نص خطاب السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بمناسبة إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام – 10 محرم 1448هـ
ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
25 يونيو 2026مـ – 10 محرم 1448هـ
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
وَعَظَّمَ اللهُ لَنَا وَلَكُم الأَجْرَ، فِي ذِكْرَى استِشهَادِ سِبطِ رَسُوْلِ الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، الإمام الحسين بن عليٍّ “عَلَيْهِمَا السَّلَام”.
حيث وقعت الفاجعة الكبرى، والمأساة العظيمة،بإقدام زمرة النفاق والشر، المنقلبة على الإسلام، بقيادة طغاة بني أميَّة، على ارتكاب الجريمة الفظيعة، بقتل سبط رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، وامتداده الأصيل في هداية الأمة، الذي قال عنه رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”:((حُسَينٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ حُسِين، أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَينًا، حُسَينٌ سِبطٌ مِنْ الأَسبَاطِ))، وقال فيه وفي أخيه الحسن “عَلَيْهِمَا السَّلَام”:((الحَسَنُ وَالحُسَين سَيِّدَا شَبَابِ أَهلِ الجَنَّة، وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنهُمَا))، فأقدمت على قتله زمرة الشر والطغيان، وحركة النفاق، التي كانت- ونتيجةً للانحراف الرهيب- قد تمكَّنت من السيطرة على مقاليد أمر الأمة، ووظَّفت كلَّ الإمكانات لدولة الإسلام في سبيل تحقيق أهدافها الشيطانية:
– لتحريفمفاهيم الإسلام.
– وإفسادالمجتمع المسلم واستعباده.
– واستغلالثروات الأمة الإسلامية، بما يعزز سيطرة تلك الزمرة الشيطانية من جهة، وفي ترفها وعبثها ومفاسدها من جهةٍ أخرى.
وتجلى آنذاك ما كان رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” قد حذَّر الأمة الإسلامية منه،من أنَّ النتيجة إذا تمكَّن طغاة بني أميَّة من السيطرة عليها، هي:أَنْ يَتَّخِذُوا((دِينَ اللَّهِ دَغَلًا، وَعِبَادَهُ خَوَلًا))، يعني: عبيدًا،((وَمَالَهُ دُوَلًا))، يعني: أن يستأثروا بمال الأمة، وإمكاناتها، وثرواتها، لمصالحهم، وسيطرتهم، وعبثهم، وترفهم، ولشراء الذمم.
وقد تفاقم الشر، وعظم الخطر على الإسلام والمسلمين،بتمكين الطاغية اللعين يزيد بن معاوية، وتنصيبه ليكون واليًا على المسلمين، وهو على النقيض تمامًا من الإسلام، فقد كان يجاهر:
– باستهتارهبالإسلام.
– وبحقدهعلى رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”.
– وبإنكارهبالوحي على الرسول والرسالة.
– ويعلنالفسق والفجور، والانتهاك للحرمات بكل جرأةٍ وتَهَتُّك.
– ولا يرىفي المسلمين إلَّا عبيدًا له، يستبيحهم في الدم والعرض والمال.
فكان الخطر إلى الدرجة التي قال عنها الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”:((وَعَلَى الإِسْلَامِ السَّلَام، إِذ قَد بُلِيَّتِ الأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلَ يَزِيد)).
وقد سعى يزيد-لعنه الله- للعمل على استحكام سيطرته على الأمة الإسلامية، وإزاحة أيِّ عائقٍ يعيق ذلك، فكان يرى في سبط رسول الله (الإمام الحسين) العائق الأكبر؛ لما يمثله الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام” من امتدادٍ للنهج الإسلامي الأصيل، وامتداد للدور والمقام والمسؤولية في هداية الأمة، والسير بها في الصراط المستقيم.
كما كان يزيد يرى في الحسين،والبقية الباقية من عترة الرسول الأكرم محمد “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، موضع ثأره وانتقامه من رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، وتصفية الحساب على قتلى غزوة بدرٍ، من عتاة الجاهلية، أسلافه من حملة راية الشرك، الذين سقطوا وهم يحاربون الإسلام، كما صرَّح يزيد بذلك في أبياته الشعرية المشهورة.
