خسائر متصاعدة في جنوب لبنان وتآكل أوراق العدو الصهيوني السياسية والعسكرية

2

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

21 يونيو 2026مـ – 6 محرم 1448هـ

تتواصل التطورات الميدانية والسياسية في لبنان والمنطقة وسط تداخل الحسابات العسكرية مع رهانات التفاوض والتحولات الإقليمية المتلاحقة، وفي الوقت الذي يواصل فيه العدو الإسرائيلي عملياته العسكرية ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، تتزايد المؤشرات التي تتحدث عن تعثر أهدافه المعلنة واتساع حجم التحديات التي تواجهه على المستويات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار المواجهة المفتوحة بين محور المقاومة والمشروع الصهيوني المدعوم غربياً، في ظل وجود ملفات شديدة الحساسية تتصل بمستقبل التفاهمات الإقليمية ومسار العلاقات الأمريكية الإيرانية وانعكاسات الوضع الميداني في جنوب لبنان على جميع معادلات المنطقة.

وفي هذا السياق يؤكد مدير مركز الدراسات الأنثروستراتيجية، العميد نضال زهوي، أن قوات العدو الصهيوني نفذت تسع عشرة محاولة للسيطرة على منطقة الطاهر، غير أن جميع تلك المحاولات تنتهي بالإخفاق نتيجة التحصينات التي تنشئها المقاومة الإسلامية واعتمادها منظومة دفاعية متماسكة.

ويوضح في مداخلة له على قناة “المسيرة” أن المقاومة تعتمد في إدارة المعركة على استدراج القوات المهاجمة إلى مناطق قتل وكمائن محكمة قبل وصولها إلى النقاط الرئيسية والاستراتيجية، الأمر الذي يؤدي إلى إيقاع خسائر كبيرة في صفوف قوات العدو.

ويشير زهوي إلى أن بعض الدبابات المستهدفة تبقى خارج سيطرة العدو الصهيوني وتظل في قبضة المقاومة، لافتاً إلى وجود دبابة ما زالت تضم قتلى من جنود العدو ولم تتمكن قواته من استعادتها، منوهاً إلى أن هذه العمليات تساهم في ترسيخ معادلة ردع مؤثرة رغم اعتماد كيان العدو على كثافة نارية غير مسبوقة بهدف تأمين وصول دباباته إلى مرتفعات علي الطاهر.

ويبين أن تمركز القدرات العسكرية للمقاومة بصورة يصعب كشفها أو تحديد مواقعها يحول دون نجاح عمليات العدو الصهيوني، حيث تعجز قواته عن معرفة أماكن انتشار عناصر المقاومة أو طبيعة مواقعها الدفاعية.

ويضيف أن الضربات التي تتلقاها قوات العدو الإسرائيلي تتسم بفاعلية كبيرة وتلحق بها أضراراً مباشرة تعيق قدرتها على التقدم وتحقيق أهدافها.

ويستعرض أن أسلوب الدفاع الذي تعتمده المقاومة وحجم الخسائر البشرية التي تتكبدها قوات العدو الصهيوني يشكلان سبباً رئيسياً في إفشال العمليات العسكرية المتكررة، موضحاً أن العدو يتجنب عادة الكشف عن خسائره الحقيقية، في حين تظهر وسائل إعلام العدو الإسرائيلي خلال الفترة الأخيرة قدراً أكبر من التساهل في تداول المعلومات المتعلقة بالقتلى والجرحى.

ويعتبر أن هذا الواقع يكشف تصاعد حالة الاعتراض داخل مجتمع الكيان الصهيوني على استمرار الحرب التي ينظر إليها قطاع واسع من الغاصبين الصهاينة باعتبارها مرتبطة بالحسابات السياسية لرئيس وزراء العدو الإسرائيلي المجرم نتنياهو وحكومته.

