محمد الفرح: موقفنا من المماطلة السعودية واضح.. إما التسوية الشاملة العاجلة أو الحسم العسكري
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
27 يونيو 2026مـ – 12 محرم 1448هـ
تقريــر ||محمد ناصر حتروش
في ظل استمرار الاحتلال السعودي لعدة محافظات يمنية، والذي يرافقه حصار خانق ونهب للثروات وتحريك لفئات واسعة من المرتزقة عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا، وضع السيد القائد الخطوط العريضة لإنهاء عبث المعتدين، داعيا إلى اصطفاف شعبي ورسمي لإنهاء العدوان والاحتلال ورفع الحصار.
وأمام هذه المستجدات أجرينا حوارا مع الأستاذ محمد الفرح عضو المكتب السياسي لأنصار الله والذي بدوره وضع النقاط على الحروف، مشيرا إلى أن التهرّب السعودي المستمر من استحقاقات السلام تحكمه أربعة عوامل متداخلة: التدخل الأمريكي–البريطاني المباشر الذي يربط الملف الإنساني بموقف صنعاء المساند لغزة، ورغبة الرياض في تثبيت نفوذها واحتلالها لمناطق نفطية وجزر وبحرية استراتيجية، إضافة إلى رهانها على متغيرات إقليمية ودولية لتحسين شروطها، وخشيتها من الاعتراف بمعادلات قوة جديدة تجعلها تتحمل كلفة الحرب والتعويضات.
ركّز السيد القائد على ثلاثة مطالب غير قابلة للمساومة: إنهاء العدوان، رفع الحصار، ورحيل الاحتلال، وفي ظل غليان شعبي واقتصادي بلغ حدًا لا يحتمل المماطلة، أصبح المشهد يتجه نحو الحسم بين سيناريوهين كما يؤكد الفرح والمتمثلة في: تسوية شاملة تقوم على الاستجابة للملف الإنساني والانسحاب الكامل، أو انفجار ومواجهة عسكرية متجددة تفرضها ضرورة كسر الحصار وانتزاع الحقوق. الجهوزية العسكرية لصنعاء واقع ميداني ملموس، تجسّده تعبئة شعبية مليونية وتطور تقني وصاروخي وبحري متقدم، وقد أصبح خيار الهجوم الاستباقي مطروحًا بقوة بعد أن أثبت الواقع عدم جدوائية الانتظار للمماطلة السعودية أمام حصار يفتك بالشعب.
وعن التحولات الاستراتيجية فأوضح الأستاذ محمد الفرح أن الهزائم الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب شكّلت تحولًا استراتيجيًا، إذ كسرت أسطورة الهيمنة الأمريكية ومنحت اليمن ثقة وفائض قوة، في حين أدركت السعودية أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد قادرة على حمايتها. ولهذا فإن الرياض، رغم ارتباطاتها العميقة بواشنطن، لن تذهب إلى سلام حقيقي ما لم تُغلّب مصالحها الاقتصادية وأمنها القومي على الإملاءات الخارجية. وفي حال انهيار التهدئة، سيكون من الطبيعي أن تستخدم صنعاء كامل أوراق ضغطها التي أثبتت فاعليتها، بما فيها استهداف بنك أهداف واسع في البلد المعتدي.
وفي هذا الحوار الخاص مع الأستاذ محمد الفرح، تتجلى خلاصة الموقف اليمني في أعقد مراحله وأكثرها حسماً؛ حيث تتدافع الأسئلة المصيرية تحت سقف الصبر المنفد، وتتكشف معالم معركة السيادة والكرامة التي تخوضها صنعاء في مواجهة احتلالٍ وحصارٍ لم يعودا يحتملان أي تأجيل. من قلب المعاناة الشعبية وضراوة المواجهة الإقليمية والدولية، يخرج الصوت اليمني حاسماً واضحاً، حاملاً معادلةً من خيارين لا ثالث لهما: تسوية عادلة تُنهي العدوان وترفع الحصار وتُخرج المحتل، أو تحرير شامل تفرضه القوة التي أثبتت جدارتها في الميدان. وما بين التحذيرات القيادية الأخيرة والجهوزية العسكرية العالية، يرتسم مشهدٌ يمنيٌّ جامع، تذوب فيه الانتماءات الضيقة أمام وجعٍ مشترك، وتلتحم فيه الإرادة الشعبية مع قيادةٍ صادقة، لترسم معاً الطريق نحو إنهاء الوصاية واستعادة القرار الوطني المستقل.
