هُرمز في قلب المواجهة وطهران ترسخ معادلات الردع دبلوماسيًّا تحت مظلة تفاهم إسلام آباد

5

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
11 يوليو 2026مـ – 26 محرم 1448هـ

تتجه المنطقة نحو مرحلةٍ جديدة من كسر العظم السياسي والعسكري، حيث لم تعد الهدنة القائمة بين طهران وواشنطن سوى قشرة رقيقة لترتيب أوراق القوة والاستعداد للجولات القادمة؛ حيث تكشف المعطيات الميدانية والدبلوماسية الأخيرة أن مذكرة تفاهم إسلام آباد، التي صيغت لإنهاء الحرب، باتت اليوم على المحك بفعل الخروقات الأمريكية والصهيونية المتكررة.

وفي قراءةٍ للمشهد، يبدو واضحًا أن السياسة الإيرانية انتقلت من مرحلة استيعاب الضغوط إلى مرحلة الهجوم المضاد عبر الربط المحكم بين أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز وبين التزام واشنطن بتعهداتها، ما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة، إمّا التزام متبادل شامل أو انفجار كامل لمعادلات الاستقرار الإقليمي.

المسار الإيراني اليوم السبت، يعكس إدراكًا عميقًا لدى صناع القرار في طهران بأن أيّة تهدئة مؤقتة مع الجانب الأمريكي لا تعني سوى منح العدو فرصة لاستكمال حصاره الاقتصادي وتجهيز ضربات تستهدف البنية العسكرية والبرنامج النووي، وهو ما يفسر الاستنفار الدبلوماسي والعسكري الإيراني الراهن لفرض معادلة ردع جديدة تمنع الخصوم من فرض شروطهم بالقوة.

وفي هذا السياق، جاءت المواقف الصارمة لسفير إيران ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، “أمير سعيد إيرواني”، لتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والسياسية؛ إذ أكد إيرواني أن أمريكا وكيان العدو الصهيوني يتحملان المسؤولية الكاملة عن عواقب إجراءاتهما غير القانونية ضد إيران، مشدّدًا على وجوب محاسبتهما دوليًّا.

وأوضح المندوب الإيراني أن الانسحاب الأمريكي الأحاديث من الاتفاق النووي عام 2018م، وما تلاه من تقاعس مخيب للدول الأوروبية، وصولاً إلى العدوان الأمريكي والصهيوني المتواصل، يشكّل السبب الجذري والأساسي للأزمة الحالية التي تعصف بالمنطقة، معتبرًا أن أيّ عدوان استهدف أو يستهدف المنشآت النووية الإيرانية يمثل انتهاكًا صارخًا ومباشرًا لميثاق الأمم المتحدة، وخطوة خطيرة أسهمت في إضعاف وتخريب نظام عدم الانتشار النووي العالمي.

ولم تقتصر التحذيرات الإيرانية على الجانب السياسي، وإنّما امتدت لتشمل الورقة الاستراتيجية الأقوى في المنطقة، وهي الملاحة البحرية؛ فقد أعلن السفير إيرواني أن مسؤولية تأمين وحماية الملاحة في مضيق هرمز، بما في ذلك إجراءات إعادة فتحه وإزالة الألغام، تقع حصرًا وبشكل سيادي على عاتق الجمهورية الإسلامية الإيرانية بموجب ما نصت عليه مذكرة تفاهم إسلام آباد.

ووصف أيّ تدخل خارجي، من أيّ طرف كان، في ترتيبات الملاحة داخل المضيق بأنه انتهاك سافر لهذه المذكرة، ورغم تأكيده على التزام إيران بتنفيذ بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد، إلا أنه ربط ذلك شرطيًّا وبشكّلٍ حاسم باستمرار التزام واشنطن بتنفيذ تعهداتها، محذّرًا من أنه إذا واصلت واشنطن انتهاك التزاماتها؛ فإن طهران لن تعتبر نفسها ملزمة بتنفيذ أيّ من التزاماتها المقابلة بموجب المذكرة.

هذا الموقف الدبلوماسي الصارم حظي بدعم وتأكيد مباشر من وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الذي أعلن بوضوح أن إيران أوفت بجميع وعودها وتعهداتها، على العكس تمامًا مما يدعيه وزير الخزانة الأمريكي، الذي يواصل انتهاك الفقرة التاسعة من مذكرة التفاهم، لافتًا إلى أن هذه الانتهاكات المستمرة من قبل وزير الخزانة الأمريكي تأتي في سياق سلسلة طويلة من الانتهاكات والهفوات السياسية والقانونية التي دأبت الولايات المتحدة على ارتكابها.

