محورية النص القرآني في منهجية الإمام زيد (ع) لمحاصرة الثقافات الباطلة وتفكيك أدوات التضليل
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
12 يوليو 2026مـ – 27 محرم 1448هـ
تقريــر || عباس القاعدي
يواصل أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة صنعاء د. حمود الأهنومي، قراءته التاريخية المعمقة، لمنطلقات ثورة الإمام زيد بن علي -عليهما السلام- التي جسّدت نموذجاً واقعياً لإنصاف المستضعفين والمحرومين، مؤكدًا أن الإمام زيد تحرك بمنهجية قرآنية ترتكز على المساواة بين كل أفراد المجتمع المسلم، باعتباره أمة واحدة لا فرق فيها بين قرشي وعربي.
وسلط د. الأهنومي، الضوء على الجذور الثقافية، والسياسية، والاقتصادية لثورة الإمام زيد، موضحًا كيفية تمكن الإمام زيد من صياغة مشروع تصحيحي شامل واجه به أدوات “التدجين” والتزييف التي اعتمدتها السلطة الأموية، ومرسخاً مركزية النص القرآني كأداة لبناء الوعي، وإنصاف الفئات المستضعفة والمحرومة في المجتمع المسلم، وصولاً إلى تفكيك النظام الطبقي والإقطاعي المالي الذي كرس الاستعباد والاستئثار بالثروات.
نموذجاً واقعياً ومنهجية قرآنية
وفي هذا الصدد، أوضح د. الأهنومي أن الإمام زيد انطلق في الآفاق فتحرك في البصرة والكوفة وذهب إلى الشام، وكان أتباعه وسفراؤه يتحركون في منطقة تمتد مساحتها إلى ثلاثة آلاف كيلومتر من خراسان شرقاً إلى دمشق غرباً، وحصل على البيعة من هذه المناطق كلها في ديوان بيعة أُحيط بسرية تامة؛ استفادةً من التجربة التاريخية التي حدثت في كربلاء.
وأشار إلى أن السلطات الأموية حاولت توريط الإمام زيد في بعض القضايا، وحاولوا سجنه واستيقافه، إلا أنها وجدته قوياً جداً، وكان يتحرك وهم لا يعلمون ليقدم برنامجه العملي ودعوته للناس القائمة على: “أيها الناس أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين -لأن هناك مستضعفين يُظلمون- وإعطاء المحرومين وهم الموالي والمساكين، وقسم هذا الفيء على أهله وهم كل المسلمين، وإقفال المجمّرة”.
وفسّر أستاذ التاريخ الإسلامي قضية “المجمّرة” بأن بني أمية كانوا إذا غضبوا على بلد كالكوفة أو على أناس لأنهم شيعة محبون لأهل البيت، قاموا برَميهم وتجميرهم في البعوث والثغور العسكرية لمدد تتراوح بين سنة وسنتين وثلاث وأربع سنوات بعيداً عن أهاليهم، مع منعهم من العودة تحت طائلة قطع الرأس؛ فجاء برنامج ثورة الإمام زيد ليحل هذه الإشكالية الواقعية بإقفال المجمّرة ليعود المقاتل إلى بيته بعد جهاد أربعة أشهر، ونصرة أهل البيت على من بغى عليهم.
وأضاف الأهنومي أن برنامج الإمام زيد جاء ليلبي حاجة مجتمعية كان ينادي بها المجتمع المسلم، ولم تكن مجرد خيالات أو شعارات مجنحة بعيدة؛ ولهذا السبب التف حوله الموالي، والعرب الذين ليس لديهم امتيازات من بني أمية، والعلماء، حتى سُميت ثورته بـ “ثورة العلماء” لِمَا حظيت به من بيعة كبار العلماء مثل أبي حنيفة، وسلمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وسفيان الثوري، حتى قال المؤرخون إنه ما كان الخارجي بأحرص عليها من العامي.
وأكد أن انخراط الموالي في الثورة يعكس مدى استجابتها لواقعهم وأصالتها كصوت يعبر عن كل الفئات المجتمعية الموجودة؛ حيث رأى المولى فيها نموذجاً للخلاص. وبيّن أنه بعد استشهاد الإمام زيد، جُرّت جثته إلى دار الجرارين -وهم الذين كانوا يجرون الماء ومثّلوا إحدى الفئات المستضعفة- كما كان للمرأة دور كبير جداً في هذه الثورة، مؤكداً أن سر خلود ثورة الإمام زيد إلى اليوم يكمن في كونها ثورة أصيلة قام بها علم من أعلام الهدى ليعبر عن واقع وحاجة المجتمع المسلم.
