معركة لا تقبل الحياد: الحسين “عليه السلام” نموذجاً في حسم الخيارات المصيرية

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
24 يونيو 2026مـ – 9 محرم 1448هـ

تقف الأمة اليوم على أعتاب ذكرى مهيبة، ذكرى مؤلمة، لكنها في عمقها ذكرى مجيدة، ذكرى الفاجعة الكبرى التي هزت أركان الإسلام، وجعلت للتاريخ وقفة، وللأجيال عبرة، وللمسلمين منهجاً ودرباً لا ينتهي، إنها ذكرى استشهاد أبي عبد الله الحسين، سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، وابن عليٍّ أمير المؤمنين عليه السلام، وابن فاطمة الزهراء بنت سيد المرسلين. إنها ذكرى من قال فيه جده المصطفى صلى الله عليه وآله: “حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً، حسينٌ سبطٌ من الأسباط”.

ومهما تعاقبت الأجيال، ومهما امتد الزمن، تبقى هذه الذكرى حيّة نابضة، لأنها قضيةٌ مستمرة، ونبضٌ لا يخبو، ومشعل هدايةٍ يضيء دروب الأمة في كل عصر ومصر، فمن هو الحسين في وجدان الأمة؟ وما الذي يعنيه لنا اليوم ونحن نعيش واقعاً يموج بالفتن، وتتزاحم فيه التحديات، وتتصارع فيه مشاريع الهدم والبناء؟.

الإمام الحسين عليه السلام: الامتداد النبوي والقرين القرآني
الإمام الحسين عليه السلام هو امتدادٌ لجده المصطفى صلى الله عليه وآله، وهو وريث هديه، وحامل راية الإسلام، والقرين للقرآن الكريم في مسيرة الهداية، فهو مِن هداة الأمة، ودوره في مسيرة الهداية لهذه الأمة هو دور رئيسي وعظيم ومفصلي، وممتدٌ لكل الأجيال. من أجل هذا كانت النهضة الحسينية، ومن أجل هذا كان التحرك المبارك في تلك المرحلة الخطيرة والحسّاسة.

تحرك الإمام الحسين عليه السلام بمقتضى إيمانه العظيم، وبمقتضى الهداية الإلهية، وبمقتضى المسؤولية التي يستشعرها، وبمقتضى الدور المنوط به، فمن واقعه الإيماني العظيم، ومن موقعه في القدوة والقيادة والهداية، وبحكم اقترانه بالقرآن الكريم، اتخذ الإمام الحسين عليه السلام قراره، وحسم خياره في مواجهة الطغيان الأموي.

الانحراف يهدد هوية الأمة
كان الطغيان الأموي يمثل تهديداً حقيقياً للأمة في هويتها الإسلامية، وبالتالي في كل واقعها، وفي كل مسيرة حياتها، فكانت المعركة التي تحرك فيها الإمام الحسين عليه السلام معركةً على الهوية، وعلى الوجود، وعلى مستقبل الأمة. دعونا نتأمل معاً أبعاد هذه المعركة، لنفهم حجم الخطر الذي كان يحدق بالأمة، ولندرك عظمة الموقف الحسيني في التصدي له:

أولاً: إذا غُيّبت رسالة الإسلام من واقع الأمة، في ما تقدّمه من هدايةٍ ونور ومعرفةٍ صحيحة، وفي ما تصنعه من وعيٍ وبصيرة، هل يكون البديل إلا الضلال، والمفاهيم المعوجّة الظلامية، والباطل الذي يُلبّس ثوب الحق ويحمل عناوينه؟

إن الإسلام ليس مجرد طقوسٍ تؤدى، ولا شعاراتٍ ترفع، بل هو نورٌ يضيء القلوب، وبصيرةٌ تنير العقول، ومعرفةٌ تصحح المسارات. حين يغيب هذا النور تحل الظلمات، وتختلط الأمور، ويُلبس الباطل ثوب الحق، وتضِل الأمة طريقها.

