مذكرة التفاهم تهوي بأهداف أمريكا من العدوان

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 يونيو 2026مـ – 5 محرم 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

كما كشفت مواجهة اليمن للقوى الغربية وفي المقدمة أمريكا وبريطانيا والكيان الإسرائيلي، أن الاتكاء على منطق العنف والوحشية لا يحسم صراعات أو يفرض شروطاً، وكما أثبتت التجربة التي وصفها البعض بالأسطورية، أن إستناد اليمن إلى الإيمان كباعث قوي ودافع مصيري للدفاع عن الحقوق والسيادة، وتجاوُزه ثقافة التهيّب مما يسمى بـ”القوى العظمى”، كان كافيا لإرباك الحسابات التقليدية وإعادة تعريف معايير القوة والانتصار، فقد أثبتت حرب أمريكا العدوانية ضد إيران، وما أعقبها من رد للجمهورية الإسلامية، أن قياس نتائج المواجهات وفق المعايير العسكرية التقليدية من حيث امتلاك الأسلحة الحديثة والذكية والمدمرة، وتحريك الأساطيل البحرية، وقصف أكبر عدد من المنشآت المدنية المرتبطة بحياة الناس، لم يعد يتسق مع طبيعة الصراعات في عالم اليوم.

غرقت أمريكا في الغطرسة، وباتت ترى الانتصار على الجميع متاحاً من ذات الزاوية التي أنشأت بها كيانها على حساب السكان الأصليين للأرض، بعد أن أبادت الملايين منهم. وتكشف صراعاتها الأخيرة أنها فشلت عمليا في مواجهة متطلبات البقاء كقوة عظمى، وأن اعتمادها لا يزال على الضربات الخاطفة ثم الفرار والاختفاء وراء حائط التكتلات أو الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وجميعها وسائل وتكتيكات لا ترقى لمواجهة قوى عظمى كروسيا والصين، وسقوطها في البحر الأحمر شاهد حي.

محطة فارقة لتحوُّل مؤكد
في حرب رمضان أو حرب الأربعين يوما، قدمت الجمهورية الإسلامية نموذجًا بالغ الوضوح للقدرة على أعتى قوة على وجه الأرض، تمتلك الإمكانات العسكرية والتقنية، ومتحررة ومتجردة من أي ضوابط أخلاقية أو قواعد تحكم العلاقات الدولية وضابطة لسلوك المواجهات.

وتعكس مذكرة تفاهم إسلام آباد -التي تم التوقيع عليها من قبل طهران وواشنطن- ملامحَ طيّ صفحة الكذبة الأمريكية. المذكرة ليست مجرد وثيقة سياسية عابرة، وإنما محطة فارقة لتحوُّل مؤكد في طبيعة الصراع بين واشنطن وطهران، وانتقالةٌ إلى مرحلة جديدة عنوانها: مغادرة أمريكا لموقع صدارة القوى العالمية بعد هيمنتها عليه لعقود، وبالتالي تراجع قدرتها على فرض إرادتها، وظهور ترتيب مختلف لموازين القوة وإدارة التنافس السياسي والاستراتيجي.

وإذا كانت المذكرة في ظاهرها إطار توافق بين طرفين متصارعين، فإنها في جوهرها جزء من عملية إعادة هندسة سياسية لـ”الشرق الأوسط”، كما أنها لا توفر -بالمطلق- البيئةَ المناسبة لطموحات أمريكا والعدو الإسرائيلي الاستعمارية الاستحواذية، وهذا كان أبرز مظاهر الفشل والهزيمة التي مُني بها بلاطجة أمريكا و”إسرائيل”.

انهيار سقف الأهداف
حاولت أمريكا مع المختل “الإسرائيلي”، عقب الأيام الأولى من العدوان على الجمهورية الإسلامية، وبعد ظهور التأثير القوي لهجمات الجيش والحرس الثوري، التصعيد في قتل الشعب الإيراني وتدمير مقدراته. وقتها كانت مشاعر القلق قد بدأت تجد مكانها داخل تفاصيل مخطط العدوان الذي حُدد له وقت لا يتجاوز الأسبوعين لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى، أدناها تغيير النظام الإسلامي في الجمهورية.

انهار سقف الأهداف على رأس المعتوه “ترامب”، ودفعته هذه النتيجة المبكرة، إلى محاولة تأليب المجتمع الدولي ضد طهران، في سلوك بدا شبيهًا بما فعله ضد اليمن عندما دفع نحو تشكيل التحالفات العسكرية بهدف إيقاف عمليات القوات المسلحة اليمنية المساندة لغزة، وفك الحصار الذي فرضته على ملاحة العدو الإسرائيلي، وتقييدها للتحركات الأمريكية والبريطانية في البحر الأحمر بعد عدوانهم على المحافظات اليمنية. إلا أن المشهد لم يَسِرْ وفق ما أرادته واشنطن، فقد تصاعدت المواجهة، وكان الإيراني يدرك إلى أين يسير، فيما تاه الأمريكي بين تقلبات مناخ التغريدات الترامبية التعويضية؛ أحيانًا تهديد ووعيد، وأحيانًا ادعاءات سياسية ومحاولات لرفع المعنويات.