مسارات مواجهة الثقافات الأموية الباطلة
وأوضح د. الأهنومي، أن الإمام زيد تحرك مبكراً إلى مواجهة الثقافات والأدوات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي حكموا بني أمية من خلالها الأمة، وقام بمعالجتها ومواجهتها من جذورها عبر مسارات فكرية وفقهية وسياسية صارمة، تمثلت في حصار الفكر الدخيل، حيث واجه الإمام الفِرق الموالية للسلطة كـ “المرجئة والمجبرة”، التي خرجت عن الدين، فمنع الصلاة عليهم أو إعطائهم من أموال الزكاة، كخطوة عملية لمحاصرة تمدد الفكر الذي يبرر ظلم الحكام، ومواجهة الوعي الزائف (الكثرة): ورداً على تبرير السلطة لشرعيتها بمنطق “الكثرة العددية” في مقابل قلة أصحاب الحق، ألّف الإمام زيد كتاباً في “مدح القلة وذم الكثرة” مستنداً بالكامل إلى الشواهد والآيات القرآنية.
وفيما يتعلق بالأحاديث التي بدأت تنتشر وتشتهر وتحاول أن تدجن الأمة، تُشرعن الخنوع، أشار الأهنومي إلى أن الإمام زيد أكد على ضرورة عرض هذه الأحاديث على كتاب الله كمعيار وحيد للقبول أو الرفض، مؤكدًا أن حركة الإمام زيد كشفت عن “محورية ومركزية النص القرآني” في كل المسارات؛ بدءاً من صناعة المواقف وبناء الوعي، وصولاً إلى التحرك لمواجهة الثقافات الباطلة، حيث أراد الإمام في برنامجه العملي الثوري إصلاح الأمة من أعلى هرم السلطة آنذاك.
واستعرض السياق الزمني الذي عاصره الإمام زيد عليه السلام منذ ولادته عام 75 هـ، في عهد عبد الملك بن مروان، متعقباً التناقض الحاد في بنية السلطة الأموية، والذي تلاه ابنه الوليد، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر، الذي تولى الأمر في عام (99 – 101 هـ) ثم قتل على يد أسرته عندما سمموه وأرادوا التخلص منه، وصولاً إلى يزيد بن عبد الملك، الذي لخصت وفاته طبيعة اهتمامات السلطة آنذاك، حيث مات حسرة على وفاة مغنيته وجاريته العشيقة، “حَبَابة” إثر غصّة بحبة عنب، فبكى وحزن وما جلس بعدها إلا أياماً ومات.
سياسات التغييرودعم الإمام زيد عليه السلام
وحول السياسات الإصلاحية لعمر بن عبد العزيز، التي حظيت بدعم الإمام زيد، أوضح د. الأهنومي، أن الإمام زيد بن علي عاصر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي كان رجلاً عادلاً ومثّل استثناءً عن بني أمية، وتحرك محاولاً التغيير، مشيراً إلى أنه في ظل تلك الأرضية كان التغيير الذي أحدثه تغييراً مؤقتاً.
وذكر أن الإمام زيد كان يتواصل مع عمر بن عبد العزيز وينصحه ويقدم له النصائح، حتى قال عمر: “والله لقد كان زيد صادقاً في قيله ودينه”، مؤكدًا أن الإمام زيد تعاون مع عمر بن عبد العزيز، حيث كانت قضيته أنه يسعى إلى إيجاد العدل وتغيير تلك السياسات؛ نظراً لأن بني أمية كانوا يأخذون أموال الله بالغصب ويأخذون المظالم.
وأضاف أن البرنامج الذي قام به عمر بن عبد العزيز ارتكز أولاً على إرجاع المظالم، وأنه استعان بغيلان الدمشقي —الذي كان من المعتزلة— لكي يعينه في هذا الجانب، في حين كان الإمام زيد يشير عليه في ذلك.
إسقاط الاستئثار المالي الأموي وإعادة العدالة
وتطرق أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة صنعاء، إلى السياسات الطبقية لبني أمية التي حوّلت البلاد آنذاك إلى إقطاعيات واستعبدت الموالي اقتصادياً، مؤكدًا أن وثورة الإمام زيد علية السلام جاءت لإسقاط الاستئثار المالي وإعادة العدالة التي جسدها الإمام علي عليه السلام.