ثانياً: إذا غُيّبت رسالة الإسلام من واقع الحياة كمنهجٍ تربويٍ وأخلاقيٍ يزكي النفوس، ويطهر القلوب، ويقوّم السلوك، ويصلح الأعمال، هل يكون البديل إلا السياسات والممارسات المفسدة للنفوس، والهابطة بالإنسان، والمنتجة للرذائل؟

إن الإسلام جاء ليُزكي النفوس ويُطهرها، ليُقوّم السلوك ويُصلح الأعمال، فحين يُغيّب هذا الدور تنهار الأخلاق، وتنتشر الرذائل، وتفسد النفوس، وتضيع القيم، ويصبح الإنسان أسيراً لشهواته ومطامعه.

ثالثاً: إذا غُيّبت رسالة الإسلام من واقع الحياة كمنهجٍ للعدل، هل يكون البديل إلا الظلم والجور، والإجرام والطغيان؟

العدل هو روح الإسلام، وهو قوام الحياة، حين يُغيّب العدل، يحل الظلم بكل صوره: ظلم الحاكم للمحكوم، وظلم القوي للضعيف، وظلم الغني للفقير، ويصبح الجور هو القانون، والطغيان هو السياسة، والإجرام هو الممارسة.

رابعاً: إذا غُيّبت رسالة الإسلام من واقع الحياة كمشروعٍ حضاريٍ يرتقي بالناس، ويبني الأمة لتؤدي دورها في الاستخلاف في الأرض، وعمارتها، وبناء الحياة في كل مجالاتها على أساس المبادئ والقيم الإلهية، والتعليمات والشرع الإلهي، هل يكون البديل إلا التخلف والضياع وغياب الهدف في مسيرة الحياة؟

إن الإسلام هو مشروعٌ حضاري شامل، يبني الإنسان، ويعمر الأرض، وينهض بالأمة، وحين يُغيّب هذا المشروع تتخلف الأمة، وتضيع أهدافها، وتغيب رؤيتها، وتصبح أسيرةً للتخبط والضياع.

خامساً: إذا غُيّبت الرسالة الإلهية من واقع الحياة في دورها الرئيسي الذي يحرر الإنسان من العبودية للطاغوت، ومن الاستغلال لمصلحة الأشرار والمستكبرين، هل يكون البديل إلا الاستعباد، والإذلال، والقهر، وامتهان الكرامة الإنسانية، والاستغلال الظالم؟

إن جوهر الرسالة الإلهية هو التحرير: تحرير الإنسان من عبادة الإنسان إلى عبادة ربّ الإنسان، وتحريره من الظلم والاستغلال، ومن كل أشكال القهر والطغيان، فحين يُغيّب هذا الدور يُستعبَد الإنسان، وتُنتَهك كرامته، ويُستغل في خدمة الطغاة والمستكبرين.

ومن هنا نعرف قضية الإمام الحسين عليه السلام، وماذا يعنيه لنا في مشروعه وحركته، فهو لم يقبل بالسكوت تجاه سعي الطغيان الأموي لتفريغ الإسلام من محتواه، وإحلال الموروث الجاهلي بديلاً عنه، مع إلباسه الأسماء والعناوين الإسلامية.

مخطط بني أمية إفراغ الإسلام من مضمونه
لقد أراد طغاة بني أمية أن يكون الإسلام مجرد عنوانٍ قابلٍ للتبديل في يومٍ من الأيام، وأن يكون إسلاماً لا يُحق حقاً، ولا يُبطل باطلاً، ولا يقيم عدلاً، ولا يصلح واقعاً، ولا يحل مشكلةً، ولا مشروع له في الحياة، ولا دور له في بناء الأمة، ولا يزكي النفوس، ولا يصنع الوعي، ولا يستبصر بنوره المجتمع، ولا يحرر الإنسان، فهم أرادوا أن تكون الأمة مدجَّنةً لهم، مستسلمةً لقهرهم، خاضعةً لطغيانهم.

وهذه السياسات التي اعتمدوا عليها لتحقيق هذا الهدف، عبّر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تحذيره للأمة منهم، في عباراتٍ جامعةٍ وعميقةٍ ومهمةٍ وشاملة، حين قال: “فقد اتخذوا دين الله دَغَلاً، وعباده خَوَلاً، وماله دُوَلاً”، فماذا يمكن أن يبقى للأمة بعد ذلك؟ وماذا يمكن أن يبقى بعد ذلك للإسلام من أثرٍ في واقع الأمة؟ إنها صورةٌ قاتمةٌ لأمةٍ فقدت دينها، واستُعبِد أبناؤها، ونهبت ثرواتها. أمةٌ تحول الإسلام فيها إلى أداةٍ في يد الطغاة، بدلاً من أن يكون منهج حياةٍ يحررها ويبنيها.

