هو المتسبب الأول والأخير في هذا التعثر. وفي الإعلان الأخير عن تأخير تنفيذ الصفقة الجديدة، ما يرسخ هذه الحقيقة.
إخضاع الملف لحسابات سياسية
يدفع هذا المستجد في ملف الأسرى إلى تساؤلات عديدة حول الأسباب التي تدفع الطرف الآخر إلى المماطلة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بعد أكثر من ثلاثة أشهر ونصف من المفاوضات. ويرى مراقبون أن الوصول إلى اتفاق بعد هذه المدة من المفاوضات، ثم التراجع عن تنفيذه في اللحظات الأخيرة قبل موعد التنفيذ، يكشف أن الملف لا يزال يخضع لحسابات سياسية تتجاوز طبيعته الإنسانية. ويؤكد المراقبون أن استمرار هذا النهج ستكون له انعكاسات سلبية على مستوى الثقة، لأن تنفيذ صفقات تبادل الأسرى كان يُنظر إليه باعتباره المدخل الأكثر واقعية لبناء هذه الثقة، وتمهيد الطريق أمام الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيداً في العملية السياسية.
كما أن نجاح الاتفاق الأخير كان سيشكل -حسب مراقبين- رسالة إيجابية لآلاف الأسر اليمنية، مفادها أن الملف الإنساني لا يزال يحظى بالأولوية، وأن الاتفاقات الموقعة قابلة للتنفيذ، إلا أن مماطلة الطرف الآخر أعادت الشكوك حول مستقبل بقية التفاهمات، وأعادت الأسر إلى دائرة الانتظار من جديد.
فرضيات الضغوط الخارجية
في السياق أيضا، لا يستبعد بعض المراقبين وجود ضغوط أو تأثيرات خارجية، بما في ذلك تأثير أمريكي غير مباشر على إيقاع بعض الملفات ومنها ملف الأسرى. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن الولايات المتحدة تُعد طرفاً حاضرا في المشهد الإقليمي، وأنها تتابع -بصورة وثيقة- تطوراتِ الملف اليمني، بما في ذلك المسارات السياسية والإنسانية، باعتبار الأمر يقع ضمن مساحة المخطط الأمريكي الصهيوني لتهيئة المنطقة للكيان الإسرائيلي.
في النهاية، فإن استمرار تأخير تنفيذ الاتفاق لا يمثل مجرد إخفاق تفاوضي، بل يعني إطالة معاناة إنسانية كان بالإمكان التخفيف منها لو جرى الالتزام بما تم الاتفاق عليه. كما أنه يضع الطرف المُعرقل دائما أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقتضي تحييد هذا الملف عن الخلافات السياسية، والالتزام بتنفيذ ما يتم التوافق عليه دون تأخير.
ويبقى هذا الملف أحد أكثر الملفات قدرة على بناء الثقة إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لدى الطرف الآخر، فنجاح أي صفقة تبادل لا يقتصر على إعادة الأسرى إلى ذويهم، بل يبعث برسالة بأن القضايا الإنسانية يمكن أن تكون جسراً للتقارب على مسار إنهاء العدوان ورفع الحصار، لا ساحةً للصراع. أما استمرار التعثر فإنه لا يضيف سوى مزيد من الألم لعائلات أنهكتها سنوات العدوان والحصار، ويؤجل أملاً ظلت تنتظره طويلاً، بأن يعود جميع الأسرى إلى منازلهم، وأن يُغلق هذا الملف الإنساني على أساس الالتزام بالاتفاقات واحترام المبادئ التي كفلها القانون الدولي الإنساني، بعيداً عن الحسابات السياسية والمساومات التي لا تزيد المشهد إلا تعقيداً.
