أحد عشر عامًا من العدوان والحصار.. نفير شعبي ورسمي لانتزاع الحقوق

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
4 يوليو 2026مـ – 19 محرم 1448هـ

أحد عشر عاماً مضت والعدوان الأمريكي السعودي يستبيح اليمن أرضاً وإنساناً، في حربٍ كُسرت فيها كل القوانين، وتهاوت معها كل المواثيق الدولية. ثماني سنوات من قصفٍ متواصل لم يسلم فيها حجرٌ ولا بشر، تلاها حصار خانق وعدوان اقتصادي ممنهج لا يزال يفتك بما تبقى من مقدرات الشعب اليمني. واليوم، ومع بلوغ المأساة نقطة اللاعودة، يطل اليمن برأسه شامخاً ليعلن أن زمن الصبر قد انتهى، وأن إشارة البدء لإنهاء الاحتلال ورفع الحصار قد أُطلِقت بقوة السلاح والشعب معاً.

حرب بلا غطاء قانوني: اتفاقٌ بدّدته القنابل
حين بدأت طائرات تحالف العدوان شن غاراتها على العاصمة صنعاء في 26 مارس 2015م، كانت المكوّنات السياسية اليمنية تجتمع في فندق موفنبيك بصنعاء، وقد باتت على وشك إعلان اتفاقٍ ينهي الأزمة ويدير العملية السياسية. صرّح بذلك المبعوث الأممي إلى اليمن آنذاك جمال بنعمر قائلاً بعد استقالته بأسابيع: “كنا أقرب من أي وقت مضى إلى اتفاق سياسي عندما بدأت الغارات الجوية” (نيويورك تايمز، أبريل 2015). هذا الإفصاح الأممي كشف أن الحرب لم تكن ضرورةً ولا خياراً أخيراً، بل كانت انقلاباً على التسوية السياسية وإجهاضاً مقصوداً لإرادة اليمنيين في التوافق، وهو ما يجرّد العدوان من أي مسوغ قانوني أو أخلاقي منذ يومه الأول.

شنّ تحالف العدوان خلال ثماني سنوات من الحرب الضارية أكثر من 270 ألف غارة جوية، بمعدل يفوق 90 غارة يومياً، هذا القصف الممنهج دمّر أكثر من نصف مليون منزل، وأسفر عن استشهاد وجرح ما يتجاوز 60 ألف مواطن مدني، في حصيلةٍ أكدتها تقارير وزارة حقوق الإنسان، ولم تقتصر الكارثة على الأرواح والمساكن، بل امتدت إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية: طرق وجسور ومطارات وموانئ ومصانع ومستشفيات ومدارس وجامعات.

راهن تحالف العدوان -الذي ضم 17 دولة بثقل عسكري هائل- على حسم المعركة خلال أسابيع. فحشد مئات الطائرات وآلاف الجنود والدبابات والمصفحات، وجنّد مئات الآلاف من المرتزقة اليمنيين والسودانيين والأمريكيين والكولومبيين، وهي حقائق وثقتها تحقيقات صحفية دولية كتلك التي نشرتها «نيويورك تايمز» حول استخدام تحالف العدوان لمرتزقة من أمريكا اللاتينية، وفتح عشرات الجبهات في مختلف المحافظات.

إلا أن الجيش اليمني -مسنوداً بقبائل اليمن الأبية- ألحق بآلة الحرب هذه هزيمة استراتيجية مدوّية. وكانت ذروة ذلك عمليات «كسر الحصار» والتي نفذت على ثلاث مراحل بين الـ11 والـ25 من مارس 2022، تمكنت القوات المسلحة خلالها من ضرب منشآت أرامكو الحيوية في جدة بعمق الأراضي السعودية بطائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة، ما تسبب في اشتعال النيران في النفط السعودي يومين متتاليين. وقد غطت وكالة «رويترز» (26 مارس 2022) الهجوم، وأكدت اندلاع حريق هائل في منشأة تابعة لأرامكو، مشيرة إلى تصاعد المخاوف السعودية على أمن إمدادات الطاقة. وأمام هذا العجز، أعلنت الرياض -حينها- عدم قدرتها على ضمان الاحتياج العالمي من النفط، وهو ما دفعها إلى طلب وساطة أممية عاجلة.