وفي خطوةٍ تعكس حجم الاستياء الإيراني ووصول الصبر الدبلوماسي إلى حافته، نقل التلفزيون الإيراني الرسمي موقفًا حاسمًا يؤكد أن إيران غير مستعدة على الإطلاق لمواصلة أيّ شكّلٍ من أشكال المفاوضات في ظل عدم التزام الولايات المتحدة المستمر بتفاهم إسلام آباد.

وعلى الصعيد الميداني، واكبت المؤسسة العسكرية الإيرانية هذا الحراك الدبلوماسي برفع درجة الجاهزية إلى حدها الأقصى، حيث أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن القوات المسلحة في كل مكان ترصد بيقظة تامة تحركات العدو، وتعمل بلا كلل للحفاظ على أمن واستقرار البلاد.

وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان متزامن أن القوات المسلحة ترصد كافة التحركات المعادية بعيون يقظة وحذرة على طول سواحل البلاد وجزرها وحدودها البرية والبحرية، بالإضافة إلى مواقعها الحساسة والمنشآت الاستراتيجية الأخرى، في إشارةٍ واضحة إلى جاهزية طهران للرد الفوري على أيّة مغامرة عسكرية.

وفي إطار الحراك الدبلوماسي المكثف لإدارة هذه الأزمة، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اليوم السبت، إلى العاصمة العُمانية مسقط، على رأس وفد دبلوماسي رفيع المستوى، وتهدف الزيارة إلى إجراء مباحثات معمقة مع المسؤولين العُمانيين تتناول بشكّلٍ رئيسي ترتيبات إدارة مضيق هرمز، إلى جانب استعراض التطورات الإقليمية المتسارعة والعلاقات الثنائية بين البلدين، وقد حظي الوزير الإيراني والوفد المرافق له باستقبال رسمي من قبل المسؤولين العمانيين فور وصولهم.

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قد كشف مساء الجمعة، عن تفاصيل وأبعاد هذه الزيارة، موضحًا أنها تأتي استكمالاً للمشاورات المكثفة التي بدأتها طهران مع مسقط خلال الشهرين الماضيين بشأن قضية مضيق هرمز الحيوية.

وأشار بقائي إلى أن قضية المضيق كانت من القضايا الرئيسية والجوهرية التي نصت عليها مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب، مؤكّدًا أن إيران قبلت مسؤوليتها بوضوح كامل عن وضع ترتيبات طبيعية للملاحة، فضلاً عن تقديم الخدمات البحرية المتعلقة بحركة السفن بالتنسيق مع سلطنة عُمان، وأنها كانت ولا تزال حازمة وثابتة في هذا الشأن.

وأضاف أنه بناءً على ما تم الاتفاق عليه سابقًا، كان من المفترض التشاور والتعاون المستمر مع الجانب العُماني، كاشفًا عن عقد عدة جولات من الاجتماعات الفنية بين البلدين حتى الآن في كل من طهران ومسقط، وأن الزيارة الحالية تأتي لتسهيل حركة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز.

المشهد الراهن يؤكّد أن الهدنة بين إيران وأمريكا لم تنهِ حالة الصراع التاريخي، بل فتحت بوابات مرحلة جديدة من المواجهة بأدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية مختلفة، ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن من مصلحة إيران في الوقت الراهن إبقاء مساحة الاشتباك محصورة ضمن النطاق الجيوسياسي لمضيق هرمز، ومنع امتدادها إلى حافة حرب إقليمية شاملة أخرى، مع عدم التفريط حتمًا بورقة المضيق الاستراتيجية وسيادتها الكاملة عليه.

وستفضل طهران في المرحلة المقبلة استمرار المناورة بالنار والرد بالمثل ومنح مزيد من الفرص للجهود الدبلوماسية دون التراجع قيد أنملة عن بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد، ما لم يقرر الجانب الأمريكي إدخال العاصمة طهران إلى بنك أهدافه العسكرية، أو يعبث المجرم نتنياهو بقواعد الاشتباك القائمة مستغلاً عقلية ترامب المتقلبة.

وفي المحصلة؛ فقد أثبتت التجارب التاريخية السابقة لطهران أن الاعتماد على الوسطاء أو التعويل على الالتزامات الأمريكية لا يوفر أيّة ضمانات حقيقية في ظل تكرار الخروقات، وأن منع أيّ عدوان مستقبلي يتطلب بالضرورة امتلاك قوة ردع فعالة، ورفض تقديم التنازلات المجانية، والاستعداد لمواجهة طويلة تفرض معادلات ميدانية جديدة تمنع الخصوم من فرض شروطهم بالقوة.