ترامب يعيد خلط الأوراق وإيران ترفع سقف الردع

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
11 يوليو 2026مـ – 26 محرم 1448هـ

تقرير|| وديع العبسي

لا يتوقع أحد من الكيان الأمريكي أن يكون في مستوى الدول الطبيعية الملتزمة بالقوانين والمحترِمة لتعهداتها والتزاماتها؛ لذلك تأتي صبيانية ترامب الأخيرة معبّرة عن هذه المنهجية في إدارة الدبلوماسية والعلاقات الخارجية. ويواصل ترامب -بسلوكه- استحضار صورة النصر الذي تمناه ولم يبلغه، أو على الأقل الخروج من مغامرة العدوان على الجمهورية الإسلامية من دون خسائر.

ولما كانت مظاهر الإخفاق تحاصره من كل اتجاه، وكان مضيق هرمز أبرز شاهد على التراجع الأمريكي، ودليلاً إضافياً على أن بلاده بدأت فعلياً -منذ أكثر من عقد- مسار الانحسار، كان من الطبيعي أن يفاجئ العالم بتغريدات وتصريحات حادة تعيد أجواء التهدئة الهشة إلى نقطة العنف، ويدرك هو قبل غيره أنها ليست سوى تجديف عكس التيار.

عُقدة ترميم الهيبة
لا يزال يتنامى داخل دوائر صنع القرار الأمريكية شعور بأن بنود مذكرة التفاهم والمسار الدبلوماسي أظهرا الولايات المتحدة في موقف “أضعف” وأقل قدرة على فرض شروطها وإملاء إرادتها بوصفها قوة عظمى مهيمنة. ويهيمن هذا التصور على توجهات صقور البيت الأبيض، مدفوعاً بنوايا شر ورغبة جامحة في إعادة ترتيب المشهد بما يضمن لواشنطن حدوداً مقبولة لحفظ ماء الوجه أمام من لا يزالون يعتقدون بقدرتها المطلقة على توجيه مسارات الأحداث وضبط إيقاعها.

ويرى تيار واسع ومؤثر في إدارة ترامب أن الاتفاقات والتفاهمات السابقة كبّلت أدوات القوة الأمريكية الخشنة، بما مسّ -بصورة مباشرة- هيبة واشنطن الدولية؛ ولذلك جاء تعطيل ترامب لمذكرة التفاهم بوصفه محاولة لاستعادة الردع وترميم تلك الهيبة، مدفوعاً بالعقلية البراغماتية التي تندرج ضمن النهج الأمريكي التقليدي، والذي لا يتردد في التراجع عن الالتزامات الدولية والإخلال بالاتفاقات والمعاهدات عند تغير الإدارات أو تبدل المصالح، تأكيداً لسياسة “أمريكا أولاً” التي تسعى إلى ضمان التفوق المطلق للسياسة الأمريكية، بغض النظر عن الاستمرارية القانونية للمواثيق.

في المقابل، يرى الناقدون والمحللون الدوليون أن هذا الاندفاع لاستعراض القوة ونقض العهود، استناداً إلى حسابات الهيبة والمزاج السياسي الداخلي، يعمق أزمة الثقة العالمية في الضمانات الأمريكية، ويقوض المظلة القانونية التي يُعوَّل عليها -افتراضا- ضبط النزاع، دافعاً بالمنطقة بأكملها نحو مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة، بلا أطر سياسية لاحتواء الأزمة، وتتمرد فيها أمريكا على قواعد الاشتباك.

كبيرهم الذي علمهم أصول القتل و”السرقة”
تحدث الإيرانيون وشددوا غير مرة، وبقوة وثبات، وساندهم في ذلك محور المقاومة، على أن اليوم لم يعد كالأمس، وأن مضيق هرمز لن يكون إلا وفق رؤية الجمهورية الإسلامية وبما يخدم مصالح دول المنطقة، وأنه لا شأن للأمريكي أو الصهيوني في تفاصيل حركته. وقد أثار هذا الموقف حفيظة الغطرسة الأمريكية التي رأت فيه خروجاً عن بيت الطاعة.

ولا يستبعد صقور البيت الأبيض -بسبب ذلك- خوض عدوان ثانٍ أو ثالث سعياً إلى استعادة كرامة مهدورة على شواطئ هرمز؛ فالعصابة التي قامت على القتل والبطش ونهب حقوق الآخرين لأكثر من قرنين، وجعلت من ذلك منهجاً لفرض الهيمنة على العالم، تبدو اليوم حلقة أضعف بين تجمعات الخارجين عن القانون، وهو ما يأباه الأمريكي على نفسه بعدما اعتاد أن يقدم نفسه بوصفه الزعيم، وكبيرهم الذي علمهم أصول الشر، وقتل المشاعر الإنسانية، وأعلى صوت “السرقة” على حساب حقوق الشعوب وأمنها.

في مواجهة التهور الأمريكي
تهديدات ترامب بالعودة إلى الحرب ليست جديدة، كذلك الموقف الإيراني؛ إلا أن الجديد يتمثل في قرار الجمهورية الإسلامية التحرك بصورة مضاعفة -هذه المرة- لتأديب المتغطرس الأمريكي إذا كرر عدوانه، ولردعه عن مواصلة إثارة الصراعات وتهديد أمن شعوب المنطقة.

وفي السياق، يحاصر الوعيد الإيراني مستقبل القواعد الأمريكية في منطقة الخليج على نحو يرى مراقبون أنه قد يفرض تداعيات استراتيجية بعيدة المدى، لا تقتصر آثارها الميدانية والاقتصادية على أطراف النزاع المباشرين، بل تمتد لتصوغ واقعاً جيوسياسياً جديداً يحمل كلفاً باهظة على الولايات المتحدة واستقرار المنظومة العالمية بأسرها.