التهدئة والمماطلة السعودية: تعميق المأساة واحتلال الثروة
جاء اتفاق التهدئة برعاية الأمم المتحدة بعد أسبوع فقط من عمليات كسر الحصار(2 أبريل 2022)، وقبلته صنعاء مشروطاً بمعالجة الملفات الإنسانية: الإفراج عن الأسرى، فك الحصار، دفع المرتبات، والتعويض عن جرائم العدوان. لكن المملكة السعودية مارست -منذ توقيع الاتفاق- سياسة المماطلة والتسويف، ولم تنفذ استحقاقات الشعب اليمني، بل عمّقت الأزمة، وشرعت في احتلال اقتصادي منظم.

شكّلت مرتزقتها في مجاميع عسكرية تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد تمارس فيها البلطجة والحرابة، وتحت مسميات مختلفة. والأهم أنها لا تزال تحتل موانئ حيوية، وتسيطر على الثروات الوطنية من نفط وغاز في المحافظات الشرقية والجنوبية، وتنهبها بعيداً عن الشعب اليمني. الحصار الخانق لا يزال مفروضاً على الموانئ والمطارات، مع التلاعب بالعملة وطبع أوراق نقدية غير مغطاة يُستخدم كأداة في الحرب الاقتصادية الشاملة ضد اليمنيين.

غزة والإسناد اليمني
منذ أكتوبر 2023، حمل اليمن على عاتقه مسؤولية إسناد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من خلال عمليات نوعية في البحرين الأحمر والعربي استهدفت الملاحة الإسرائيلية، ضمن معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس. وطوال هذين العامين من الانشغال بمواجهة العدو الإسرائيلي استغل النظام السعودي انشغال اليمن ليُمعن في الحصار والعدوان الاقتصادي، ويمنع أي إجراءات من شأنها التخفيف عن اليمنيين، ويواصل دعم خلاياه الأمنية لزعزعة الاستقرار الداخلي، في ازدواجية معادية لا تخفى على أحد.

وصلت الأمور اليوم إلى نقطة اللاعودة، الشعب اليمني يعيش غلياناً غير مسبوق؛ القبائل تخرج يومياً في وقفاتٍ جماهيرية تعلن النفير العام والجاهزية الكاملة لكل الخيارات التي يراها السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي. إشارة البدء أطلقها القائد بوضوح في بيانه بمناسبة دخول العام الهجري الجديد 1448 هـ، ثم أكدها في كلمته بذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث دعا بشكل صريح «إلى التعاون في بلدنا رسمياً وشعبياً للتصدي للمخاطر والتحديات الناتجة عن الاستهداف العدائي الشامل من جهة الأعداء، ضد شعبنا العزيز، ومن ذلك: احتلالهم لمساحة كبيرة من البلد، وسيطرتهم على الثروة الوطنية من نفط وغاز، وانتهاكهم بكل أشكال الانتهاك لسيادة البلد واستقلاله، وحصارهم وحربهم الاقتصادية الشاملة ضد شعبنا، وتجييش التكفيريين والمرتزقة… وهذا ما يوجب تضافر الجهود بالاستعانة بالله، والسعي لإنهاء العدوان والاحتلال والحصار؛ حتى ينعم شعبنا العزيز بكامل الاستقلال والحرية، ويستفيد من ثرواته الوطنية، ويعيش بكرامة وعزة وخلاص من التبعية…».

وها هي القوات المسلحة تعلنها مدوية ضد تحالف العدوان السعودي الأمريكي ولا خيار آخر سوى الحل العسكري، خاصة وأن القبائل اليمنية أعلنت جهوزيتها الكاملة لأي تطورات أو مستجدات.

اليمن الذي لا يُقهر
ليعلم القاصي والداني أن إرادة اليمنيين لم تنحنِ طيلة 11 عاماً من أعتى عدوان في التاريخ الحديث، وأن الحناجر التي صدحت بالنفير العام لا تلهث وراء السراب، بل خلفها جيشٌ ميداني اكتسب من الخبرة والعتاد ما يجعل أي حرب قادمة تحت عنوان «رفع الحصار والاحتلال» معركةً محسومة النتائج بإذن الله. الأيام القادمة ستثبت أن اليمن الذي استطاع إحراق النفط السعودي وفرض معادلات الردع، قادرٌ اليوم -أكثر من أي وقت مضى- على انتزاع حقوقه كاملة، وعلى أن يكتب نهاية مؤلمة للمعتدين والمحتلين، فيعود الوطن إلى أهله حراً عزيزاً مصون الكرامة.