انقسام أمريكي غير مسبوق حول دعم كيان العدو الإسرائيلي

4

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

12 يوليو 2026مـ – 27 محرم 1448هـ

تقرير || محمد ناصر حتروش

يفرض الجدل المتصاعد داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل الدعم المقدم لكيان العدو الإسرائيلي نفسه على دوائر صنع القرار، مع اتساع رقعة الرفض الشعبي الأمريكي واستمرار الانتقادات الموجهة للسياسات الأمريكية الداعمة للكيان في عدوانها على قطاع غزة.

وفي وقت تتجه فيه واشنطن إلى إعادة صياغة علاقتها مع الاحتلال عبر الانتقال من المساعدات العسكرية المباشرة إلى إطار “الشراكة الاستراتيجية”، تختلف وجهات النظر حول حقيقة هذا التحول، بين من يراه استجابة لضغوط الداخل الأمريكي، ومن يعتبره محاولة للحفاظ على الدعم بصيغة جديدة تتجاوز الضغوط السياسية والإعلامية.

وفي السياق، يتسع الانقسام داخل المؤسسات السياسية والدبلوماسية الأمريكية على خلفية استمرار الدعم العسكري المقدم لكيان الاحتلال، مع تصاعد مطالبات يقودها مشرعون ومسؤولون بوقف الإمدادات العسكرية غير المشروطة، وتجميد صفقات التسليح، بالتزامن مع سلسلة استقالات احتجاجية داخل عدد من المؤسسات الحكومية رفضًا للسياسات الأمريكية تجاه العدوان الصهيوني على غزة.

وتكشف تقارير صادرة عن معاهد أبحاث أمريكية، من بينها “مشروع تكاليف الحرب” بجامعة براون، أن حجم المساعدات العسكرية والتمويلات المباشرة التي تقدمها واشنطن للاحتلال يتجاوز 21.7 مليار دولار خلال طوفان الأقصى، في إطار اتفاقية دعم استراتيجية تضمن تمويلًا سنويًا ثابتًا بقيمة 3.8 مليارات دولار، إلى جانب صفقات تسليح استثنائية تتجاوز 13.4 مليار دولار تشمل قنابل موجهة وقذائف مدفعية وصواريخ ليزرية، الأمر الذي يثير نقاشًا رقابيًا داخل البنتاغون بشأن آليات استخدامها ميدانيًا.

وتشمل صفقات التسليح الأمريكية المعلنة منذ بدء العدوان على غزة حزمًا عسكرية واسعة لكيان الاحتلال، تتضمن ذخائر موجهة وقنابل وأنظمة دعم للعمليات الجوية، ومن أبرزها صفقة بقيمة تقديرية بلغت 6.75 مليارات دولار، شملت قنابل صغيرة القطر (GBU-39)، وقنابل MK-82، وأطقم توجيه دقيقة (JDAM)، إضافة إلى صواعق وملحقات ذخائر.

وتشمل الإمدادات صفقة أخرى بقيمة نحو 2.04 مليار دولار، تضمنت قنابل MK-84 وBLU-117 ورؤوس اختراق ومعدات دعم فني ولوجستي، إلى جانب صفقة أُقرت في ديسمبر 2023 بقيمة 147.5 مليون دولار لتزويد الاحتلال بذخائر مدفعية عيار 155 ملم ومكوناتها.

وتعكس هذه الإخطارات استمرار تدفق الدعم العسكري الأمريكي عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، بما يوفر للاحتلال ذخائر ومعدات قتالية خلال الحرب على غزة.

وعلى المستوى التشريعي، يتصدر السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز تحركات داخل مجلس الشيوخ لوقف صفقات السلاح، مشددًا على أن الولايات المتحدة متواطئة بشكل مباشر في كارثة إنسانية، مقدمًا مشاريع قرارات تستهدف حظر تزويد الاحتلال بالقنابل الموجهة، انطلاقًا من رفض توظيف أموال دافعي الضرائب في تمويل حروب تنتهك القانون الدولي.

