باحثون ومحللون سياسيون: العدو الإسرائيلي يعرقل المفاوضات مع إيران وطهران تتعامل بقدر عال من الحذر
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
21 يونيو 2026مـ – 6 محرم 1448هـ
تقريــر || محمد ناصر حتروش
يوصل العدو الإسرائيلي محاولاته الدؤوبة لعرقلة المفاوضات الجارية بين أمريكا وواشنطن والتوصل إلى اتفاق ينهي العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ويعمل الكيان على استمرار العدوان على لبنان كضغط متواصل لإفشال الاتفاق، حيث تتواصل الخروقات والاعتداءات الصهيونية على المناطق اللبنانية بالتوازي مع استمرار المفاوضات بين أمريكا وإيران.
وارتكب جيش الاحتلال أكثر من 300 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير الموقع بين واشنطن وطهران، ما أسفر عن ارتقاء أكثر من 111 شهيداً و176 جريحاً.
وبحسب وسائل الإعلام اللبنانية، فقد نفذ جيش العدو غارات مكثفة استهدفت مناطق عدة في الجنوب والبقاع، تجاوز عددها 106 غارات في يوم واحد، إضافة إلى محاولات توغل وتحركات ميدانية على الحدود الجنوبية.
ويرى الباحث في الشؤون الإقليمية نجاح محمد علي أن إيران تعمل على ترسيخ معادلة سياسية جديدة تقوم على ربط أي تقدم في المسار التفاوضي بوقف الاعتداءات على لبنان وتنفيذ الالتزامات المتفق عليها، محذراً من أن استمرار الخروقات من شأنه أن ينسف فرص تطوير المذكرة وتحويلها إلى اتفاق نهائي قابل للحياة.
ويشير في حديثه لقناة “المسيرة” إلى أن الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها المجرم ترامب، تجد نفسها أمام حاجة متزايدة لإنجاح هذه التفاهمات في ظل الضغوط الداخلية والاستحقاقات السياسية التي تواجهها، فضلاً عن تنامي التباينات مع عدد من الحلفاء الأوروبيين واستمرار الجدل بشأن العلاقة مع الكيان الصهيوني، مبيناً أن إيران لا تتجه نحو إغلاق مضيق هرمز بصورة كاملة، وإنما تمارس قدراً أكبر من التحكم في إدارته وحركة العبور عبره، مستفيدة من موقعه الجيوسياسي كورقة ضغط استراتيجية تسهم في ضمان تنفيذ الالتزامات قبل الانتقال إلى مراحل تفاوضية أكثر تقدماً.
ويعتبر أن القيادة الإيرانية تسعى إلى اختبار مدى جدية الجانب الأمريكي في الوفاء بتعهداته، بالتزامن مع استثمار التباينات القائمة بين واشنطن والكيان الصهيوني، بهدف تحويل المكاسب السياسية التي أفرزتها مذكرة التفاهم إلى مكتسبات استراتيجية طويلة الأمد.
ووفقاً للباحث نجاح فإن العامل الاقتصادي يأتي كأحد أبرز الأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى مراجعة عدد من أهدافها السابقة تجاه إيران، موضحاً أن طهران نجحت في توظيف أدوات الضغط الاقتصادي بصورة أثرت على المشهد الداخلي الأمريكي وعلى شعبية ترامب والحزب الجمهوري، لافتاً إلى أن هذه الضغوط تؤثر بشكل مباشر على تعميق الشرخ والتباين بين واشنطن والكيان الصهيوني، وهو ما يمنح إيران مساحة أوسع للحركة السياسية والمناورة خلال المرحلة المقبلة.
ويلفت إلى أن القيادة الإيرانية تواصل التركيز على تعزيز توازن الردع والحفاظ عليه، انطلاقاً من قناعة مفادها أن القدرات الصاروخية والعسكرية المتطورة تمثل ضمانة أساسية لحماية أي تفاهمات سياسية ومنع العودة إلى سياسات الضغط أو خيارات التصعيد العسكري.
أما فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فيرى الباحث نجاح أن واشنطن دأبت تاريخياً على النظر إلى الكيان باعتباره أداة لحماية المصالح الغربية، غير أن التطورات الأخيرة أظهرت تحولات لافتة جعلت من الكيان عبئاً متزايداً على الإدارة الأمريكية في عدد من الملفات الحساسة، منوهاً إلى أن الظروف الراهنة تدفع الولايات المتحدة نحو ممارسة المزيد من الضغوط على الكيان الصهيوني من أجل الالتزام بالتفاهمات القائمة، معتبراً أن هذا السلوك يبقى مرتبطاً بظروف المرحلة الراهنة وقد لا يكون ثابتاً على المدى البعيد.
ويلفت إلى أن الكيان الصهيوني قد يقدم على خطوات تستهدف إفشال مذكرة التفاهم أو تعطيل الوصول إلى اتفاق شامل، مؤكداً أن إيران وقوى محور المقاومة تتعامل مع هذه الاحتمالات بقدر عالٍ من الحذر، وترفض تحويل المفاوضات إلى مجرد فرصة لإعادة ترتيب القدرات استعداداً لجولات صراع جديدة.
ويشير إلى أن التقارير الأمريكية التي تتحدث عن تراجع المخزون العسكري ونقص الذخائر، في مقابل استمرار إيران في تطوير وإنتاج الصواريخ الباليستية، تكشف جانباً مهماً من الدوافع التي تقف وراء قبول واشنطن بالتفاهمات الحالية، مشدداً على أن طهران تبقي حالة الجهوزية قائمة وتتعامل مع المرحلة الراهنة وفق معادلة تجمع بين الحذر الاستراتيجي والحفاظ على عناصر الردع.
