الإمام الحسين عليه السلام: ثورة المبادئ في وجه الطغاة عبر التاريخ

6

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
22 يونيو 2026مـ – 7 محرم 1448هـ

عندما نقف أمام شخصية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب “عليهم السلام”، سبط رسول الله محمد “صلى الله عليه وعلى آله وسلم”، وعلَم الهدى وقرين القرآن، فإننا نقف أمام نموذج فريد في التاريخ الإسلامي، نموذج تتجسد فيه معاني الإيمان العميق، والوعي الحاد، والمسؤولية العظمى. إن السؤال المحوري الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا المقام هو: ما الذي دفع الإمام الحسين عليه السلام إلى ذلك التحرك العظيم الذي ضحى فيه بنفسه، وبأسرته، وبأهل بيته، وبالبقية الباقية من أهل الوفاء الذين كانوا أوفياء معه؟ ما هو طبيعة ذلك التحدي الذي واجهه؟ وما هي الأخطار والأحداث التي أحاطت به وفرضت عليه هذا الموقف؟.

الانحرافات الكبرى ووصول الطاغية إلى سدة الحكم
حينما نعود إلى تاريخ الأمة ونتأمل في مسيرتها بعد عصر النبوة، نجد أن الانحرافات الكبرى التي عصفت بالأمة قد نتج عنها أمر خطير للغاية، تمثل في وصول شخص مجرم ظالم مستكبر طاغية إلى موقع القرار، إلى موقع السلطة والحكم، أميراً على الأمة وقائداً لها وزعيماً وسلطاناً عليها. هذا الشخص هو يزيد بن معاوية الذي كان مستهتراً بالإسلام جملة وتفصيلاً، لا قيمة عنده لشيء في الإسلام ولا من الإسلام، مستهتراً حتى برسول الإسلام الذي بُني الإسلام على يديه، وحتى بالقرآن الكريم الذي هو دستور الأمة ومنهاج حياتها.

لقد كان يزيد مستهتراً بالأمة الإسلامية كلها، يرى فيها الرعية عبيداً، يراها أمة يجب أن يركعها له وأن يخضعها له وأن يستعبدها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. كان يريد أن يحول الأمة الحرة التي حررها الإسلام من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده، إلى أمة من العبيد والأذلاء الذين لا قرار لهم ولا إرادة.

إن وصول هذا الطاغية نتيجة تلك الانحرافات السابقة كان يمثل خطورة كبيرة جداً على الأمة في كل شيء، ابتداءً من هويتها الإسلامية ومبادئها وقيمها وأخلاقها. لقد كان يمثل خطورة حقيقية على الإسلام كله جملة وتفصيلاً، خطورة تترتب عليها نتائج كارثية في واقع الأمة، يترتب عليها هدم حقيقي لكل الجهود التي كان قد بذلها وقدمها رسول الله محمد “صلوات الله عليه وعلى آله وسلم” ومن معه من المؤمنين، كان ذلك يعني ذهاب كل تلك التضحيات سدى، واستئنافاً للجاهلية بشكل أبشع وأسوأ مما كانت عليه، وبشكل فظيع في واقع الأمة من جديد.

بصيرة الإمام الحسين وتشخيصه للخطر
في مواجهة هذا الواقع الخطير، كان الإمام الحسين “عليه السلام” ببصيرته العالية، بعلمه، بفهمه الصحيح، وهو قرين القرآن الكريم كما وصفه جده المصطفى، قد شخص حقيقة الخطر ومستوى الخطر. لقد أدرك الإمام بعمق أن المسألة ليست صراع على سلطة أو نزاع على ملك، وإنما هي معركة وجود ومصير تتعلق بهوية الأمة وكيانها الرسالي.