وهذه الحالة هي التي عبّر عنها الإمام الحسين عليه السلام بقوله: “ألا ترون أنَّ الحق لا يُعمل به، وأنَّ الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برماً”.

حين يغيب الحق ويحل الباطل
وعندما يغيب الحق من واقع الحياة فلا يُعمل به، ويحل الباطل بدلاً عنه فلا يُتناهى عنه يتغير واقع الحياة، فيصير مظلماً، ويحل مع الباطل الضلال، والظلم، والفساد، والمنكر، ولا يبقى للحياة قيمة، ويطغى الظلم، ويطغى الشر والإجرام.

لقد وصل تأثير الطغيان الأموي آنذاك في الساحة الإسلامية إلى مستوىً خطير، تجلى ذلك في حالة التخاذل، والخنوع، والاستسلام، والذلة، والتنصل عن المسؤولية، والرضا بالضعة والهوان لدى الكثير من أبناء الأمة، وكان الأخطر في ذلك كله أن طغاة بني أمية كانوا يعملون على تنفيذ مخططاتهم في الأمة من موقع السلطة، وبمقدرات الأمة، بعد أن تمكنوا من الوصول إلى هذا الموقع المهم نتيجةً للانحراف الخطير في واقع الأمة، فعظُمَ خطرهم، وتفاقم شرهم، وكبر إجرامهم، وخاف الكثير منهم، وباع البعض ذممهم وولاءاتهم لهم بالمال الرخيص وبالمناصب. إنها صورةٌ مأساويةٌ لأمةٍ استولى على سلطانها الطغاة، واستغلوا مقدراتها، وأخافوا أبناءها، واشتروا ولاءات رجالها، أمةٌ أصبح الإسلام فيها عنواناً بلا مضمون، وشعاراً بلا حقيقة.

الحسين يجسّد الإسلام الأصيل
وفي المقابل، كان تحرك الإمام الحسين عليه السلام يمثل الإسلام الأصيل في منظومته المتكاملة، ويجسد مبادئه وتعاليمه بالقول والفعل، فقدم نور الإسلام وبصيرته وهديه إلى الأمة، وحمل قضية الإسلام للأمة، وتحرك براية هذا الإسلام، وجسد مبادئه في موقفه، فإذا بنا نرى الإسلام الحق، إسلام القرآن، وإسلام محمد، ورسالة الله ديناً، حريةً وإباءً، لا يقبل بالعبودية للطغاة، ولا بالخنوع للمجرمين. وكانت صرخة هذا الإسلام في ميدان المواجهة، وكان خياره الحاسم يعبّر عنه الإمام الحسين عليه السلام بقوله: “لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرُّ إقرار العبيد”، إنها كلمةٌ خالدةٌ تجسد معنى العزة والإباء، وتؤكد أن المؤمن الحق لا يرضى بالذلة والهوان، ولا يقبل بالخنوع والاستسلام، مهما كانت التضحيات.

وكانت صرخته المدوية وموقفه الحازم يعبّران عنه قوله عليه السلام: “ألا وإنَّ الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، ونفوسٌ أبية، وأنوفٌ حمية”. إنها كلمات تفيضُ عزةً وإباءً، وتجسد روح الإسلام الحقيقي الذي يرفض الخضوع للظلم والطغيان، ويختار الموت الكريم على الحياة الذليلة. فإذا بنا نرى الإسلام يصنع الثبات والصمود، والتفاني والاستبسال، والتضحية والإيثار في أقسى الظروف وأصعب المراحل، وفي مواجهة أعتى التحديات، وببصيرةٍ ووعيٍ عالٍ، وفهمٍ صحيح، ونورٍ يكشف كل الظلمات.

كربلاء: حفظ الإسلام الأصيل واستمرارية الحق
لقد حفظ الله بتلك الجهود والتضحيات التي قدّمها الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره الأوفياء رضوان الله عليهم في كربلاء، استمراريةَ الإسلام الأصيل، وامتداد الحق قولاً وفعلاً، وهي تجسيد لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: “حسينٌ مني، وأنا من حسين، أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً، حسينٌ سبطٌ من الأسباط”، مع عظيم المنزلة عند الله، ورفيع الدرجات لديه.