وقد سعى في البداية في محاولة إسكات الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”،طالبًا منه البيعة، عبر الوالي الأموي على المدينة، ومؤكدًا عليه أن يقتل الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام” إن لم يبايع، وكان ردُّ الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام” بموقفه الحاسم، المعبِّر عن نور القرآن وتعاليم الله تعالى، ومنهج الإسلام الأصيل، وعزَّة الإيمان، حيث قال “عَلَيْهِ السَّلَام”:((إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّة، وَمَعْدِنِ الرِّسَالَة، وَمُخْتَلَفِ المَلَائِكَة، وَمَحَلِ الرَّحْمَة، بِنَا فَتَحَ اللهُ، وَبِنَا يَخْتِم، وَيَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِق، شَارِبٌ لِلخَمْر، قَاتِلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَة، مُعْلِنٌ بِالفِسْقِ وَالفُجُور، وَمِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَه)).
وتحرَّك الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام” لإنقاذ المسلمين من ذلك الطاغوت الظلامي المجرم،ومن براثن الجاهلية، التي لبست ثوب النفاق؛ لتخدع الأمة الإسلامية، وسعت إلى تفريغ الإسلام من محتواه العظيم، وتحريف مفاهيمه، بما يمكِّنها من استعباد المسلمين، والاستئثار بكل إمكاناتهم.
واتَّجه الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام” من المدينة إلى مكَّة،والتقى هناك بوفود الحجيج من مختلف الأقطار الإسلامية، وسعى لاستنهاض الأمة بما فيه خلاصها وإنقاذها، وهناك أتته الرسائل الكثيرة، والكتب من أهل الكوفة، وفيها المواثيق والعهود على القيام معه، والنصرة له، فأرسل “عَلَيْهِ السَّلَام” ابن عمه مسلم بن عقيل، ليتحقق من مدى استعدادهم وجِدِّيَّتهم في ذلك، وحينما وصل مسلم بن عقيل “رحمه الله” إلى الكوفة، رأى من تفاعلهم وإقبالهم، وبايعت الآلاف منهم للإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”، ما جعله يطمئن؛ ولذلك أرسل رسالةً إلى الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام” يحثه فيها على التعجيل بالقدوم إلى الكوفة، ويؤكِّد له ما شاهده من إقبالهم، وتفاعلهم، واستعدادهم للقيام والجهاد، وحمل راية الإسلام.
وقد أتت رسالة مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”،في الوقت الذي كان فيه حريصًا على مغادرة مكَّة المكرَّمة، حينما أدرك سعي طغاة بني أميَّة على استهدافه فيها، وانتهاك حرمة البيت الحرام، فحرص “عَلَيْهِ السَّلَام” على الخروج منها قبل ذلك، واتَّجه صوب العراق، ومعه أهل بيته، ومن استجاب له من الناس، وهم قِلَّةٌ قليلة، في مقابل المتخاذلين، وما أكثرهم!
وفي الطريق إلى العراق،كانت كلمات الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”، التي بيَّن فيها المسؤولية الإسلامية، التي بنى موقفه على أساسها، والتي هي طريق الخلاص للأمة من ذلك الطغيان الأموي اليزيدي، وكان من تلك الكلمات التي سجَّلها التاريخ، خطبته “عَلَيْهِ السَّلَام” حينما قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:((أَيُّهَا النَّاس، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ “صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم” قَال: مَنْ رَأَى سُلطَانًا جَائِرًا، مُستَحِلًا لِحُرَمِ اللهِ، نَاكِثًا لِعَهدِ اللَّهِ، مُخَالِفًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، يَعمَلُ فِي عِبَادِ اللَّهِ بِالإِثمِ وَالعُدوَانِ، فَلَم يُغَيِّر عَلَيهِ بِفِعلٍ وَلَا قَولٍ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدخِلَهُ مُدخَلَهُ، أَلَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ))، يعني: بني أميَّة ومن معهم،((قَد لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحمَن، وَأَظهَرُوا الفَسَاد، وَعَطَّلُوا الحُدُود، وَاستَأثَرُوا بِالفَيء، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللهِ، وَحَرَّمُوا حَلَالَه، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّر)).
