صنعاء بين خيارات الحرب واستحقاقات السلام

1

ذمــار نـيـوز || مقالات ||

25 يونيو 2026مـ – 10 محرم 1448هـ

بقلم// د. فاضل الشرقي

تعاني “صنعاء” من حصار اقتصادي ومالي شامل على موانئها ومطاراتها ومنافذها وعملتها وبنوكها، وتفرض عليها عقوبات دولية وأمريكية أولية وثانوية قاسية جدًا، في ظل شح المصادر وندرة الموارد المالية واستحواذ كامل على الثروات الوطنية ومنع تصديرها ومصادرة حق الاستفادة منها أو مقايضتها.

إحدى عشرة سنة من العدوان والحصار والاحتلال المباشر لأجزاء واسعة من البلاد اليمنية، وتمزيق وحدتها السياسية والاجتماعية، وعبث مستمر بأمنها واستقرارها وسيادتها تتداوله بالتناوب أنظمة الخيانة والعمالة والعدوان والحصار.

صحيح أن اليمن يدفع ثمن مواقفه التحررية والسيادية الرافضة للهيمنة الأمريكية والغربية والوصاية السعودية، ودوره المحوري في الإسناد لغزة والقدس وفلسطين، وانحيازه لقضايا أمته العربية والإسلامية وشعوبها المستضعفة والمظلومة.

ترقب صنعاء المشهد المحلي والإقليمي بأعين لا تنام ونباهة لا تغفى بين استمرار العدوان والحصار والحرب على العملة والاقتصاد، وعسكرة نشطة للمحافظات المحتلة، وبناء هياكل عسكرية وأمنية سلفية تكفيرية داعشية، وتجييشها وتجنيدها وتدريبها وتسليحها للزج بها في حرب مفتوحة مع صنعاء يراد لها أن تستمر لعشر سنوات أخرى أو أكثر.

اليوم تقف صنعاء بين خيارات الحرب التي يعدّ لها ويحضر على قدمٍ وساق، وبين خيارات السلام واستحقاقات الملفات الإنسانية التي تؤثرها مع شعبها وجوارها العربي التي تريد له أن يكون عربيا بحق وحقيقة، لكنها لن تغمض عينيها أمام ما عسكرة نصف الشعب ودعششته وتحضيرات عدوانية نشطة لحرب يراد لها أن تفاجئها في الوقت والمكان الذي تخطط له أمريكا وإسرائيل والسعودية والإمارات، رهانا على عامل الزمن والمتغيرات، واستنساخا لتجربة الحرب التكفيرية على سوريا.

لقد حرك بيان السيد القائد عبدالملك بدرالدين “يحفظه الله” في مطلع العام الهجري الجديد (١٤٤٨هـ) ما كان يظنه العدو مطويا منسيا في أعماق النفوس أو ميؤسا منه، والذي إنما جاء في حقيقته استجابة لمطالب الشعب الغاضبة وتعبيرا عن إرادته الحرة، ولذا فإن صنعاء لن تبقى متفرجة على معاناة شعبها وأوجاعه وآلامه إلى ما لا نهاية، وأنات مرضاه وصرخات محروميه وضعفاه، ولن تقبل بتبريرات الضغوط الكبرى ودعاوى التسويف والمماطلة، ولن تنتظر حتى يهاجمها أعداؤها مجدّداً، فقد تباغتهم قبل أن يباغتوها وتفاجئهم قبل أن يفاجؤها وتضربهم قبل أن يضربوها.

فالشعب الذي صبر كل هذه السنوات وتحمل كل هذه المعاناة وآثر أن يفدي غزة وينصرها ويؤازرها على نفسه ولو كان به خصاصة، يعرف الطريق جيداً والوصول السهل لنيل حقوقه وقضاياه العادلة، وتأديب المعتدين عليه والمتآمرين، والناهبين لثرواته، والعابثين بأمنه واستقراره، حين يرى أنه أمر لا بد منه ولا مفر عنه ولا مناص.
إذا لم تكن إلا الأسنةُ مركباً
فما حيلةُ المضطر إلا ركوبها

نعم، عندما تجد “صنعاء” نفسها مضطرة للانصياع لمطالب شعبها والانحياز لاستحقاقات السلام والحرية والسيادة والحياة الكريمة، فإنها ستقاتل قتالاً لا هوادة فيها ولا هوان، ولن تهدأ أو تستريح إلا حين تأخذ كافة حقوقها الوطنية العادلة، وإذا لم يصغِ العالم الآن لصوت صنعاء، وفي مقدمته الدول الكبرى ودول المنطقة والإقليم، ويتوقفوا عند معاناة الشعب اليمني، فستشتعل حرائق النفط والغاز ومصادر الطاقة لأشهر كاملة في البر والبحر، ولن يكونوا قادرين على إطفاء نيرانها، وحينها لن ينفعهم الصراخ والتباكي، وسيدفعون أثماناً غالية وكلفاً باهظة، وسيضطرون لتقديم تنازلات وتسويات أكبر مما هو مطلوب منهم الآن بكثير وكثير، وقد تتطور الأمور وتتدحرج إلى خارج السيطرة وأبعد الحدود التي لا يمكن أن يتخيلها أحد.

أوقفوا الحرب والعدوان على اليمن، واحتلال أراضيه، وارفعوا عنه الحصار والعقوبات، واتركوا التدخل في شؤونه، والعبث بأمنه واستقراره، والإمعان في أذيته وامتهانه، وإلا -وأنتم تعلمون- فإنه فيه قائدا لا يُضام ولا يخدع ولا يُهادن، وشعباً جباراً إذا دعاه أجابه، وإذا أمره أطاعه، وإذا قام فلا يقعد حتى يأخذ حقه، وإذا خرج فلا يعود حتى ينتصر.

