ألف يوم على الإبادة في غزة.. أرقام تختزل حجم الكارثة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
2 يوليو 2026مـ – 17 محرم 1448هـ
تقريــر || عبدالقوي السباعي
تطوي جريمة القرن في قطاع غزة يومها الألف، مخلّفةً وراءها مشهدًا دمويًا غير مسبوق في التاريخ الحديث، حيث تواصل آلة الإجرام الصهيونية شن حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي شاملة ضد الإنسان والبنيان؛ وفي مقياس الاستراتيجية العسكرية والسياسية، يكشف انقضاء الألف يوم عن حقيقة مركزية صاغتها دماء الشهداء وصمود الأحياء، أن الكثافة النارية الهائلة والوحشية المطلقة التي استخدمها الاحتلال لم تكن دليلاً على القوة بقدر ما كانت تعبيرًا عن عجز بنيوي وفشل استراتيجي صارخ في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب.
ورغم مرور ألف يوم إلا أن العدوان لم يفلح في كسر إرادة الحاضنة الشعبية، ولا نجحت محاولات التهجير القسري في تفريغ الأرض من أصحابها، وتحطمت أوهام فرض وقائع سياسية أو أمنية جديدة على صخرة المقاومة الباسلة التي أثبتت جذريتها وقدرتها على استنزاف العدو وإفشال مخططاته التوسعية، لتبقى التضحيات الجسيمة صكّ صمود يؤكد أن غزة عصية على الانكسار وأن عمق الأزمة الإنسانية يقابله ثبات أسطوري على الأرض.
لغة الأرقام التي وثّقتها الأيام الألف الماضية تختزل كارثة إنسانية تفوق الوصف، حيث تجاوزت حصيلة الشهداء الذين تمكنت الطواقم الطبية من انتشالهم وإيصالهم إلى المستشفيات أكثر من 73 ألف فلسطيني، في حين لا يزال نحو 9500 مفقود تحت ركام المنازل المدمرة أو في مناطق يعجز أحداً عن الوصول إليها بفعل الاستهداف المباشر.
وفي دلالةٍ واضحة على طبيعة بنك الأهداف الصهيوني القائم على الانتقام من الحاضنة الشعبية للمقاومة، شكّل الأطفال والنساء النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا، بنحو 21500 طفل شهيد و12500 امرأة، بجانب محو 2700 أسرة فلسطينية بالكامل من السجل المدني في سياق تدمير ممنهج للنسيج المجتمعي الفلسطيني.
وترافق هذا النزيف البشري مع صبّ الاحتلال الصهيوني لأكثر من 223 ألف طن من المتفجرات مستهدفاً الأحياء السكنية والمنشآت الحيوية، ما أسفر عن تدمير واسع طال أكثر من 90% من البنية التحتية ومقدرات القطاع الحيوية، ومحا معالم مدن وقرى بأكملها.
القطاع الصحي لم يكن بمنأى عن هذا الاستهداف، فقد كان في قلب خطة خنق الحياة؛ إذ أدى القصف المباشر إلى انهيار شبه كامل للمنظومة الطبية بعد خروج 38 مستشفى عن الخدمة، واستشهاد نحو 1700 من الكوادر الطبية والمخبرية والمسعفين، الأمر الذي ترك أكثر من 173 ألف جريح يواجهون نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
وتفاقمت هذه المأساة مع حرمان نحو 22 ألف مريض وجريح من مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج بسبب الحصار المتواصل وإغلاق المعابر، ما حوّل غزة إلى بيئة خصبة لتفشي الأمراض المعدية التي سجلت أكثر من 2.1 مليون إصابة بين قرابة مليوني نازح يفتقرون لأدنى مقومات النظافة والرعاية الصحية.
ويتزامن ذلك مع حرب تجويع شرسة أفرزت أزمة غذاء خانقة وضعت نحو 650 ألف طفل أمام خطر سوء التغذية الحاد، وخلّفت وراءها أكثر من 58800 طفل يتيم فقدوا أحد والديهم أو كليهما، ليعيش جيل كامل تحت وطأة الفقد والحرمان.
يد الدمار الصهيوني وعلى مدى ألف يوم امتدت لتطال المستقبل الفلسطيني وعماده المعرفي والديني، حيث تعرض قطاع التعليم لضربة قاسية تمثلت في تضرر جميع مدارس القطاع وحرمان أكثر من 620 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم، ناهيك عن استشهاد أكثر من 20 ألف طالب خلال العمليات الإجرامية المستمرة.
وعلى صعيد العمران والاقتصاد، هدمت آلة الحرب الصهيونية أكثر من 410 آلاف وحدة سكنية جزئياً وكلياً، وفككت آلاف الكيلومترات من شبكات الكهرباء، واستهدفت 1047 مسجداً في محاولة لطمس الهوية الروحية والثقافية للمجتمع.
توازياً مع تدمير ممنهج للقطاع الزراعي الذي تراجع بنسبة 87% نتيجة تجريف الأراضي ومنع المزارعين من الوصول إليها، ما قاد إلى خسائر اقتصادية مباشرة تجاوزت حاجز 80 مليار دولار، في محاولةٍ مدعومة أمريكيّاً لجعل القطاع مكاناً غير قابل للحياة البشرية، غير أن هذه السياسات الفاشية لن تنجح في فرض واقع دائم مهما بلغت الخسائر.
أمام هذا المشهد المأساوي، بعد ألف يوم من الإبادة؛ تبرز المسؤولية القانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية التي باتت مطالبة باتخاذ إجراءات فورية وحاسمة لوقف العمليات العسكرية فوراً، وفتح المعابر دون شروط لضمان التدفق الحر للمساعدات الإنسانية والطبية، مع ضرورة تفعيل آليات المحاسبة الدولية لتحميل الاحتلال والدول الداعمة له التبعات القانونية عن هذه الانتهاكات الصارخة، كما يغدو التحرك العربي والإسلامي العاجل واجباً قومياً ودينياً لإغاثة القطاع وإطلاق خطة شاملة وموسعة لإعادة الإعمار تنهي حالة التدهور الإنساني.
وبالتالي يبقى حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بشتى أشكالها؛ خياراً استراتيجياً مشروعاً لمواجهة مخططات الضم والتوسع الاستيطاني، ورافضاً لأيّة وصاية خارجية على قطاع غزة، باعتبار ذلك شأن فلسطيني داخلي خالص، بينما تظل الدول العربية والإسلامية مدعوة لتفعيل الدعم الشعبي والرسمي ورفض كافة أشكال التطبيع مع كيان العدو الغاصب، لتظل تضحيات الشهداء وجراح المصابين منارة تضيء طريق التحرير ومصدر إلهام متجدّد للأجيال القادمة نحو الكرامة والاستقلال.