لقد تضمَّنت تلك الكلمات وصفًا دقيقًا حقيقيًا لِما كان عليه الحال،وهو وضعٌ كارثيٌ على الأمة، مباينٌ لإسلامها، وضياعٌ لها، أن يكون الحاكمون عليها، والمسيطرون على أمرها، بتلك المواصفات الفظيعة، وأن يديروا أمر هذه الأمة انطلاقاً مما هم عليه: من لزوم طاعة الشيطان، وتعطيل مبادئ الإسلام وتعاليمه، وإظهار الفساد، وممارسة الإجرام، هل يكون ذلك إلَّا إضلالًا للأمة، وصرفًا لها عن هدى الله تعالى، وعن تعاليمه، وإذلالًا لها، واستعبادًا لها، وتعطيلًا لثمرة الإسلام في واقعها، واستبدالًا للعدل؛ ليحل محله الجور والظلم، واستبدالًا للنور؛ لتحل محله الظلمات.
لقد كان تأثير الانقلاب الأموي على الإسلام،والانحراف الرهيب في واقع الأمة، الذي أوصل الطاغية المجرم يزيد- لعنه الله- إلى موقع السلطة، في غاية الخطورة على الأمة الإسلامية، في أثره في تراجعه الواضح عن روحية الإسلام، وأثره التربوي العظيم، وتعاليمه القيِّمة، والفصل للأمة تمامًا عن مسؤولياتها المقدَّسة الكبرى، فالأمة المسلمة التي حدَّد الله لها دورها العظيم، بقيادة نبيها، وأخيارها، في قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران:110]، وفي قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ}[النساء:135]، وفي قوله تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[التوبة:71]، وفي قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ}[الصف:14]، وفي قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}[التوبة:119]، وفي قوله تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}[النساء:76]، تلك الأمة كانت قد أضاعت كل تلك المسؤوليات في واقعها، وكانت النتيجة هي: تمكين الطغاة والمجرمين والمفسدين من التحكُّم بها، والسيطرة عليها، وإضاعة الحق من ميدان العمل، ومن واقع الحياة؛ ليحلَّ محله الباطل، بكل سوئه ومفاسده، وما ينتج عنه من ظلمٍ وشرٍ وضياعٍ للأمة.
ولهذا فحينما تحركت قوى النفاق،وزمرة الشر والطغيان، لاستهداف الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”، استهدافًا منها لأصالة الإسلام، وللحق الذي تحرَّك من أجله الحسين، وسعيًا منها إلى منع الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام” من إنقاذ الأمة من أغلال الطغيان، وحالة الاستعباد والامتهان، فقد تمكَّنت قوى الطغيان تلك من تجييش الآلاف لنصرة الباطل، وخدمة الطاغوت؛ بينما تخاذل الكثير عن نصرة الحق الواضح، وهم يعرفون من هو الحسين، وما هي قضية الحسين، وأهداف الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”.
ولذلك قال “عَلَيْهِ السَّلَام” مخاطبًا لأصحابه،وهم قِلَّةٌ قليلة من ثبتوا معه، وتحركوا لأداء الواجب المقدَّس، وقد التقاه جيش الأعداء، ووصلت طلائع الجيش الأموي اليزيدي لقتاله، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:((إِنَّهُ قَد نَزَلَ مِن الأَمرِ مَا قَد تَرَون))، يعني بذلك: وصول جيش الأعداء، وتخاذل أهل الكوفة، وسيطرة ابن زياد عليهم… وغير ذلك، جيوش الأعداء قد وصلت بالآلاف، وهو في تلك القلة القليلة من المؤمنين معه، من أهل بيته وأنصاره،((وَإِنَّ الدُّنيَا قَد تَغَيَّرَت وَتَنَكَّرَت، وَأَدبَرَ مَعرُوفُها، وَاستَمَرَّت جِدًّا))، يعني: صارت مُرَّة، الحياة بسيطرة الظالمين، والطغاة، والمجرمين، والمفسدين في الأرض، تتحوَّل إلى حياة مريرة، حياة يسودها البؤس، والحرمان، والظلم، والوحشة، وتنعدم منها القيم، ويضيع منها العدل والخير، تتحول إلى حياة سيئة، ((فَلَم يَبقَ مِنهَا إِلَّا صُبَابَةٍ كَصُبَابَةِ الإِنَاء، وَخَسِيسُ عَيشٍ كَالمَرعَى الوَبِيل))، وهذا ما ينتج عند سيطرة الطغاة الظالمين المفسدين، يغيِّرون المجتمع؛ وبالتالي يغيرون واقعه إلى أسوأ مستوى،((وَخَسِيسُ عَيشٍ كَالمَرعَى الوَبِيل،أَلَا تَرَونَ أَنَّ الحَقَّ لَا يُعمَلُ بِه))، الحق لم يعد مقبولًا به في ميدان العمل في الساحة الإسلامية آنذاك، الحق غريب، ومنبوذ، ومكروه، ومحارب، ومقصي،((وَأَنَّ البَاطِلَ لَا يُتَنَاهَى عَنه، لِيَرغِب المُؤمِن فِي لِقَاءِ اللهِ مُحِقًّا، فَإِنِّي لَا أَرَى المَوتَ إِلَّا سَعَادَة، وَلَا الحَيَاةَ مَع الظَالِمِين إِلَّا بَرَمًاوَشَقَاوَة)).