نص الحوار:
في ضوء تحذيرات القيادة الأخيرة، ما هي الأسباب التي تدفع تحالف العدوان للاستمرار في التهرّب من استحقاقات السلام؟
أولًا، لا يوجد شيء الآن اسمه تحالف العدوان، بل يوجد احتلال سعودي لعدة محافظات يمنية، واستمرار للحصار على أبناء الشعب اليمني ونهب ثرواتهم، ودعم لفئات واسعة من المرتزقة الذين تحركهم كأدوات لها في الداخل لإشعال الجبهات والقتال نيابة عن الجيش السعودي على الحدود، كما تُحرك مرتزقتها من السياسيين والإعلاميين، وتشن عدوانًا شاملًا على اليمن على كافة المستويات.
أما عن التهرب من السلام فليس وليد الصدفة، إذ تحكمه عدة عوامل معقدة على المستويين الإقليمي والدولي، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولاً: التدخل الأمريكي البريطاني المباشر: تسعى واشنطن، ومعها لندن، بشكل علني إلى ربط الملف الإنساني اليمني (دفع المرتبات من عائدات النفط، فتح مطار صنعاء وموانئ الحديدة بالكامل، إطلاق الأسرى) بملفات إقليمية أوسع، وتحديدًا موقف صنعاء العسكري والإنساني المساند للمظلومين في غزة. فأمريكا تريد إبقاء ورقة التجويع والحصار أداة ابتزاز سياسي، وتطمح لمقايضة الملف الإنساني ومسار السلام بالمواقف المنحازة لقضايا الأمة ومظلومياتها، والتخلي عن المسؤوليات الدينية والإنسانية التي يتجه فيها اليمن ضمن محور الجهاد والمقاومة.
ثانيًا: الرغبة في السيطرة و الاحتلال والنفوذ: تسعى السعودية وبعض الأطراف الدولية للاحتفاظ بنفوذ جيوسياسي في مناطق حيوية من خلال السيطرة على الجزر اليمنية (مثل سقطرى وميون) والممرات البحرية (باب المندب)، وذلك في الساحل الغربي. أما في المحافظات الشرقية والجنوبية، فتسعى لتثبيت احتلالها لمحافظات نفطية كحضرموت والمهرة وشبوة ومأرب والجوف. والوصول إلى تسوية نهائية وشاملة يعني بالضرورة الخروج من هذه المحافظات والمناطق الحيوية وفقدان هذا النفوذ.
ثالثًا: الرهان على المتغيرات المحلية والدولية: النظام السعودي كان ولا يزال يراهن على تبدل الموازنات الدولية لتحسين شروط تفاوضه مستقبلًا، حيث راهن على نتائج المواجهة بين صنعاء و “تل أبيب”، وكذلك المواجهة بين صنعاء وواشنطن أثناء إسناد غزة، كما راهن على نتائج العدوان على إيران أملًا في أن تميل الكفة لمصلحة أمريكا ووكلائها، فضلًا عن رهانه على نتائج الحصار، حيث يتصور أن حالة الجوع والفقر وانقطاع المرتبات قد توصِل الشعب اليمني إلى حافة الانفجار، وبالتالي يصبح المحتل السعودي ومرتزقته هم البديل للقوى الوطنية التي واجهت العدوان. يُضاف إلى ذلك عدم استعداد الأدوات التابعة للنظام السعودي للتكيف مع واقع سياسي جديد يقوم على الاستقلال الكامل للقرار اليمني، لأن مصالحها مرتبطة بوجود الدعم الخارجي وإهدار السيادة الوطنية.
رابعًا: تخشى الرياض من أن يؤدي التوقيع على السلام الشامل إلى الاعتراف بمعادلات قوة جديدة فرضتها سنوات المواجهة العسكرية لصالح صنعاء، وأن تتحمل كلفة تعويض الدمار والقتل الذي ألحقته باليمن واليمنيين؛ فالسلام في اليمن يحملها الكلفة السياسية والقانونية والاقتصادية الكاملة للحرب.