محاولات صهيونية لعزل جبهة لبنان
وفي موازاة التصعيد الميداني، تواصل قوات العدو الإسرائيلي معارضة أي تفاهمات بين طهران وواشنطن خشية أن تؤدي إلى تعزيز قدرات إيران وحلفائها وترسيخ توازنات ردع جديدة.
ويكثف كيان العدو الإسرائيلي ضغوطه السياسية والإعلامية داخل الولايات المتحدة بهدف الحد من أي مكاسب استراتيجية قد تحققها طهران، بما يخدم مساعيها لتفكيك ترابط جبهات المقاومة والتعامل مع كل ساحة على حده.
وحول هذا الشأن، يرى الكاتب والباحث السياسي زهير مخلوف أن مبدأ وحدة الساحات يفرض نفسه بوصفه القاعدة الناظمة لمذكرة التفاهم، لافتاً إلى أن وقف الحرب على لبنان يتصدر أولويات البنود التي تسعى إيران إلى تثبيتها ضمن المسار التفاوضي الجاري، بما يعكس ارتباط الملفات الإقليمية بعضها ببعض في إطار رؤية موحدة.
ويوضح في حديثه لقناة “المسيرة” أن الكيان الصهيوني يواصل العمل على إعاقة أي فرصة للانفراج السياسي في المنطقة عبر تصعيد عملياته العسكرية واستمرار اعتداءاته الميدانية، مشيراً إلى أن تواصل الغارات وسقوط المزيد من الضحايا يكشف عن مساعٍ حثيثة لإفراغ المذكرة من محتواها العملي وتحويلها إلى التزامات شكلية تفتقر إلى آليات التنفيذ.
ويبين أن الموقف الإيراني لا ينفصل عن مبدأ التنفيذ الفعلي للالتزامات، إذ تربط طهران المضي في المسار التفاوضي بترجمة بنود المذكرة على أرض الواقع، رافضة التعاطي مع تفاهمات لا تتجاوز حدود النصوص المكتوبة.
ويضع مخلوف مضيق هرمز في صدارة أدوات التأثير الاستراتيجية التي تمتلكها إيران، موضحاً أن أهمية المضيق لا تنبع من موقعه الجغرافي فحسب، وإنما من دوره المحوري في حركة الطاقة والتجارة الدولية، ما يجعله أحد أبرز مفاتيح التأثير في المعادلات الاقتصادية العالمية.
ويشدد على أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق من شأنه أن ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي يمنح إيران قدرة مؤثرة على الضغط ودفع الأطراف المعنية نحو الالتزام بمقتضيات التفاهمات القائمة.
ويلفت إلى أن طهران، رغم ما تحققه من مكاسب سياسية واقتصادية عبر مذكرة التفاهم، ما تزال متمسكة بدعم حلفائها وجبهات المقاومة، معتبراً أن هذا السلوك يجسد عملياً مفهوم وحدة الساحات ويؤكد حضوره في السياسات الإقليمية الإيرانية، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة أظهرت مستوى متقدماً من التنسيق بين أطراف محور المقاومة، سواء في إسناد غزة أو في دعم لبنان، وهو ما يعزز تماسك هذا المحور ويرفع من قدرته على مواجهة التحديات والمتغيرات الميدانية.
ومن زاوية أخرى، يرى أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يواجهان ضغوطاً متنامية تدفعهما إلى التعامل مع الاشتراطات المرتبطة بوقف العدوان، محذراً من أن أي محاولة للالتفاف على هذه الالتزامات ستبقي عوامل التوتر قائمة وتهدد فرص نجاح التفاهمات.
أما على المستوى العسكري، فيؤكد أن المواجهات الأخيرة أفضت إلى استنزاف ملموس في المخزون الاستراتيجي الأمريكي والصهيوني، الأمر الذي حدّ من فاعلية أدوات التهديد التقليدية وأضعف قدرتها على فرض الوقائع كما كان يحدث في مراحل سابقة.
ويفيد بأن التقلبات التي تشهدها أسواق النفط والاقتصاد العالمي تكشف عن ضغوط استراتيجية متزايدة تواجهها واشنطن، بما ينعكس بصورة مباشرة على قدرتها في إدارة الصراع وفق الشروط التي اعتادت فرضها.
وفي قراءته لمعادلات الردع، يوضح مخلوف أن إيران تستند إلى منظومة متكاملة من عناصر القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية، مؤكداً أنها لا تزال تحتفظ بأوراق تأثير إضافية لم توظفها حتى الآن ضمن مسار المواجهة، مؤكداً أن إيران تمتلك أوراقاً تمتد إلى ممرات ومواقع استراتيجية ذات تأثير مباشر على حركة التجارة والطاقة والاتصالات العالمية، بما يوفر لطهران خيارات واسعة في إدارة أي تصعيد محتمل.
ويشير إلى أن القدرات التي يمتلكها حزب الله، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والوسائل القتالية المتطورة، أثبتت فاعليتها خلال المواجهات وأسهمت في إحداث تحولات ملموسة في معادلات الاشتباك.
ويعتبر أن تصاعد الانتقادات داخل الكيان الصهيوني تجاه حكومة بنيامين نتنياهو يعكس حجم الإخفاقات التي تواجهها القيادة الإسرائيلية، ويكشف عن تنامي مستويات القلق داخل الأوساط السياسية والإعلامية هناك.
وبحسب مخلوف فإن معادلات الصراع الراهنة ترتبط بمنظومة أوسع تشمل الاقتصاد والسياسة ووحدة الساحات وموازين الميدان، معتبراً أن تفاعل هذه العوامل مجتمعة يسهم في تعميق التباينات بين واشنطن والكيان الصهيوني ويعيد تشكيل توازنات القوة في المنطقة.