الحالة الخطيرة التي يضيع فيها الحق من واقع الناس،ويضيع فيها كأساسٍ ومعيارٍ للموقف، يسوء فيها واقع الأمة، حيث يكون البديل عن ذلك هو الباطل، بكل ما فيه من شرٍّ، وظلمٍ، وإجرامٍ، وطغيانٍ، وفساد؛ أمَّا الثمرة لذلك فهي الشقاء، الشقاء للناس في الدنيا وفي الآخرة والعياذ بالله، وهي الحال التي لا يمكن للمؤمن الذي يحمل قيم الإسلام، ويتربَّى على أخلاق الإيمان، ويؤمن بالمبادئ الإلهية، أن يتقبَّلها أبداً، حتى لو كان ثمن الموقف تجاه ذلك، هو الشهادة في سبيل الله، فذلك شرفٌ عظيم، وسعادةٌ كبيرة، وفوزٌ بمقام الشهداء ونعيمهم.
لقد أحاطت جيوش الأعداء،وهي بالآلاف على أرض كربلاء، بسبط رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”، ومعه أهل بيته وأصحابه، الذين كانوا بالعشرات، وذلك في يوم العاشر من شهر محرم، سنة إحدى وستين للهجرة، وخيَّره الأعداء بين الاستسلام ليزيد وابن زياد، أو القتل؛ فكان موقفه الحاسم مجسِّدًا لعزة الإيمان، بكل إباءٍ وثبات، وقال “عَلَيْهِ السَّلَام” في سياق كلامه:((أَلَا وَإِنَّ الدَّعِي ابن الدَّعِي قَد رَكَزَ بَينَ اثنَتِين: بَينَ السِّلَّةِ، وَالذِّلَّة، وَهَيهَات مِنَّا الذِّلَّة، يَأبَى اللَّهُ لَنَا ذَلِكَ، وَرَسُولُه، وَالمُؤمِنُون)).
لقد سجَّل التاريخ تفاصيل الثبات العظيم،والتفاني الذي لا مثيل له، والتضحيات العظيمة للإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”، ولأهل بيته وأنصاره الأوفياء، في يوم عاشوراء، على أرض كربلاء، بكل ما تميَّزت به من تجسيدٍ عظيمٍ لقيم الإسلام وأخلاقه وتعاليمه على أرقى مستوى، وسجَّل التاريخ أيضًا تفاصيل الجرائم الفظيعة، التي ارتكبها جيش الطغيان اليزيدي الأموي في معركة كربلاء، والممارسات الوحشية التي تتنافى مع كلِّ القيم الإنسانية، حتى في أدنى مستوياتها، وقدَّمت صورةً سوداء بشعة، في أسوأ وأفظع مستوى، تكشف حقيقة الباطل اليزيدي الأموي، وفظاعته، وسوءه، وقبحه، وعدوانيته، وإجرامه، وتفضح زمرة النفاق للأمة؛ لتراها على حقيقتها الفظيعة الشنيعة، بعد أن تجرَّدت من كلِّ أقنعة الخداع والتزييف، وتلا ذلك ما ارتكبه أولئك الطغاة في استباحتهم بعد ذلك لمدينة رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، وإبادتهم لبقايا المهاجرين والأنصار، وأهليهم، وانتهاكهم لأعراضهم، وكذلك مهاجمتهم لمكَّة المكرمة، واستباحتهم لحرمتها، وإحراقهم للكعبة الشريفة… وغير ذلك من جرائمهم الفظيعة.