السيد القائد ركز في خطاباته الأخيرة على ثلاثة محاور رئيسية غير قابلة للمساومة: إنهاء العدوان، رفع الحصار، ورحيل الاحتلال. هل تلمسون توجهًا نحو الحسم الشامل لهذه الملفات؟ وما هي السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة؟
المعادلة في الداخل اليمني بلغت مرحلة من الغليان الشعبي والاقتصادي لا تسمح بمزيد من المماطلة؛ فالناس تجوع، وهناك مئات الأسرى الذين يقبعون في سجون السعودية منذ أكثر من عشر سنوات، والملف الإنساني يراوح مكانه. وبناءً على الوقائع، يتجه المشهد نحو الحسم بين سيناريوهين رئيسيين لا ثالث لهما:
الأول يتمثل في سيناريو التسوية الشاملة، وهو خيار يقوم أساسًا على الاستجابة للملف الإنساني، ومعالجة الملفات الاقتصادية مثل دفع المرتبات وتثبيت العملة، ورفع الحصار بشكل نهائي، والامتناع عن نهب الثروة، وتعويض الشعب اليمني عن الخسائر التي تكبدها نتيجة العدوان، ورحيل كافة القوات الأجنبية المحتلة.
هذا الخيار يمثل الأقل كلفة لجميع الأطراف، وينسجم تمامًا مع تطلعات الرياض المعلنة في التفرغ للتنمية الداخلية، ومع التحولات الكبرى في المنطقة التي لا تخدم مسار استمرار العدوان، لكنه في المقابل يحتاج إلى شجاعة وقرار سعودي حاسم لتجاوز الضغوط والعراقيل الأمريكية، وأن تغلب مصالحها وتحقيق طموحاتها الاقتصادية على الحرب والتدخل في الشأن اليمني.
أما المسار الثاني، فهو سيناريو الانفجار وتجدد المواجهة، وهو النتيجة الحتمية لإصرار الطرف السعودي على إبقاء حالة “اللاسلم واللاحرب” الراهنة، ومواصلة المماطلة والضغط الاقتصادي وتعطيل مطارات اليمن إلخ. هذا الانسداد سيؤدي مباشرة إلى تصاعد الضغوط المضادة عسكريًا، والعودة الفورية إلى مستويات عالية من التوتر والمواجهة العسكرية المباشرة، حيث لن تجد صنعاء بدًا من التحرك لكسر الحصار بالقوة المسلحة وانتزاع الحقوق، وهو للأسف المسار الأكثر ترجيحًا إذا استمر الطرف السعودي في المماطلة والهروب إلى الأمام.
تتحدث صنعاء باستمرار عن “الجهوزية العسكرية العالية”. ما هي الملامح العملية لهذه الجهوزية على الأرض؟ وهل يعني هذا الانتقالَ من استراتيجية الردع الدفاعي إلى مبدأ “الهجوم الاستباقي”؟
الملامح العملية للجهوزية ليست مجرد استعراض خطابي، ولا تنحصر في إطلاق الشعارات، فصنعاء معروفة بجديتها في تنفيذ تهديداتها، والجهوزية اليمنية اليوم تترجمها وقائع ميدانية ملموسة:
أولاً: التعبئة الشعبية الواسعة: تشهد الجبهات رفدًا مستمرًا بمئات الآلاف من المقاتلين والخريجين من دورات “طوفان الأقصى” والتعبئة العامة، ما يمنح القوات المسلحة عمقًا بشريًا هائلًا جاهزًا للانتشار فورًا. كما أن الوقفات الاحتجاجية المسلحة تعلن نفيرها واستجابتها لدعوة السيد القائد، وكلُّ فئات الشعب تضغط باتجاه الحسم لهذا الملف.
ثانيًا: التطوير التقني والاستخباراتي: تعزيز منظومات الرصد والاستخبارات وسلاح الجو المسيّر، ورصد الخلايا الاستخباراتية التي زرعها النظام السعودي، إلى جانب وضع القوة الصاروخية والطيران المسيّر وجميع تشكيلات القوات البحرية في وضعية الإطلاق الفوري نحو أهداف استراتيجية محددة سلفًا.