وعلى أساس هذا التشخيص الدقيق، اتخذ الإمام الحسين عليه السلام قراره في طبيعة الموقف، فتحرك. لم يقبل أبداً بالبيعة ليزيد، ولم يقبل أبداً بالخنوع والسكوت والجمود، لأنه كان يدرك مدى خطورة ذلك على مستقبل الإسلام والأمة. إن إيمانه العميق، وعزته النابعة من إيمانه، وقيمه التي تشبع بها، ونفسيته العظيمة التي ارتبطت بالله “سبحانه وتعالى” ارتباطاً وثيقاً، كل ذلك كان يأبى له أن يسكت أو أن يخضع أو أن يستسلم أو أن يتقبل بهذا الواقع السيء.

وكانت مسؤوليته من موقعه تجاه أمة جده تفرض عليه أيضاً أن يتحرك في أوساط الأمة، وأن ينادي بأعلى الصوت وبكل قوة بالموقف الحق، وأن يدعو الأمة إلى التحرك الصحيح لرفض كل ذلك الباطل السيء الذي يراد له أن يفرض عليها وأن يتحكم بها.

لقد تحرك الإمام الحسين “عليه السلام” عن وعي كامل، عن بصيرة نافذة، عن قناعة راسخة لا تتزعزع، تحرك بحركة القرآن، بما يمليه عليه القرآن الكريم، بما تمليه عليه هويته الإيمانية وارتباطه الوثيق بالله، وبما تفرضه عليه المسؤولية العظمى الملقاة على عاتقه، تحرك بكل عز، وبكل إباء، وبكل شموخ، وهو يعلنها صريحة واضحة في وجه الطاغية وأعوانه: “ويزيد فاسق فاجر، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله”.

الإسلام الأموي: تشويه للهوية وتفريغ للمحتوى
لقد رأى الإمام الحسين “عليه السلام” بعين البصيرة أن الحالة الجديدة التي سادت في واقع الأمة وفي أوساطها، بكل ما تمثله من خطورة رهيبة، إنما تمثل شكلاً جديداً للإسلام، ليس هو الإسلام المحمدي ولا الإسلام القرآني، إنه الإسلام بلباسه الأموي، بثوبه الأموي الجديد، إنه ثوب النفاق، ثوب الضلال الذي يريد أن يسود في واقع الأمة، ليحل محل الإسلام الأصيل الذي جاء به النبي الخاتم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم.

هذا الإسلام المزيف لا يبقى منه إلا شكليات مجيرة بما يخدم الظالمين، مجيرة فيما يفيدهم ويدعم موقفهم. تبقى المساجد والمنابر والمال العام لخدمتهم، وبعض العناوين الدينية التي تفرغ من محتواها الحقيقي، ثم تضمن بمحتوى آخر هو باطل و ضلال و فساد. يبقى العنوان عنواناً إسلامياً، بينما المضمون مضمون أموي نفاقي، كله ضلال و طغيان و انحراف بالأمة.

لقد عبر الإمام الحسين عليه السلام عن هذا الواقع المر، المأساوي، بقوله وهو ينادي في أوساط الأمة محذراً ومبصراً: “ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه”. إن الحق يزاح من واقع الحياة، يبقى الإسلام بدون حق. وأي إسلام هذا الذي أزيح منه الحق؟! الحق بكل تفاصيله: الحق في عقيدة الأمة، في ثقافة الأمة، الحق في سياسة الأمة، الحق في العمل والحق في الموقف والحق في السلوك. الحق يزاح من واقع الحياة، فيبقى الإسلام وقد أزيح عنه الحق مجرد عناوين شكلية مجيرة لصالح الطغاة والمستكبرين.

أما الباطل فهو الذي يسود ويحضر، تحت غطاء العناوين الإسلامية. تحته الباطل بكل تفاصيله: الباطل ظلم، الباطل فساد، الباطل منكر، الباطل بكل ما يشمل ويتضمن. حينئذ تكون العملية عملية مسح لهوية الأمة، وعملية تفريغ للدين الإسلامي من محتواه الفاعل والحيوي والمهم والبناء والمفيد في واقع الحياة. هذا هو الواقع الذي رأينا آثاره السيئة في واقع الأمة على مدى تاريخها وإلى ما وصلت إليه اليوم، وهو واقع مأساوي ومرير.