لقد كان ما قدَّمه سبط رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”،الإمام الحسين “عَلَيْهِ السَّلَام”، من جهودٍ عظيمة في خدمة الإسلام، ومن تبيينٍ، ومن علمٍ ومعارف، ومن تضحية وعطاء، وما جسَّده من مبادئ وقيم، مع مظلوميته الكبرى، كان امتدادًا للإسلام بأصالته ونقائه، ونورًا للأجيال، وإلهامًا لكلِّ الأحرار، ومدرسةً خالدةً تلاميذها في كلِّ عصرٍ، من يحملون النور في قلوبهم، ورايات الإسلام في أيديهم، وموقف الحق في حركتهم، وعزَّة الإيمان في ثباتهم، والكرامة الإنسانية في إبائهم، وبقيت الجملة الخالدة:((هَيهَات مِنَّا الذِّلَّة، يَأبَى اللَّهُ لَنَا ذَلِكَ، وَرَسُولُه، وَالمُؤمِنُون))، مبدأً راسخاً للمؤمنين في مواجهة الطغيان في كلِّ عصر.
واستمرت الثورات بعد ذلك،حتى انهار الطاغوت الأموي، ومن بعد ذلك استمرت الثورات على امتداد التاريخ، وبقي للحق امتداده في هذه الأمة، ويبقى له امتداده وحضوره الفاعل الكبير، ويحقِّق الله له الظهور، ويستمر امتداده إلى قيام الساعة.
إنَّ أمَّتنا الإسلامية في هذا العصر،في مواجهة طاغوت العصر، وأئمة الكفر: (أمريكا، وإسرائيل)، ومن يواليهم، ويدور في فلكهم، تستمد عزم الإيمان، وتستضيء بنور القرآن، وتستلهم من سبط رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”: الإمام الحسين بن عليٍّ “عَلَيْهِمَا السَّلَام”، الثبات في وجه الطغيان مهما كان حجم إمكاناته، ومهما كان مستوى التضحيات في سبيل الله؛ لأن البديل عن ذلك هو الخسارة والشقاء في الدنيا والآخرة.
إنَّ الأهداف الشيطانية لأئمة الكفر: (أمريكا، وإسرائيل)،ولليهود في حركتهم الصهيونية الظلامية المفسدة، والممارسات الإجرامية التي لها شواهدها الرهيبة، مما فعلوه ويفعلونه بحق الشعب الفلسطيني المظلوم، وشعوب أمَّتنا الإسلامية، وفي أنحاء أخرى من العالم، وما كشفته الوثائق عنهم، في وثائق [جيفري إبستين]، ومسؤولة المخابرات الأمريكية، وما قبل ذلك وما بعده، كل ذلك يبيِّن بشكلٍ قطعيٍ وواضح في غاية الوضوح، أنَّهم شرٌ مطلق، وخطرٌ على أمتنا الإسلامية، وعلى كافَّة المجتمعات البشرية، وأنهم زمرةٌ شيطانيةٌ، مفسدةٌ، مضلةٌ، ظلاميةٌ وظالمةٌ، مجرمةٌ في منتهى الإجرام والشر، ولا نجاة من شرِّهم وإجرامهم، إلَّا بالتصدي لهم، والتحرُّك الجاد لمواجهة طغيانهم.
ولهذا فمسؤولية أمَّتنا الإسلامية هي الجهاد في سبيل الله تعالى،والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والسعي لإقامة القسط؛ فهذا يحقِّق المنعة للأمة، والحماية لها، ويؤهِّلها لتحظى بالنصر من الله تعالى، كما وعدها الله “جَلَّ شَأنُهُ” في القرآن الكريم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7]، كما أنَّ ذلك يعزِّز من دورها العالمي الإيجابي بين أمم الأرض.