ويلفت زهوي إلى أن العدو الصهيوني يمثل الخاسر الاستراتيجي الأكبر على المستويين الإقليمي والدولي نتيجة التطورات الجارية، موضحاً أن آثار هذه الخسارة تظهر في علاقته مع الولايات المتحدة وفي المواجهة مع إيران وكذلك في المواقف الأوروبية المتبدلة.

ويعتقد أن هذا الواقع يدفع العدو الصهيوني إلى التمسك بما تبقى لديه من أوراق سياسية وعسكرية رغم محدودية قدرته على الحفاظ عليها لفترات طويلة.

ويوضح أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على ممارسة ضغوط فعالة لوقف العمليات العسكرية للعدو الإسرائيلي، غير أن الإرادة السياسية اللازمة لذلك لا تتوافر بالدرجة المطلوبة.

ويضيف أن التراجع النسبي في وتيرة العمليات العسكرية خلال بعض الفترات يرتبط بجملة من الضغوط والمعطيات المتصلة بالميدان وبالتحركات السياسية الجارية.

ويكشف عن وجود محاولات أمريكية لفصل ساحات المواجهة المرتبطة بمحور المقاومة، متحدثاً عن ضغوط متصلة بالاتفاق الإيراني ومحاولات لتقديم حوافز ومكاسب مالية مقابل التخلي عن الملف اللبناني.

ويشدد على أن هذه المساعي لا تمتلك فرص النجاح نتيجة طبيعة العلاقة العقائدية والاستراتيجية التي تجمع أطراف محور المقاومة، موضحاً أن الترابط القائم بين مكوناته يجعل الفصل بين الملفات أمراً بالغ الصعوبة.

ويرى زهوي أن السلطة اللبنانية تمضي في مسار تفاوضي متسرع لم يحقق نتائج ملموسة حتى الآن، ويعتبر أن هذا المسار يفرض ضغوطاً إضافية على المقاومة ويؤثر في موقعها السياسي والميداني.

ويتحدث عن رهانات تستهدف تحقيق مكاسب عبر المسارات السياسية بدلاً عن الميدان، محملاً أطرافاً داخل السلطة اللبنانية وبعض قوى اليمين المتطرف مسؤولية توفير بيئة تشجع العدو الصهيوني على مواصلة عملياته.

ويؤكد أن استمرار هذه المعطيات يدفع العدو الصهيوني إلى تجاهل الضغوط الدولية، مشيراً إلى أن خطاب العدو الإسرائيلي الحالي يستند إلى المضامين نفسها التي وردت في أوراق التفاهم وإعلانات النوايا التي جرى التوصل إليها في واشنطن.

بدوره يوضح الخبير العسكري العميد مجيب شمسان، أن تصعيد العدو الصهيوني في لبنان يرتبط بصورة مباشرة بالموقف الأمريكي، مؤكداً أن كيان العدو لا يستطيع تنفيذ خروقاته العسكرية دون دعم أمريكي مباشر أو غير مباشر.

ويشرح في مداخلة له على قناة “المسيرة” أن الهدف الأساسي من هذا التصعيد يتمثل في ممارسة الضغط على إيران أملاً في فصل جبهات المواجهة عن بعضها وإضعاف مفهوم وحدة الساحات.

ويشير شمسان إلى وجود محاولات أمريكية وصهيونية لإغراء إيران بمكاسب اقتصادية ومالية تشمل تخفيف العقوبات وتوسيع فرص تصدير النفط، مقابل التخلي عن التزاماتها تجاه ساحات المقاومة.

ويتحدث عن جهود دعائية تهدف إلى إظهار وجود انقسام داخل إيران بشأن كيفية إدارة المواجهة، مؤكداً أن المعطيات القائمة تظهر تمسكاً إيرانياً بالنظر إلى جبهات المقاومة باعتبارها ساحة موحدة.

ويؤكد أن لبنان يمثل بالنسبة لإيران نقطة أساسية في أي تفاهم أو مسار تفاوضي، موضحاً أن محاولات العدو الصهيوني التقدم نحو مرتفعات علي الطاهر وكفرتبنيت استهدفت تحقيق مكاسب عملياتية تسمح بالإشراف على مساحات واسعة من جنوب لبنان ومراقبة ما تصفه أوساط العدو الإسرائيلي بالأنساق الدفاعية للمقاومة.