أما بالنسبة للهجوم الاستباقي، فهذا القرار هو قرار سياسي وعسكري مرتبط بالتقديرات الميدانية، ويعود للقيادة. لكن بالنظر إلى التحذيرات الأخيرة، ومع تطور العقيدة العسكرية لصنعاء، لم تعد القيادة ترى في “الدفاع الانتظاري” خيارًا كافيًا بينما الشعب يعاني من حصار اقتصادي خانق. وقد كانت الضربة وشيكة حينما رصدت صنعاء مؤشرات لخطوات تصعيدية تستهدف معيشة المواطن ونظامه المصرفي، وباعتقادي أنه أصبح خيارًا مطروحًا بقوة على طاولة القرار.
كيف تقرؤون تبعات الهزائم الأمريكية الأخيرة في معركة البحر الأحمر وباب المندب على كل من اليمن والمملكة العربية السعودية؟ وهل تمتلك الرياض الحرية الكافية لتنفيذ خطة السلام؟
ما حدث في البحار خلال المواجهات مع القطع البحرية الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية يمثل تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق:
أولاً: بالنسبة لليمن: كسرت هذه المواجهة أسطورة “الهيمنة المطلقة” للولايات المتحدة، وأظهرت هشاشتها وضعفها، إذ عجزت عن حماية بوارجها وسفنها وحماية السفن الإسرائيلية، وتم إغراق سفن تجارية أمريكية وبريطانية، والسيطرة على سفن إسرائيلية ونقلها إلى مناطق سيطرة صنعاء، كما عجزت عن فك الحصار على ميناء “إيلات”، وإيقاف الصواريخ والمسيرات التي تطلق على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد منحت هذه المواجهة الداخل اليمني -شعبًا وقيادةً- ثقة كبيرة بالله تعالى وبقيادته وجيشه، وأعطته فائض قوة يتيح له فرض شروطه السيادية والإنسانية العادلة دون الخشية من التهديدات الدولية.
ثانيًا: بالنسبة للسعودية: أدركت الرياض -بشكل قاطع- أن المظلة الأمنية الأمريكية والبريطانية لم تعد قادرة على حماية قواعدها وسفنها من الصواريخ والمسيّرات اليمنية، فكيف لها أن تحمي المنشآت النفطية أو المشاريع الحيوية للمملكة مثل “رؤية 2030″؟
أما بخصوص حرية القرار السعودي، فالمملكة لا تزال مرتبطة بعلاقات بنيوية وعسكرية واستخباراتية واقتصادية وثيقة مع واشنطن، ما يجعل هامش حركتها المستقلة جزئيًا وليس مطلقًا. وتقع السعودية اليوم بين سندان الضغوط الأمريكية المطالبة بالاستمرار في التضييق على صنعاء، ومطرقة الخوف من الرد العسكري اليمني المدمر. ولن تذهب الرياض إلى توقيع السلام إلا إذا غلّبت مصالحها الاقتصادية ومصالح شعبها وأمنها القومي على الإملاءات الأمريكية.
هل تتوقعون أن يستخدم اليمن نفس أوراق الضغط القاسية التي فعلها ضد السفن الأمريكية والبريطانية والصهيونية، ضد دول تحالف العدوان في حال انهارت التهدئة؟
من الناحية السياسية والعسكرية، عندما تخوض أي دولة معركة وجودية ضد الحصار والتجويع، فمن الطبيعي أن تلجأ إلى تفعيل كافة الأدوات والأسلحة التي أثبتت فاعليتها وجدارتها في الميدان، وربما تكشف عن خيارات وأوراق ضغط فاعلة وغير مسبوقة. فالقدرات العسكرية التي استهدفت سفنًا عسكرية وأغرقت سفنًا تجارية عملاقة، وقاتلت في نطاق جغرافي ممتد من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي، قادرة بعون الله على استهداف بنك أهداف واسع في البلد المعتدي على اليمن.
لفت انتباه المراقبين أن بيان وتحذيرات السيد القائد حظيت بترحيب والتفاف شعبي واسع جدًا في الداخل اليمني، حتى من قبل قوى وشخصيات ليست محسوبة سياسيًا أو فكريًا على أنصار الله. ما سر هذا الاندفاع؟
باعتقادي يكمن السر في أربعة عوامل أساسية تعبر عن وجدان الشارع اليمني:
العامل الأول: الثقة بالله تعالى ثم بالسيد القائد وبالقوات المسلحة. وهي ثقة نابعة من واقع تجربة طويلة في قيادة معارك الدفاع عن هذا الشعب، ومعارك الإسناد لغزة ولبنان، ومن حبه لهذا الشعب وتغليبه مصالح اليمن على أي مصلحة ذاتية. فهو القائد الوحيد من قادة اليمن الذين سبقوه الذي لا يمتلك أرصدة في البنوك ولا فللًا أو عقارات، فكل ما يملكه هو إيمانه وإخلاصه لقضايا الشعب اليمني والأمة.