في خضم هذه المعادلة المعقدة بين خيار الحرب وخيار السلام، تضع صنعاء اليوم عصاها في يد العالم، وتقول كلمتها بلسان الحكمة والقوة معاً: السلام حق مشروع لكل الشعوب، واليمن ليس استثناء من هذه القاعدة. فصنعاء لم تغلق باب المفاوضات يوماً، ولم ترفض أي جهد عربي أو دولي جاد يهدف إلى وقف الحرب ورفع الحصار وتحقيق سلام عادل يحفظ للشعب اليمني حقوقه وكرامته وسيادته على أرضه وثرواته، بيد أن صنعاء تدرك أن السلام الحقيقي لا يبنى على الحصار والتهديد وانتظار الاستسلام، بل يبنى على الاعتراف بالحقوق، واحترام الإرادة، والتعامل على أساس الندية والكرامة، وليس على منطق الوصاية والهيمنة.

وتقول صنعاء بثقة: إن اليمن ليس بحاجة إلى من يمارس عليه الوصاية أو يتصدق عليه بشيءٍ من الحرية، بل هو أهل الحرية وسيدها وصانعها ومستحقها بكل جدارة واقتدار، وقد أثبت عبر سنوات العدوان أنه قادر على الصمود والمواجهة، وعلى حماية نفسه ومصالحه ومستقبله، ومع ذلك فهو يمد يده بالسلام لكل من يريد سلاماً حقيقياً يبنى على المساواة والعدل والاحترام المتبادل، لا على الإملاءات الخارجية والتدخلات الأجنبية.

لا يخفى على مراكز القرار في العالم والمنطقة أن اليمن بشعبه المليوني ومقاتليه الأشداء وموقعه الاستراتيجي وثرواته الهائلة، وقدرته على التأثير في حركة الملاحة العالمية وأمن الطاقة، لم يعد مجرد ملف عابر يحكمه قرار دولي أو اقليمي يرهنه للوصاية والاحتلال والاستعمار، بل هو قضية أمن قومي عربي وإقليمي ودولي بامتياز، لا يمكن الاستمرار في تجاهلها، أو التعامل معها بمنطق الإغاثة المؤقتة أو الحلول الفارغة أو وعود التتويه والتضليل السياسي، في وقت تتجه فيه دول العالم لحلحلة نزاعاتها وتأمين حقوقها ومصالحها واستقرارها.

على الجميع إدراك حقيقة أنه لن يكتب النجاح لأي حلول أو معالجات ترقيعية، ولن يكون هناك أي أمن أو استقرار في المنطقة في ظل استمرار الحرب والعدوان والحصار على اليمن، ودون الدخول في معالجات جادة وحلول شاملة تضمن وقف العدوان ورفع الحصار والعقوبات، بلا أي اجتزاء أو انتقاص، ودون أي تدخلات أو إملاءات أو ضغوط خارجية. وهذا ما ستواجهه صنعاء بقوتها وصمودها وحضورها وشعبها، ولن تقبل بأن تكون ورقة في جيب أحد، ولن تسمح باستمرار العدوان والحصار عليها والمزيد من معاناة شعبها ومواطنيها، فهي اليوم وبكل جدارة قوة لا يستهان بها، وحضور لا يمكن تجاوزه، وإرادة لا تنكسر، وخياراتها مفتوحة في كل الاتجاهات. والخيار الأكثر أمناً وسلاماً للجميع هو خيار العقل والسلام، والاحترام المتبادل، والندية المتساوية، وعدم التدخل في شؤون الآخرين وفرض منطق القوة والقهر والهيمنة والوصاية والاستعمار.

إن تمسك صنعاء بخيارات السلام ليس ضعفاً، بل قوة تعكس وعيها وإدراكها لمصالح شعبها ومحيطها الجغرافي والإقليمي، وهي بهذا تضع العالم أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية، كما تضع المنطقة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تفادي الأزمات والمخاطر، والتزام مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل. وإذا كان البعض يظن أن صنعاء قد تنكسر أو تتراجع أو تتخلى عن قضاياها الكبرى وقيمها ومبادئها فهو واهم، فالأحداث تُثبت كل يوم أنها قادرة على حماية نفسها، وتحقيق أهدافها، والرد على أي تحدٍ يواجهها في البر والبحر والجو بعون الله ونصره وتأييده، وقد آن الأوان للجميع أن يفهموا حقيقة أن صنعاء صارت معادلة قائمة بذاتها، تحسب لها كل الحسابات، وأنها لن تفرط بيسير من حقوق شعبها، ولن تتركه يكابد آلام الحصار والتجويع الممنهج، وسيكون العالم كله أمام أمر واقع وصعب جداً، إذا استمر في تجاهل المعاناة وتمديد العقوبات والاجراءات الظالمة، وإذا كان هناك من يصر على التعاطي مع اليمن بمنطق القوة والهيمنة والوصاية، فالقادم أعظم وأكبر مما يتخيلون.

وفي النهاية، اليمن ليس مجرد بقعة على الخريطة قابلة للشطب والإزالة أو التلاعب والتجزئة والتقسيم، بل هو شعب وإرادة وحياة وحضارة وتاريخ، وهو مع إيثاره لخيارات السلام والأمن والاستقرار، أشد استعداداً للحرب ومراساً للنزال وضراوةً للقتال إذا لم يجد طريقاً آخر إلى نيل حقوقه في الحرية والعدالة والسيادة والاستقلال والعيش الكريم.