وفي ختام هذه الكلمة، وبهذه المناسبة والذكرى، نؤكِّد على التالي:
· أولًا: نؤكِّد ثبات شعبنا العزيز،انطلاقًا من هويته الإيمانية، ومسيرته القرآنية، على مساره الإيماني التحرري الجهادي، وموقفه القرآني من أعداء الإسلام والمسلمين، وفي مقدِّمتهم: (أمريكا، وإسرائيل)، وفي تمسُّكه بقضايا الأمة الكبرى، وفي مقدِّمتها: القضية الفلسطينية، بكل ما يتعلِّق بها من شعبٍ وأرضٍ ومقدَّسات.
· ثانيًا: نبارك للجمهورية الإسلامية في إيران بمناسبة انتصارها العظيم،الذي هو نصرٌ من الله تعالى على أعداء الأمة الإسلامية: (أمريكا، وإسرائيل)، وهو انتصارٌ مهمٌ لكلِّ محور الجهاد والمقاومة والقدس، ولكلِّ الأمة، في جولةٍ مهمةٍ من جولات المواجهة بين أمَّتنا وأعدائها المستكبرين، ونحن على تنسيقٍ مستمرٍ مع إخوتنا في محور الجهاد والمقاومة، تجاه أيِّ جولةٍ جديدة، ولن نتردد في أداء واجبنا الإسلامي في الجهاد في سبيل الله تعالى، والتصدي لأعداء أمَّتنا الإسلامية، في أيِّ تصعيدٍ عدوانيٍ جديدٍ يقومون به في أيِّ ساحةٍ من ساحات المواجهة، وفي مقدِّمتها: غزَّة.
· ثالثًا: إننا نرصد بكل اهتمام مجريات الوضع في أرض الصومال،وما يسعى له العدو الإسرائيلي من أن يحوِّلها إلى موطئ قَدَمٍ له، بهدف السيطرة على خليج عدن، وباب المندب، والتحكُّم بالبحر الأحمر، ونحن في الوقت الذي نحث فيه أمَّتنا الإسلامية بشكلٍ عام، والبلدان المطلة على البحر الأحمر على نحوٍ أخص، لاتِّخاذ موقفٍ مشترك لمنع العدو الإسرائيلي من ذلك، إلَّا أننا نؤكِّد أننا لن نقف مكتوفي الأيدي تجاه أي تمركزٍ إسرائيليٍ في أرض الصومال، ولن ننتظر المتخاذلين والمفرِّطين من الأنظمة حتى يتحرَّكوا، بل سنبادر في أيِّ وقتٍ يقوم العدو الإسرائيلي فيه بأي تمركزٍ هناك، باستهدافه بكل الوسائل المتاحة، كما ندعو أمَّتنا الإسلامية وحكوماتها، إلى العمل على إصلاح وضع الصومال، وإطفاء نيران الفتن فيه، والعناية بالشعب الصومالي الشقيق، ومساندته ضد ذلك الاستهداف الإسرائيلي، الذي يشكِّل انتهاكًا كبيرًا لسيادة الصومال، وخطرًا كبيرًا على أمتنا الإسلامية وعلى بلدانها.
· رابعًا: نؤكِّد أننا كشعبٍ يمني،لن نقبل باستمرار العدوان والاحتلال والحصار الأمريكي السعودي على بلدنا، وأننا سنتحرَّك في إطار موقفنا الحق، وقضيتنا العادلة، ومظلوميتنا الواضحة، للخلاص من ذلك بكل الوسائل المشروعة، حتى ينعم شعبنا العزيز بالحُرِّيَّة الكاملة، والاستقلال التام، والعيش بكرامة، ويستعيد ثرواته الوطنية، وكامل حقوقه المشروعة، كما أشيدُ بالتحرُّك الشعبي الواسع، والوقفات القبلية الكبيرة المؤكِّدة على ذلك.
· خامسًا: أدعو شعبنا العزيز إلى تراص الصفوف،والحفاظ على الجبهة الداخلية وتماسكها، وعلى روحية النفير العام، والتعاون على البر والتقوى، والاستمرار بنشاطٍ واهتمام في المبادرات الاجتماعية، والعناية القصوى بالدورات العسكرية في التعبئة العامة.
وختامًا نقول: السَّلَامُ عَلَى سِبْطِ رَسُوْلِ الله الإِمَامِ الحُسَيْنِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأَنْصَارِه، السَّلَامُ عَلَى شُهَدَاءِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْر.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ- أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَات- وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