المسؤولية الدينية في مواجهة سلاطين الجور
كان موقف الإمام الحسين “عليه السلام” تجسيداً حياً لتعاليم الإسلام وأوامره. لقد قال الإمام للأمة معلناً المبدأ الذي انطلق منه، مستشهداً بقول جده رسول الله محمد “صلوات الله عليه وعلى آله”: “أيها الناس، إن رسول الله قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله”.

إن هذا الحديث الشريف يضع الأمة أمام مسؤوليتها الدينية الكاملة فانتماؤنا للإسلام، يفرض علينا كفرض ديني ومسؤولية دينية أن لا نذعن، وأن لا نستكين، وأن لا نخنع لسلاطين الجور، لزعماء الطغيان والظلم والفساد والإجرام.

وحينما يكون من يحكم الأمة، من هو في موقع الزعامة والقرار والسلطة، سلطاناً جائراً لا يلتزم بالعدل، يعتمد على الجور في ممارساته وحكمه ومواقفه وإدارته للأمة، ثم هو مستحل لما حرم الله، ليس عنده ضوابط ولا قيود أبداً، ولا حرمة لحرم الله، فإن الواجب يفرض التحرك ضده.

الامتداد المعاصر: الطغيان اليزيدي في العصر الحديث
إن هذه النماذج من الطغاة والمستكبرين هي التي نراها اليوم ماثلة أمامنا، وهي النماذج التي تحاصر وتعتدي اليوم على بلدنا اليمن. إن بلدنا اليوم يراد له أن ينسلخ من كل هذه المبادئ والقيم، لأنها هي التي تمثل ضمانة لتماسكه ولثباته ولصلابة موقفه. اليوم، ما يمكن أن يحفظ الأمة، وما يمكن أن يكون ضمانة لتماسك الأمة، وما يمكن أن تعتمد عليه الأمة لنيل حريتها واستقلالها، هي هذه المبادئ، مبادئ الإسلام الحقيقي التي نادى بها الإمام الحسين عليه السلام. وإن الاستفادة من الإمام الحسين “عليه السلام” قدوة وأسوة، ومن أصحابه الأوفياء والصامدين والثابتين، هي ضرورة ملحة في مواجهة التحديات الراهنة.

اليوم، شعبنا اليمني يواجه الطغيان اليزيدي متمثلاً في النظام السعودي، وفي الإدارة الأمريكية التي تشرف على هذا العدوان وتديره بكل تفاصيله. إن شعبنا اليمني العزيز ذنبه الكبير الذي يعاقب عليه من جانب أولئك هو الهوية، الانتماء، المبادئ، القيم والأخلاق، لأن الذي يريده منا أولئك، ما يريده منا النظام السعودي اليوم ضمن السياسة الأمريكية والتوجيه الأمريكي والتدبير الأمريكي، هو ما أراده يزيد آنذاك من الأمة: الاستعباد، الإذلال، القهر، الإهانة.

هذا هو الذي يريدونه منا، يريدون منا أن نتعطل تماماً من كل مبادئنا، من كل قيمنا، وأن نخضع أنفسنا بالمطلق لإرادتهم وتوجهاتهم وسياساتهم وإملاءاتهم، وأن نجعل من أنفسنا عبيداً كما استعبد يزيد الأمة آنذاك. وكما فرض يزيد على الأمة وهو يقاتلها ويعتدي عليها في مدينة الرسول محمد “صلوات الله عليه وعلى آله” أن يبايع كل منهم على أنه عبد قن ليزيد بن معاوية، فاليوم هذا الذي يريدونه منا: أن نكون عبيداً أذلاء مقهورين خانعين خاضعين مستكينين، لا قرار لنا ولا إرادة لنا ولا حرية لنا، وأن يكونوا هم من يقررون ما يشاءون ويريدون علينا.

