لبنان واتفاق الإطار الإسرائيلي ومذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية والتدخل السوري المحتمل
ذمــار نـيـوز || مقالات ||
28 يونيو 2026مـ – 13 محرم 1448هـ
بقلم // د. فاضل الشرقي
محاولات القضاء على حزب الله والتطبيع مع إسرائيل
في تاريخ 17 أيار/ مايو 1983، تم توقيع اتفاق أو معاهدة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية أمريكية، وهو ما عُرف سياسياً باتفاق 17 أيار. وقّع الاتفاق في حينه من قبل الرئيس اللبناني بشير الجميل الذي تم اغتياله لاحقاً. وقد وقع الاتفاق في ظروف الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت في عام 1982. ومن أبرز ما تضمنه الاتفاق: الانسحاب التدريجي للجيش الإسرائيلي وترتيبات أمنية في الجنوب وإنشاء مناطق آمنة، وتطبيع العلاقات التجارية والاقتصادية والاتصالات بين الطرفين، وغيرها. وقد رفضت القوى والقيادات الحرة اللبنانية الاتفاق، وكذلك سوريا والدول العربية، وقادت القوى اللبنانية نضالاً كبيراً حتى إسقاطه وإلغائه تماماً بعد أقل من عام من توقيعه.
الآن، وفي تاريخ 26 يونيو 2026، وقّعت الحكومة اللبنانية وكيان الاحتلال الإسرائيلي اتفاق إطار في واشنطن برعاية أمريكية، وقد تضمن الإطار نفس بنود اتفاق 17 أيار 1983 وأسوأ منها، ولكن بصياغة أخرى. هذا الإطار خطير جداً يهدف إلى شرعنة الاحتلال وهيمنته على لبنان، ويهدد بفتنة داخلية وحرب أهلية. وهو ما يتطلب جهوداً وطنية لبنانية لإسقاطه وإسقاط الحكومة الحالية دون تأخير.
الاتفاق الإطاري، في جوهره، ليس مجرد وثيقة سياسية عابرة، بل هو محاولة أمريكية إسرائيلية ممنهجة لإعادة إنتاج نموذج “الوصاية” على لبنان، تحت عناوين براقة مثل “الاستقرار” و”حماية السيادة”، في وقت تُستخدم فيه كل هذه العناوين لتغطية مشروع أعمق: تصفية المقاومة، وتفكيك الحاضنة الشعبية لحزب الله، وتمرير التطبيع مع العدو الصهيوني من بوابة الاتفاقات الأمنية والإدارية. يقدم هذا الاتفاق خدمة كبيرة لإسرائيل في التوسع والاحتلال وصولاً لتحقيق هدف إسرائيل الكبرى. وهذا ما يجعل الاتفاق أخطر من سابقه عام 1983، لأنه يأتي هذه المرة في سياق إقليمي متغير، وفلسطين تغلي، والمقاومة في أوج قوتها، وكل محاولة لتجاوز هذه المعادلات ستُقابل بثورة شعبية لا هوادة فيها.
جاء الاتفاق الإطاري بعد توقيع مذكرة تفاهم بين أمريكا وإيران، ينص بندها الأول على وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهو ما يقتضي الانسحاب وإنهاء الاحتلال، في ظل عدوان إسرائيلي واسع على لبنان وصمود كبير للمقاومة اللبنانية، التي أفشلت محاولات الاجتياح الإسرائيلي الواسع للبنان، وألحقت بالاحتلال خسائر فادحة في عدته وعديده.
لهذا، يهدف الإطار إلى إنقاذ إسرائيل بعد فشلها في التوسع والاجتياح، وإلى شرعنة احتلالها للأراضي اللبنانية، وإخراج أمريكا وإيران وحزب الله من مقتضيات البند الأول في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، الذي يلزم أمريكا بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان وإنهاء الاحتلال، وإلا فلا اتفاق.
التدخل السوري في لبنان
دخل الجيش السوري إلى لبنان رسمياً في ربيع عام 1976 (وتحديداً في شهري مايو ويونيو)، وذلك بطلب رسمي من الرئيس اللبناني آنذاك سليمان فرنجية خلال الحرب الأهلية اللبنانية، لحماية لبنان والسلم الأهلي وخطر الاجتياح الصهيوني والاحتلال، وفعلاً لعب الجيش السوري دوراً إيجابياً في حماية لبنان والسلم الأهلي حتى خروجه في عام 2005م.
الآن، تمهد أمريكا لتدخل سوري جديد في لبنان، وهو ما كرره الرئيس الأمريكي “ترامب” وأكد أنه يقود ترتيبات خاصة لهذا الأمر مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وإسناد مهمة قتال حزب الله للجيش السوري بعد عجز نتنياهو والجيش الإسرائيلي حسب قوله.
مشروع التدخل السوري الجديد في لبنان، محاولة أمريكية خبيثة ومقلوبة: فبدلاً من أن يكون التدخل لحماية لبنان من الاحتلال الصهيوني، يُراد له اليوم أن يكون أداة لضرب المقاومة وتفكيكها، بالنيابة عن إسرائيل وأمريكا، في مشهد يحمل في طياته مفارقة تاريخية مأساوية: أن تُستخدم سوريا -التي قاتلت إسرائيل لعقود وأسهمت في حماية لبنان وحفظ أمنه واستقراره- في خدمة كيان الاحتلال الإسرائيلي وضرب المقاومة الإسلامية. وتكمن الخطورة الأكبر في أن يتم تمرير هذا التدخل تحت غطاء “الشرعية” الحكومية، بينما تُستبعد القوى الحية في الشارع اللبناني من أي قرار مصيري يمس مستقبل البلاد.
أتوقع أن يجري تكرار سيناريوهات الماضي ولو بأسلوب آخر، وأن تقدّم الحكومة اللبنانية طلب التدخل السوري في لبنان رسمياً، باسم حماية السلم الأهلي ومساعدة الجيش اللبناني في الانتشار، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وغيرها من المسميات والعناوين.
نثق بأن القوى اللبنانية الحرة لن تسمح بتمرير هذا الاتفاق المذل والمهين، وإن لم تتحرك في هذا أو تخاذلت أو خذلت، فستولد قوى جديدة حرة ومستقلة وقوية، تتكامل مع المجاهدين الأخيار، وتقود نضالاً حقيقياً يسقط كل هذه المؤامرات ورعاتها وأطرافها.
الخلاصة أن المشهد اللبناني -اليوم- يحمل في طياته بذور مواجهة كبرى بين مشروعين: مشروع الهيمنة والتطبيع والوصاية، الذي ترعاه واشنطن وتنفذه حكومة غير ممثلة للإرادة الشعبية، ومشروع المقاومة والتحرير والسيادة، الذي يحظى بشرعية شعبية ودعم إقليمي حقيقي. وما يجري اليوم ليس سوى حلقة جديدة في صراع طويل، لكن الفارق هذه المرة أن المقاومة أكثر جهوزية، والشعب اللبناني أكثر وعياً، والمنطقة برمتها تغلي بمشاعر رفض الهيمنة. وهذا يجعل أي اتفاق لا ينص صراحة على انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط من كل شبر من الأراضي اللبنانية، مجرد حبر على ورق، مصيره الفشل مثلما فشل اتفاق 17 أيار في العام 1983.