وفي الاتجاه ذاته، يدعو النائب رو خانا إلى مراجعة شاملة للعلاقات العسكرية والتشريعية مع الاحتلال، مطالبًا بإلغاء القوانين التي تدمج الجيش الأمريكي مع الجيش الصهيوني، انطلاقًا من قناعته بأن استمرار الدعم غير المشروط يستنزف الموارد الأمريكية ويضر بالمصالح الاستراتيجية والأمن القومي للولايات المتحدة.

بدوره، يرفض النائب الأمريكي خواكين كاسترو إقرار أي شحنات أسلحة جديدة، ويتمسك بأولوية فرض وقف دائم لإطلاق النار، كما يطعن في مصداقية آليات الرقابة الحكومية، مؤكدًا أن الإدارة تتعمد تجاهل التحقق من مدى التزام الاحتلال بالقانون الدولي الإنساني عند استخدام الأسلحة الأمريكية.

وينضم السياسي الديمقراطي رام إيمانويل إلى الأصوات المطالبة بإنهاء سياسة الشيك المفتوح، محذرًا من أن استمرار النهج الحالي يدفع الاحتلال نحو مزيد من العزلة الدولية، ومطالبًا بتجميد الدعم المالي والعسكري السنوي واستخدامه كورقة ضغط سياسية.

وبالتوازي مع هذا الحراك، تتوالى الاستقالات داخل مؤسسات الدولة الأمريكية، إذ غادر مدير مكتب الشؤون السياسية والعسكرية بوزارة الخارجية، جوش بول، منصبه احتجاجًا على الدعم الأمريكي “الأعمى والمدمر” للاحتلال، معتبرًا أن استمرار توفير الغطاء العسكري دون قيود يمثل فشلًا استراتيجيًا وأخلاقيًا يضر بالمصالح الأمريكية.

واختارت ستاسي جيلبرت مغادرة منصبها في مكتب السكان واللاجئين والهجرة، متهمة الإدارة بتعديل التقارير الإنسانية سياسيًا والتغاضي عن الأدلة المتعلقة بعرقلة الاحتلال وصول المساعدات الإنسانية.

ولم تخرج استقالة هالة غريط، المتحدثة الإقليمية باللغة العربية باسم وزارة الخارجية الأمريكية، عن السياق ذاته، إذ ترى أن السياسة الأمريكية الراهنة تقوض مصداقية واشنطن في المنطقة، وتجعل الدفاع عن مواقفها أمرًا يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان.

من جانبها، أعلنت أنيلي شلاين استقالتها من مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان، انطلاقًا من رفضها منح الكيان الصهيوني شرعية سياسية لما يقوم به من مجازر مروعة في غزة، متهمة الإدارة بممارسة “التعامي السياسي” تجاه القوانين الأمريكية التي تحظر تزويد الجهات المنتهكة لحقوق الإنسان بالسلاح، بينما يلتحق بها طارق هباش، مساعد وزير التعليم، مؤكدًا أن التغاضي عن الكارثة الإنسانية يمثل تواطؤًا مباشرًا لا يمكن تبريره.

ومع اتساع دائرة الاعتراضات داخل مؤسسات الدولة الأمريكية، يحاول البيت الأبيض احتواء الجدل عبر التأكيد على أن تعدد الآراء داخل الأجهزة الفيدرالية يعكس حيوية الديمقراطية الأمريكية، في وقت يتمسك فيه بموقفه القائم على اعتبار أمن الاحتلال الإسرائيلي أولوية ثابتة في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية. ودعت الإدارة الموظفين الذين يرفضون سياساتها إلى التعبير عن اعتراضاتهم عبر المسارات الرسمية بدلًا من الاستقالات العلنية.

وتكشف التطورات الأخيرة أن ملف المساعدات العسكرية المقدمة للاحتلال بات يتجاوز كونه قرارًا خارجيًا، ليصبح موضع انقسام داخلي واسع داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، حيث تتزايد التساؤلات حول التداعيات السياسية والأخلاقية لاستمرار هذا الدعم، وانعكاساته على الولايات المتحدة داخليًا ودوليًا.