إنهم لا يريدون لشعبنا اليمني أن يكون حراً في أي شيء أبداً، لا في من يحكمه، ولا في سياساته، ولا في توجهاته، ولا أن يكون له أبداً حق اتخاذ القرار، بل أن يكون هو كشعب، وأن يكون البلد كبلد، والمنطقة كمنطقة، والجغرافيا كجغرافيا، والثروة كثروة، كل ذلك خاضعاً لهم وخاضعاً لإرادتهم. فهل يمكن منا أن نقبل بذلك؟! إذا قبلنا بذلك فمعناه الهوان في الدنيا والآخرة، معناه الخسران المبين، معناه أن نكون في حال قد فقدنا فيه حتى إنسانيتنا.

الإسلام دين العزة والحرية والكرامة
إن من لا يقبل بالحرية ويتمسك بها، ويقبل بالعبودية لمجرمين طغاة مستكبرين فاسدين ظالمين سيئين، معناه أنه قد تفرغ من إنسانيته تماماً حتى قبل بذلك، وحتى استساغ ذلك، وحتى رضي لنفسه بذلك. ومعناه أنه خسر الدنيا والآخرة، ومعناه أنه انسلخ من مبادئ الإسلام وقيم الإسلام ومن أخلاق الإسلام التي من أهمها العزة.

إن الإسلام أتى ديناً ليحررنا، هذا من أهم ما في الإسلام. وبدون ذلك هو إسلام لا حقيقة له، لا أصل له، إسلام مفرغ، إسلام للطغاة والمجرمين والمستكبرين. من أهم ما في الإسلام هو هذا: أنه يحررنا من العبودية لكل أحد إلا لله رب العالمين. إنه دين لإقامة العدل في الحياة، وأولئك جعلوه عناوين يمارسون من خلالها كل أشكال الظلم وكل أنواع الجرائم وأفظع الجرائم، أولئك أرادوا للإسلام أن يكون قناعاً للطغاة والمجرمين والمفسدين، وأن يكون ثوباً لهم منه لونه، أما الحقيقة فمفرغة تماماً منه.

نحن بحكم قيمنا، بحكم فطرتنا، بحكم مبادئنا وأخلاقنا، لا يمكن على الإطلاق أن نقبل بأن نخسر الدنيا والآخرة، بأن نسبّب لأنفسنا سخط الله تعالى في مقابل الاسترضاء والإذعان والخنوع والعبودية للمجرمين الطغاة المفسدين المستكبرين.

الجرائم المرتكبة بحق الشعب اليمني
لا يمكن أبداً، ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن نذعن وأن نخنع لمن ارتكب أبشع الجرائم بحقنا كشعب يمني مسلم، بالغيرة الإنسانية، بالفطرة الإنسانية. لقد قتلوا منا كشعب يمني الآلاف من أطفالنا ونسائنا وكبارنا وصغارنا. وأكثر القبائل اليوم، أكثر المناطق اليوم، لها مقابر شهداء قتلوهم بالطائرات. قتلونا في كل مكان: قتلونا في بيوتنا، قتلونا في مساجدنا، قتلونا في أسواقنا، قتلونا في طرقاتنا. قتلوا التاجر وقتلوا الفلاح وقتلوا العامل وقتلوا المصلي، وقتلوا الطبيب والمريض في المستشفى، وقتلوا الكبير والصغير. لم يرعوا أي حرمة، واستباحونا بكل أشكال الاستباحة، وبكل احتقار وطغيان وتكبر وتعال.

بعد كل هذا، وبعد كل الذي فعلوه بنا، هل يمكن إلا أن نزداد ثباتاً وقناعة في موقفنا؟ هل يمكن إلا أن نكون اليوم أكثر قناعة وإيماناً، وأكثر وعياً وبصيرة في ضرورة التصدي لهم؟ لقد كشفوا عن حقيقتهم لنا بكل ما هم عليه، كشفوا عن حقيقتهم السيئة جداً والقبيحة جداً، عن أنهم ظالمون مجرمون متكبرون متغطرسون، وأنهم لا يرعون لهذا الشعب بكل أبنائه حرمة ولا أي قدر ولا أي اعتبار أبداً. إن الاستهتار بهذا الشعب قد بلغ منتهاه، وهذه حقيقة واضحة، كل الشواهد عليها دامغة وبينة ولا التباس أبداً في ذلك.