ويبين أن تلك المحاولات انتهت بإخفاقات متكررة وخسائر كبيرة طالت الآليات والجنود والقيادات العسكرية، موضحاً أن كيان العدو كان يراهن على تحويل السيطرة على المرتفعات إلى إنجاز ميداني وسياسي يخدم صورة قيادته أمام الرأي العام الداخلي، مضيفاً أن ما تحقق على الأرض منذ مارس الماضي يكشف انتكاسة عسكرية وسياسية نتيجة عدم تحقيق الأهداف المعلنة.

ويشرح أن المقاومة تعتمد استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تقوم على توظيف طبيعة الأرض وتحويل كل محاولة تقدم إلى مصدر خسائر متراكمة لقوات العدو الصهيوني، الأمر الذي يفقد التقدم العسكري جدواه العملياتية ويمنع العدو من تحويل الإنجازات التكتيكية المحدودة إلى مكاسب سياسية أو استراتيجية.

ويلفت إلى أن اعترافات العدو الإسرائيلي المعلنة لا تبين الحجم الحقيقي للخسائر، موضحاً أن العدو الصهيوني يلجأ إلى الكشف التدريجي عن جزء محدود من الحقائق للحفاظ على مستوى من الثقة داخل الجبهة الداخلية.

ويقارن هذا السلوك بالطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع خسائرها خلال المواجهة في البحر الأحمر، حيث اضطرت لاحقاً إلى الإقرار ببعض الخسائر بعد تعذر إخفائها بالكامل.

ويعتبر شمسان أن الحديث المتصاعد داخل كيان العدو عن مخاطر الانهيار يرتبط بالنتائج التراكمية للمواجهات التي بدأت منذ عملية طوفان الأقصى، مروراً بجبهات الإسناد في لبنان واليمن والعراق، وصولاً إلى المواجهة مع إيران.

ويشير إلى أن إعادة تموضع قوات العدو الصهيوني وسحب عدد من الفرق العسكرية من جنوب لبنان يعكسان حجم الخسائر التي تكبدتها تلك القوات خلال الأشهر الماضية.

ويشدد على أن حكومة الكيان لا تخوض هذه المواجهات منفردة، وإنما تحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، موضحاً أن عجزها عن تحقيق أهدافها في غزة رغم هذا الدعم يكشف محدودية قدرتها على فرض نتائج حاسمة، مؤكداً أن المواجهة مع إيران أظهرت هشاشة جبهة العدو الإسرائيلي أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأن استمرار الحرب لفترة أطول كان سيقود إلى تداعيات أكثر خطورة.

ويضيف أن التطورات المرتبطة بمضيق هرمز أدت إلى تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي وأدخلت الولايات المتحدة في مأزق متصاعد، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن مخرج سياسي يوقف تداعيات المواجهة، مشيراً إلى محاولات لاحقة لتوظيف العقوبات والضغوط غير العسكرية وأدوات العمل الاستخباري داخل إيران، مؤكداً أن القيادة الإيرانية والشارع الإيراني تمكنا من احتواء هذه المحاولات وإفشال أهدافها.

ويجدد شمسان التأكيد على أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية تنفيذ أي تفاهمات قائمة مع إيران، موضحاً أن طهران تنظر إلى استمرار التصعيد العدواني للعدو الإسرائيلي في لبنان بوصفه اختباراً لمدى التزام واشنطن بتلك التفاهمات.

ويلفت إلى أن إغلاق مضيق هرمز يمثل خطوة أولى ضمن خيارات الرد المتاحة، محذراً من أن استمرار خروقات العدو الصهيوني يهدد الثقة القائمة ويفتح المجال أمام عودة المواجهة إلى مستويات أكثر اتساعاً.