المعركة مستمرة بين الحق والباطل
وقد استمرت المعركة، وامتد الصراع إلى اليوم بين معسكر الإسلام الأصيل ومعسكر النفاق والزيف، بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وهي اليوم تعنينا في عصرنا، وهي معركةٌ لا تقبل الحياد، فإما حقٌ وإما باطل، وما بينهما باطل. وإن شعبنا اليمني المسلم العزيز، يمن الإيمان، يمن الأنصار، قد حدد مساره، وحسم خياره وقراره في التمّسك بالإسلام في أصالته التي ثمرتها الحرية والاستقلال والكرامة، وهو يأبى الاستسلام والخنوع للطغيان اليزيدي المتمثل بأمريكا و”إسرائيل” وأدواتهم، ويأبى الانضمام إلى معسكر النفاق في الأمة المتمثل بالنظامين السعودي والإماراتي في ما يعملان له من تدجين الأمة لأعدائها، وتطويعها للمستكبرين.

وإن خيار الأمة الذي يحقق لها الاستقلال والحرية والخلاص من هيمنة الأعداء ومن التبعية لهم هو النهج الحسيني الذي يمثل الامتداد الأصيل للإسلام بكل نقائه وصفائه، ويمثل تجسيداً للقرآن، واتّباعاً حقيقياً، واقتداءً صادقاً برسول الله صلى الله عليه وآله، وهو الذي يمكن للأمة بثقافته أن تكون واعيةً مستبصرة، وبروحيته أن تكون عزيزةً أبيةً قويةً مستبسلة، وبأخلاقه وقيمه أن تحقق إنسانيتها، وترتقي في سلم الكمال الأخلاقي.

إنه المنهج الذي لا يقبل العبودية للطغاة مهما كان الثمن ومهما كان حجم التضحيات، هو منهج: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}، هو منهج: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، وهو منهج التضحيات التي تصنع النصر، وتصون الكرامة، وتحقق أسمى الأهداف. قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} صدق الله العلي العظيم.

الدروس من النهضة الحسينية
إن النهضة الحسينية هي مدرسةٌ خالدةٌ في التضحية والفداء، والثبات على المبدأ، ورفض الظلم والطغيان. إنها تعلمنا أن العزة في الانتماء لله، وأن الكرامة في رفض الذل، وأن النصر لا يقاس بعدد الرجال أو العتاد، بل يقاس بحجم الإيمان واليقين والتضحية في سبيل الحق. وتعلمنا أن القتل في سبيل المبدأ هو حياةٌ خالدة، وأن الحياة مع الظالمين هي موتٌ بطيءٌ لا خير فيه. وتعلمنا أن الأمة التي تنهض بواجبها، وتؤدي مسؤوليتها، وتستشعر دورها في التغيير، هي أمةٌ تستحق الحياة والنصر والتمكين. وتعلمنا أن الدم الذي سال في كربلاء كان ثمنَ بقاء الإسلام، وأنه لولا تلك التضحية الفريدة لكان الإسلام قد تحوّل إلى مجرد عنوانٍ فارغٍ لا روح فيه ولا حياة. وتعلمنا أن الحق والباطل لا يلتقيان، وأنه لا يمكن التوفيق بين الإسلام والطغيان، وبين الإيمان والخنوع، وبين العزة والذلة. وتعلمنا أن الأمة بحاجة إلى رجالٍ من طراز الحسين عليه السلام، يضحون بأنفسهم وأموالهم وأبنائهم في سبيل الله، ولا يخشون في الله لومة لائم، ولا يرضون بالذل والهوان. وتعلمنا أن النصر ليس دائماً بالفوز المادي في المعركة، بل أحياناً يكون النصر في صناعة الوعي، وإيقاظ الضمائر، وزرع بذور التغيير التي ستثمر في الأجيال القادمة. وتعلمنا أن الإسلام دينٌ لا يقبل الانفصام، فلا يمكن أن يكون إسلاماً بلا جهاد، ولا إيماناً بلا عمل، ولا عقيدةً بلا تضحية.