وفي مواجهة هذا التهور الترامبي، وما يصدر عنه من تصريحات لا تنم عن سلوك دولة مسؤولة وحضارية، يجيء الرد الإيراني الرسمي والشعبي حاسماً ومحاطاً بلغة أكثر صرامة، إذ أعلنت القيادة السياسية والعسكرية في طهران أن إيران لن تسمح -بأي شكل من الأشكال- بانتهاك سيادتها الوطنية أو المساس بحدودها، مؤكدة جاهزيتها الكاملة للدفاع عن شعبها ومقدراتها في مواجهة “البلطجة والتهديدات الأمريكية”. ولا ينطلق الموقف الإيراني من اعتبارات الكرامة الوطنية فحسب، لكنه يعكس -أيضاً- قناعة بأن التراجع أمام واشنطن في هذه المرحلة سيمنح ترامب ضوءاً أخضر لفرض شروط استسلام كاملة. ومن هنا، فإن الإصرار على حماية السيادة والدفاع عن الشعب يمثل موقفاً مبدئياً ورسالة حاسمة إلى الداخل والخارج بأن أي مغامرة عسكرية أمريكية ستواجه بردود قاسية ومباشرة تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، وتحوِّل أي اعتداء على الأراضي الإيرانية إلى كلفة باهظة لا تستطيع الإدارة الأمريكية ولا حلفاؤها في المنطقة تحملها، بما يرفع منسوب التحدي والصلابة من جهة طهران في مواجهة الضغوط القصوى.

الورقة غير القابلة للمساومة
في ضوء المستجدات والتطورات الميدانية المتلاحقة المرتبطة بأمن مضيق هرمز وممرات الملاحة الدولية الحيوية في الخليج، تتشكل على أرض الواقع معادلة معقدة بين الرغبة الأمريكية الجامحة في الخروج من “موقع الضعف”، والإصرار الإيراني على حماية السيادة. ويأخذ المضيق مكانته كورقة استراتيجية رابحة وغير قابلة للمساومة، باعتباره رمزاً سيادياً للجمهورية الإسلامية. وهو ما سبق أن ترجمته طهران عبر إغلاق المضيق، وتصعيد عملياتها البحرية، واستهداف السفن التجارية وناقلات النفط المخالفة لقراراتها، في إطار حماية أمنها وفرض معادلة جديدة مفادها أن حرمان إيران من أمنها وسيادتها يعني -بالضرورة- غياب الأمن عن الجميع في هذا الشريان الاقتصادي الحيوي.

تبعات السلوك الأمريكي
على المستوى السياسي والدبلوماسي، أحدث هذا التحول وما رافقه من خرق للتفاهمات انقساماً وشرخاً عميقين في المواقف الدولية؛ إذ عبّر الحلفاء الأوروبيون، ولا سيما فرنسا وألمانيا وبريطانيا، عن قلق بالغ من انهيار القنوات الدبلوماسية نتيجة ما وصفوه بالتملص الأمريكي من التعهدات، مطالبين بتهدئة فورية تحول دون انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مدمرة.

في المقابل، أدانت بكين وموسكو الضربات العسكرية الأمريكية التي أعقبت إعلان ترامب إنهاء العمل بمذكرة التفاهم، ووصفتاها بأنها انتهاك صارخ للسيادة الوطنية الإيرانية، مؤكّدتين حق طهران في حماية حدودها، ومحذرتين في الوقت نفسه من تبعات هذا السلوك الأحادي لواشنطن على الاستقرار الدولي، في ظل حرصهما على حماية مصالحهما الجيوسياسية والاقتصادية الواسعة في الشرق الأوسط.

أما على الصعيد الإقليمي، فتتصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة وتحول المنطقة بأسرها إلى ساحة للردود المتبادلة، ولا سيما مع التهديدات الإيرانية الجدية باستهداف أي مصدر يهدد أمنها أو تنطلق منه هجمات على أراضيها وشعبها.

مبدأ “الدفاع الموزع والعميق”
وفي هذا السياق، ركزت طهران بصورة مكثفة على تعزيز قدراتها الدفاعية البرية والجوية لحماية العمق الإيراني، حيث جرى استنفار منظومات الدفاع الجوي وتفعيل شبكات الإنذار المبكر لحماية المنشآت الحيوية والنفطية والنووية من أي موجات قصف أمريكية محتملة. وتعتمد العقيدة الدفاعية الإيرانية على ما يُعرف بمبدأ “الدفاع الموزع والعميق”. فبينما يجري حفر وتشييد مخازن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة داخل مدن محصنة تحت الأرض تُعرف بـ”مدن الصواريخ”، يتم توزيع مراكز القيادة والسيطرة بما يحول دون شلها بضربات استباقية خاطفة، وهو ما يعزز قدرة الجبهة الداخلية على الصمود وامتصاص الهجمات الجوية الأمريكية المركزة، وتحويل الرد إلى عملية مستمرة لا تتأثر بتدمير المنشآت السطحية.

ويمنح هذا التحصين الداخلي القيادة الإيرانية ثقة سياسية أكبر في مواصلة خطاب التحدي، كما يعزز لدى الشارع الإيراني القناعة بأن المواجهة مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي هي معركة دفاع عن السيادة والوجود في مواجهة عدوان خارجي، بما يسهم في رص الصف الداخلي والتخفيف من وطأة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن التصعيد.