وأوضح أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان يتعامل مع “الموالي” -وهم سكان العراق وإيران والهند والسند ودمشق والشام الأصليون قبل مجيء سكان الجزيرة العربية، بالإضافة إلى أهل مصر والبربر في المغرب- باعتبارهم مواطنين من الدرجات الثانية والثالثة والرابعة، في حين كان الحزب الأموي والقرشيون والعرب هم مواطنو الدرجة الأولى.
وأشار إلى السياسات المالية الأموية التي حرمت الموالي من الدخول في ديوان العطاء، في حين كان العربي يحصل على العطاء لمجرد كونه عربياً، كما حُرموا من الخدمة في ديوان الجندية (الجهاد).
وأوضح أن قضية الموالي والأراضي كانت معضلة تحدث فيها الإمام زيد بن علي؛ إذ كان السكان الأصليون لا يجدون عملاً، ويُجبرون على العيش في الأرض لتوفير القوت الأساسي لعائلاتهم فقط، بينما يُسلم فائض المال والغلة إلى الأمير الأموي.
واستشهد بنموذج “مسلمة بن عبد الملك” الذي كان يمتلك نهرين بأراضيهما في العراق، و”خالد بن عبد الله القسري” والي العراق الذي كانت غلاته إذا دخلت الأسواق ترخص الأسعار على مستوى العالم الإسلامي، مما يعكس حالة من الإقطاع والاستعباد.
وأضاف أنه عند بناء مدن البصرة والكوفة ومصرت الأمصار في عهد عمر بن الخطاب، ظهرت الحاجة إلى مهن كالجزار والخياط والإسكافي، وهي مهن كانت مسترذلة عند العرب الذين كانوا يرون في الزراعة والمهن عيباً ويدّعون أنهم مقاتلون فقط، لدرجة ظهور مرويات مكذوبة منسوبة للرسول تذم الزراعة.
ونتيجة لذلك، هرب بعض الموالي من القرى إلى المدن بحثاً عن مهن أفضل أو لدراسة العلم، ومنهم ظهر علماء كسيبويه والحسن البصري، وتسبب هذا الهروب في تضرر مزارع الأمويين وإنتاجها، فقام الحجاج بالختم على أعناق الموالي بكتابة اسم المولي والأرض التي يزرعها، لتقوم الشرطة والعسس بردهم إلى القرية إذا وجدوا في المدينة.
واستعرض الأهنومي تاريخ هذه الأراضي منذ فتح العراق والشام والهند والسند، حيث أشار الإمام علي بن أبي طالب على عمر بن الخطاب بعدم تقسيم الأراضي بين الفاتحين وجعلها لبيت مال المسلمين مع إعطاء المجاهدين عطاءً منها، مشيرًا إلى أن تقسيم عمر بن الخطاب للعطاء أوجد تمايزاً طبقياً كبيراً تحول إلى مكاسب مادية، وفسر لاحقاً وصول معاوية لحكم الشام وما حدث في وقعة الجمل.
وعندما تولى عثمان الخلافة، أطلق الحبل على الغارب فازداد أهل الثراء ثراءً، وحُرم المجاهدون الذين فتحوا العراق مثل الأشتر النخعي وغيره، فكانت الثورة على عثمان والفتنة، وحين جاء الإمام علي علية السلام، قال إن “الناس كلهم سواء والموالي يفترض أن ينالوا حصتهم” لأن الإسلام لا يفرق، فاحتج الآخرون بزعم أن عثمان قتل مظلوماً للحفاظ على امتيازاتهم.
ولفت أستاذ التاريخ الإسلامي إلى أنه بعد مجيء معاوية بن أبي سفيان، اعتبر تلك الأراضي حقاً لبيت المال يصرف له وللحزب الأموي، وتحولت إلى دول بين أيديهم؛ حيث امتلك خالد القسري أراضٍ شاسعة، وكان هشام بن عبد الملك يصدر له أمراً برفع غلاته من الأسواق حتى يبيع أمير المؤمنين غلاته أولاً، مؤكداً أن معاوية هو أول من استصفى “الصوافي”، وهي الأراضي الضخمة والممتازة التي كانت تعود لأمراء ونبلاء وكهنة الأكاسرة في العراق وفارس ومصر، واستصفاها لنفسه وللخليفة، وتُقدر قيمتها بمئات الملايين بمقاييس اليوم.