وكذلك الثقة بقدرات القوات المسلحة على انتزاع حقوق الشعب اليمني، فقد أثبتت خلال سنوات العدوان، وفي مرحلة إسناد غزة ولبنان، أنها قوة تمتلك فاعلية وتأثيرًا كبيرين، وأصبحت محل ثقة، واعترف بقوتها وشجاعتها الأمريكيون والصهاينة، وأجمعت الشعوب العربية على قدرتها وشجاعتها، والفضل لله أولًا وأخيرًا.
العامل الثاني: ملامسة الوجع المشترك. فالحصار، وإغلاق المطارات، وانقطاع المرتبات، وانهيار القوة الشرائية للعملة، والفقر المتفشي، كلها أزمات يتجرع مرارتها كل يمني بغض النظر عن انتمائه الحزبي أو الجغرافي. إضافة إلى ما عاناه المواطن اليمني في ظل الاحتلال السعودي، سواء في المناطق الحرة أو المناطق المحتلة، فمثلاً في المناطق التي تقع تحت الاحتلال يعاني المواطن من انعدام الأمن وغلاء الأسعار وتدهور العملة والصراعات الداخلية، ويمر بظروف صعبة تفوق ما يجري تحت سلطة صنعاء بأضعاف مضاعفة.
فما هو المكسب الذي تحقق لأي مواطن يمني جراء هذا الاحتلال منذ 26 مارس 2015 حتى اليوم؟ اذهب واسأل المواطن في عدن أو في تعز أو في شبوة أو في أي منطقة من المناطق التي تقع تحت سيطرة المحتل السعودي، تجد أنهم يعانون الأمرين إلا من يمتلك مصلحة مادية أو منصباً، هو من سيكون موقفه مختلفًا تجاه المحتل، لكن هذا الموقف -مهما كان- ليس طبيعيًا، لأنه يفرِّط في السيادة والاستقلال، ويفضل مصالحه على مصالح الشعب بكامله. ولذلك لم يكن خطاب السيد القائد فئويًا، بل كان يدافع عن كرامة اليمن وسيادته واستقلاله ولقمة عيش المواطن اليمني وحقه الأساسي في الحياة.
العامل الثالث: الإجماع على السيادة الوطنية. فالشعب اليمني يمتلك حسًا وطنيًا فطريًا يرفض الاحتلال والوصاية الأجنبية، ويتوق إلى الحرية والاستقلال. وعندما يرى المواطن قيادة صادقة تتحدث من موقع القوة والسيادة لانتزاع حقوق البلد وثرواته المنهوبة، فإنه يتجاوز الخلافات البينية ويلتف حول هذا الموقف الجامع.
العامل الرابع: الإرهاق من وضع “اللاسلم واللاحرب”. فالمجتمع اليمني وصل إلى قناعة تامة بأن بقاء الوضع المعلق يخدم الأطراف الخارجية فقط، ويميت الشعب ببطء، كما أدرك خلال فترة خفض التصعيد أن السعودية تسعى إلى تثبيت احتلالها ولملمة صفوفها، وليست في وارد أن تترك لهذا الشعب حريته ليتدبر أمره، بل استغلت تلك الفترة في التخطيط لعدوان جديد عبر أدواتها وحصارها ومضاعفة الألم، وتدخلاتها في مختلف الملفات. وبالتالي، نالت الدعوة إلى إنهاء هذه الحالة ترحيبًا كبيرًا بوصفها ضرورة وطنية جامعة تفرضها مصلحة البلاد العليا.
دعا السيد القائد إلى تعاون رسمي وشعبي لمواجهة الاستهداف الشامل. ما هي الآليات العملية لترجمة هذا التعاون إلى جبهة داخلية متماسكة قادرة على إفشال محاولات التفتيت؟
حماية الجبهة الداخلية تتطلب عملًا مؤسسيًا ومجتمعيًا متكاملًا يتجاوز الشعارات، وأبرز هذه الآليات:
تفعيل قنوات التواصل المستمر بين مختلف مكونات البلد لتوحيد الرؤى وتثبيت مبدأ الشراكة في إدارة المرحلة، والاستنفار الشامل للجميع، فالتحرير مسألة يجمع عليها الكل.