وحول هذا الشأن، يرى الكاتب والباحث السياسي حمزة البشتاوي أن توجه الإدارة الأمريكية نحو استبدال المساعدات العسكرية المباشرة لكيان الاحتلال بصيغة “الشراكة الاستراتيجية” لا يعدو كونه محاولة لإعادة تسويق الدعم الأمريكي أمام الرأي العام، معتبرًا أن هذه الصيغة تتناقض مع شعار “أمريكا أولًا” الذي رفعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت ما تزال فيه واشنطن تنظر إلى الاحتلال باعتباره أداة لحماية مصالحها في المنطقة.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يربط البشتاوي هذا التحول بالفشل الاستراتيجي الذي يواجهه الاحتلال رغم حجم الدعم العسكري والسياسي الأمريكي، مشيرًا إلى أن الحرب على غزة وما رافقها من مجازر تسهم في إحداث تغيرات متسارعة داخل الرأي العام الأمريكي، كما أن الإخفاقات العسكرية للاحتلال تؤدي إلى تراجع صورته داخل الولايات المتحدة.

ويتوقع أن تشهد العلاقة الأمريكية مع الاحتلال تغيرات خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إلا أنه يعتبر أن تغيير مسمى الدعم لا يعني تغيير مضمونه، واصفًا الاحتلال بأنه أداة متقدمة لتنفيذ المصالح الأمريكية في المنطقة، فيما تظل العلاقة بين الطرفين تُدار بدرجة كبيرة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية الأمريكية.

ويتحدث البشتاوي عن وجود جانب معلن وآخر غير معلن يحكمان طبيعة العلاقة بين واشنطن والاحتلال، لافتًا إلى أن جانبًا واسعًا من الدعم العسكري والاستخباراتي يجري بعيدًا عن اطلاع الرأي العام الأمريكي، في حين يبقى استمرار الاحتلال مرهونًا باستمرار هذا الدعم بمختلف أشكاله.

ويُرجع تنامي الرفض الشعبي داخل الولايات المتحدة إلى الدور الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في نقل صور الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، معتبرًا أن الإدارة الأمريكية تخفي الحجم الحقيقي لدعمها للاحتلال خشية تصاعد الاعتراض داخل الكونغرس والرأي العام الأمريكي.

من جانبه، يرى خبير شؤون العدو الإسرائيلي عادل شديد أن الانتقال من المساعدات العسكرية الأمريكية إلى صيغة “الشراكة” يعكس إدراكًا داخل دوائر القرار في واشنطن بإمكانية تغير طبيعة العلاقة مع كيان الاحتلال، معتبرًا أن الدعم الأمريكي خلال العقود الماضية يجري بعيدًا عن رقابة المؤسسات والرأي العام الأمريكي.

ويربط شديد هذا التحول بالتغيرات التي تُحدثها الحرب على غزة في المزاج الأمريكي تجاه الاحتلال، ويعدّ تراجع الإجماع التقليدي داخل الولايات المتحدة بشأن دعم “إسرائيل” أحد أبرز الدوافع التي تقف وراء إعادة صياغة العلاقة بين الجانبين.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يقول شديد: “هناك خلافات داخل المجتمع الصهيوني بشأن إدارة رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو للعلاقة مع واشنطن، بالتزامن مع اتساع الانقسام بين يهود الولايات المتحدة حول استمرار الدعم للاحتلال، فضلًا عن ظهور مؤسسات يهودية جديدة تناهض جماعات الضغط التقليدية المؤيدة لفلسطين المحتلة”.

وينتهي إلى أن استبدال المساعدات العسكرية بصيغة “الشراكة” يمثل محاولة للالتفاف على الرأي العام الأمريكي، معتبرًا أن هذا المسار يكشف تناقض الخطاب الأمريكي الذي يرفع شعارات الديمقراطية والشفافية.

وفي السياق ذاته، يرى أن انتقاد الاحتلال داخل الولايات المتحدة لم يعد من المحظورات كما كان في السابق، ويرجّح أن يسهم تنامي الوعي الشعبي الأمريكي في عرقلة تمرير الصيغة الجديدة للدعم، ليخلص إلى أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تتجه نحو منعطف تاريخي خلال المرحلة المقبلة.