الاستلهام من عزم الحسين في مواجهة العدوان
بعد كل هذا، الذي يفترض بنا كشعب نقول عن أنفسنا ونفتخر بما قاله الرسول فينا: إننا يمن الإيمان، أن نتحرك بصلابة، أن نكسب من عزم الحسين “عليه السلام” عزماً قوياً، حتى نحمل الإرادة التي لا تنكسر أبداً مهما بلغ الجبروت، ومهما بلغ حجم الطغيان والظلم، مهما فعلوا ومهما عملوا. بحكم هذا الإيمان، علينا أن نكون عند قول الله “سبحانه وتعالى”: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: من الآية175]. (إن كنتم مؤمنين)، فهذا الذي يجب أن نكون عليه: أن لا نخاف منهم، وأن لا نبالي بهم ولا بجبروتهم، وأن لا نكترث لهم أبداً، وأن نتحرك بكل جدية وبكل إباء وبكل عزم وبكل استبسال في مواجهتهم.

إننا بذلك ندافع عن مبادئنا، عن قيمنا، عن أخلاقنا، عن حريتنا، عن إنسانيتنا، عن كرامتنا، عن عزتنا. وإلا لو نذعن، لو نخنع، لو نستسلم، لو نتهاون، حينها نكون قوماً بلا كرامة، قوماً بلا شرف، قوماً بلا عزة، قوماً لا خير فيهم، رضوا لأنفسهم بالدونية، رضوا لأنفسهم بالاستسلام، رضوا لأنفسهم بالعجز، رضوا لأنفسهم بالذل.

معاول الهدم: قرن الشيطان ومحاولة تدمير المبادئ والقيم
ونحن اليوم نواجه في هذا العدوان على أساس من مبادئنا وعلى أساس من قيمنا، كما أن الآخرين المعتدين، قرن الشيطان النظام السعودي، يتحرك وهو قبل أن يستهدفنا في حياتنا قتلاً وسفكاً لدمائنا وهدمًا لمنازلنا وتدميراً لمنشآتنا، هو قبل ذلك يستهدفنا ويستهدف الأمة من حولنا في المبادئ والقيم.

اليوم يحمل النظام السعودي، قرن الشيطان، راية النفاق في الأمة، ويحمل بيديه وكلتاهما شمال، معولي هدم يهدم بهما في داخل الأمة. والذي هدمه قبل المباني وقبل المنشآت وقبل الجسور والطرقات وقبل المدن والقرى، هدم المبادئ في هذه الأمة وفي داخلها، وهدم القيم. يتحرك بمعولي هدم:

أحدهما يلبسه لباس الدين، وهو عبر النشاط التكفيري، النشاط التكفيري والتحرك التكفيري في أوساط الأمة. معول هدم يتحرك به النظام السعودي تحت إدارة أمريكا وإشراف أمريكا ورعاية أمريكا وتوجيه أمريكا. معول هدم يضلل الأمة، يسلخها ويخرجها من مبادئها الحقيقية، ينشر الضلال ويحاول أن يعمم ظلامه في كل أوساط الأمة. هو معول هدم للأفكار، للبصائر، للأخلاق، للقيم.