تحسين الأداء الحكومي والمؤسسي، ورفع كفاءة الأجهزة الرقابية والخدمية.
تعزيز التكافل الاجتماعي والمبادرات المجتمعية من خلال تفعيل لجان الزكاة والتكافل والإحسان والتعاون، ودعم المبادرات الاقتصادية والصناعية والزراعية المحلية التي تسهم في تخفيف وطأة الفقر الناتج عن الحصار، وتعزيز صمود الأسر الأشد فقرًا.
التوعية واليقظة الأمنية والإعلامية، عبر رفع مستوى الوعي الشعبي تجاه الحملات الإعلامية الممنهجة (الحرب الناعمة والحرب النفسية والشائعات) التي تسعى إلى استغلال المعاناة المعيشية الصعبة بهدف إثارة الفوضى الداخلية وتفكيك النسيج الاجتماعي. وكذلك اليقظة تجاه الخلايا الأمنية الإجرامية والعناصر الإستخباراتية التي تعتبر عينًا للعدو في الداخل.
ختامًا.. إلى أي مدى وصلت الترتيبات الميدانية واللوجستية لتحرير كامل التراب اليمني؟ وهل هناك جدول زمني محدد لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي؟
من الناحية العسكرية الصرفة، فإن الخطط اللوجستية والعملياتية جاهزة ومكتملة، وتخضع لتحديث مستمر يتناسب مع طبيعة المتغيرات الميدانية والتسليحية. والأولوية اليوم هي إنهاء هذا الوجود العسكري الأجنبي، وفك الحصار، واستعادة السيادة الكاملة على القرار الوطني.
أما في ما يتعلق بوجود “جدول زمني” معلن ومحدد بالساعات والأيام، فلا توجد بيانات رسمية تنشر تواريخ محددة، لأن هذا الملف محكوم بمسارين:
• الأول: مسار المفاوضات السياسية والتفاهمات الإقليمية، والتي تُمنح حاليًا الفرصة الكافية حقنًا للدماء وتغليبًا للحلول السلمية والإنسانية.
• الثاني: مسار التطورات الميدانية؛ فإذا أُغلقت الأبواب الدبلوماسية بشكل نهائي، وتأكد إصرار قوى الاحتلال على البقاء، فإن الميدان العسكري وجاهزية القوات المسلحة اليمنية هما من سيضعان الجدول الزمني الفعلي والنهائي لفرض واقع التحرير الكامل، وإنهاء أي شكل من أشكال الاحتلال والوصاية الخارجية.
ختاماً، وفي هذا الحوار الذي أجريناه مع عضو المكتب السياسي لأنصار الله الأستاذ محمد الفرح لتسليط الضوء على الموقف اليمني في منعطفه التاريخي، تتأكد حقيقةٌ واحدة، أن الشعب اليمني، بقيادته وقواته المسلحة وكل مكوناته الحية، قد تجاوز مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى مرحلة فرض المعادلة النهائية، فإما أن يستجيب المحتل لمتطلبات السلام العادل، فيرفع الحصار ويرحل عن الأرض اليمنية ويُقر بالسيادة الوطنية كاملة غير منقوصة، وإما أن تتحول الجهوزية العسكرية العالية إلى فعل تحريري شامل، لا يبقي احتلالاً ولا وصاية، ويفرض السلام بقوة السلاح.
إن الرسالة اليمنية قد بلغت مداها، والكرة اليوم في ملعب من راهنوا على إطالة أمد الحرب والمماطلة، وما بين التسوية التي تحقن الدماء والتحرير الذي تصنعه سواعد الرجال، يبقى الخيار الأوحد لليمن هو الكرامة والسيادة، مهما بلغت التضحيات، وعلى أولئك الذين لا يزالون يراهنون على المتغيرات أو يتوهمون إخضاع هذا الشعب بالتجويع والحصار، أن يقرأوا جيداً دروس السنوات الماضية، فالتاريخ لا يرحم، واليمن الذي صمد وهزم أعتى التحالفات، قادرٌ بعون الله على كتابة الفصل الأخير من العدوان، ليُشرق فجر الحرية على كل شبر من ترابه الطهور.