أما معول الهدم الآخر، باليد الأخرى، فهو محاولة الإفساد، إفساد النفسيات، التحلل من الأخلاق والقيم، وبغير العنوان الديني طبعاً. جانب انحلالي، جانب آخر، جانب غلو وعتو وتزييف للدين بعناوين الدين وبمسميات الدين. أما العنوان الآخر فخروج وانسلاخ صريح عن الدين في مبادئه، عن الإسلام في قيمه، في أخلاقه، في دوره الحضاري في الحياة. حالة الانحلال، الإفساد للنفسيات، أن يحولك إلى إنسان ليس عندك من الإسلام أي شيء مهم، لا إنسان مبدئي، لا تنتمي لأي مبادئ ولا تبالي بأي مبادئ ولا أخلاق ولا قيم، لا يحفظك شيء، لا يصونك شيء، لا يبعدك ويحصنك من الاستعباد لك ومن الاستغلال لك أي شيء. لأن أهم ما يحصن الإنسان وما يحمي هذا الإنسان من الاستعباد والاستغلال هي المبادئ والقيم. بعد أن يفرغ منها يصبح جاهزاً تماماً للاستغلال.

بين السلة والذلة: خيار العزة والكرامة
ولذلك، نحن اليوم كشعب يمني معنيون، بحكم انتمائنا، بحكم هويتنا، وبما يرتبط به هذا الانتماء من منهج من تعليمات من مبادئ من قيم من أخلاق… برموز الإسلام الذين قدموا الصورة الحقيقية فيما قالوا وفيما فعلوا وفي سلوكهم وفي مواقفهم عن الإسلام، رسول الله محمد “صلى الله عليه وعلى آله وسلم” وورثته الحقيقيين الهداة في هذه الأمة، الذين يمثلون جوهر الإسلام وحقيقة الإسلام.

ومن هؤلاء الإمام الحسين “عليه السلام” الذي قال عنه الرسول “صلى الله عليه وعلى آله وسلم”: “حسين مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط”. الإمام الحسين “عليه السلام” حينما وقف في المقام الذي خير فيه بين السلة وبين الذلة، قال “عليه السلام” كلمته الخالدة التي تتناقلها الأجيال: “ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة، والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام، على مصارع الكرام”.

لن تفرض علينا الظروف، ولن تضغطنا التحديات، ولن تؤثر علينا الوقائع، لتركعنا أو تحملنا لطاعة اللئام. لأن طاعة اللئام لؤم، خسة، انحطاط، تجرد من الإنسانية، خروج عن نهج الحق، خسران في الدنيا وخسران في الآخرة. طاعة اللئام في ماذا؟ ما الذي يريده منا اللئام أن نطيعهم فيه؟ كل ما يريدون أن نطيعهم فيه هو معصية لله، هو انحطاط من الكرامة، هو خروج ونزول عن العزة، لؤم بكل ما تعنيه الكلمة.

معركة المبادئ والهوية
نحن اليوم، وفي هذا المكان، وفيما نواجهه من تحدٍ كشعب مسلم مضطهد مظلوم، ننطلق ومنطلقاتنا هي ذات المنطلقات التي انطلق منها الإمام الحسين “عليه السلام”. منطلقات مبادئ وقيم، ليست مسألة قائمة على أساس المراوغات السياسية ولا المزايدات السياسية ولا المكاسب السياسية المجردة التي لا ارتباط لها لا بمبادئ ولا بقيم. معركتنا هي معركة مبادئ قبل أي شيء، وهوية وانتماء.

الثبات على نهج الحسين عليه السلام
إن المسيرة مستمرة، وإن الاختبار كبير، وإن التحديات عظيمة، ولكن الثبات على المبادئ، والتمسك بالقيم، والاقتداء بالإمام الحسين “عليه السلام” في عزمه وصموده وثباته، هو الطريق الوحيد للخروج من هذا النفق المظلم، وهو الضمان الوحيد لعزة الأمة وكرامتها وحريتها. إن التاريخ يعيد نفسه، وإن الطغاة يتشابهون في أساليبهم وغاياتهم، ولكن الأحرار في كل زمان ومكان هم الذين يقفون في وجوههم، متمثلين قول الحسين عليه السلام: “هيهات منا الذلة”، ليؤكدوا أن دماء الشهداء والتضحيات الجسام لن تذهب سدى، وأن النصر في نهاية المطاف هو حليف المؤمنين الصادقين الذين لم تغيرهم الأهوال، ولم تثنهم التحديات عن المضي في طريق الحق والعدالة والحرية.