ومع بدء المؤسسات الأمريكية وأجهزة المراقبة ومرافق المتابعة الدولية المسخرة لخدمة واشنطن في حصر خسائرها، وقراءة انعكاسات المواجهة على غير ما أرادته، كانت الجمهورية الإسلامية تضع تفاصيل فصل جديد من الصراع، عنوانه “مضيق هرمز”، في خطوة نقلت الحرب إلى مستوى مختلف تمامًا عن الحسابات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي وضعها المعتدي.

عندما تتساقط الأهداف
في علوم المعارك يُقاس الانتصار بالقدرة على فرض معادلات جديدة تُجبر الخصوم على تعديل أهدافهم وخططهم، وهذا ما أسفرت عنه مواجهة الأربعين يومًا. فعقب انهيار سقف الأهداف الخيالية للعربدة الأمريكية، وجد المعتوه” ترامب” نفسه بين الأنقاض يبحث عما تبقى من الطموحات التي دفعته إليها الحركة الصهيونية بإشعال هذه الحرب، وعينه معلّقة على المضيق الذي بدأ إغلاقه يكوي جنون العظمة الأمريكية. حيث قاد الاقتدار الإيراني بتوجيه الضربات الموجعة للتواجد الأمريكي في المنطقة، وكسر شوكة الوهم بالقوة المطلقة، إلى إمساك الحرس الثوري بزمام مضيق هرمز بصورة حازمة وكاملة، وبدا التصعيد الأمريكي الناري بعد ذلك أشبه بمحاولات يائسة للعودة بالأوضاع -وبالمضيق تحديدًا- إلى مربع ما قبل العدوان، على أقل تقدير.

وعندما ارتفع عويل ترامب من الإجراء الإيراني، كان العالم من جهته يحاول معالجة آثار الحماقة الأمريكية بإثارة هذه الحرب التي سحبت الجميع إلى مكب الخسائر والقلق من انهيار اقتصادي مدوٍّ. وحاول “نتنياهو” (الوكيل كامل الصلاحيات لقادة جزيرة العار) الضغط على ترامب من خلال التلويح بفضائحه ضمن موجة “إبستين” للاستمرار في استهداف إيران، إلا أن الوقت كان قد أصبح متأخرًا عن محاولات كسب أي إنجاز يمكن تحويله إلى ورقة رابحة بيد الأمريكي تُحسِّن موقعه على طاولة المفاوضات.

ليست نهاية الصراع
لا تكتب مذكرة التفاهم نهايةً للصراع، حتى وإن لحقها توقيع اتفاق نهائي ومنحه شرعية دولية وقانونية بقرار من مجلس الأمن، فالوضع سيبقى مرشحًا لجولات أخرى. وحسب التحليل السياسي المستند إلى خلفية الشيطنة الأمريكية، فإن المذكرة أو الاتفاق، لا يبدو إلا حلقة من حلقات الصراع، وليست نهايته. فلا ضامن لأمريكا والحركة الصهيونية، وطموحاتهم بإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط هدف يرتبط به مصير بقاء أي أثر لهم في المنطقة.

مع ذلك، فإن الأداء الذي قدمته قوى محور المقاومة، وفي المقدمة الجمهورية الإسلامية، لا يشجع على تكرار مثل هذه الحماقة ضد أي طرف في المحور، إلا إذا كانت أمريكا قد هيأت نفسها لضربة استراتيجية جديدة تزيد من تآكل عوامل بقائها كقوة عالمية.

ما الذي نسفته المذكرة؟
تنسف مواد مذكرة التفاهم محاولات محور أمريكا و”إسرائيل” ترجيح كفة النصر الأمريكي في مقابل إظهار الجمهورية الإسلامية بموقع الخاسر. في الوقت الذي أشعلت فيه مضامين المذكرة خلافات حادة وأثارت الكثير من الجدل داخل أمريكا و”إسرائيل”. ثبات طهران وصمودها الاستراتيجي، وحفاظها على تماسك الدولة ومؤسساتها، شكّل الحلقة الأقوى التي حجبت عن أمريكا ومحورها فتح أي أفق لتحقيق هدف تغيير التركيبة الإيرانية بما يجعلها واحدة من التابعين. وقد أسهم هذا الثبات -مدعومًا بالقوة والرد السريع والمباشر والمبادرة أحيانًا- في تحقيق جملة من الأهداف تضمنتها المذكرة، ربما ما كان لها أن تكون لولا التهور الأمريكي الذي أسقط ورقة التوت عن عورات قوته، وأفقد واشنطن كثيرًا من أوراق الضغط التي كانت تعتمد عليها.

وبعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط العسكرية والسياسية والموجات العدوانية، جاءت المذكرة لتعكس واقعًا جديدًا فرضه الفعل الإيراني المؤثر، يقوم على رفع القيود، والإفراج عن الأرصدة المجمدة، وتعهد العدو بعدم الاعتداء، وإجباره على تغيير رؤيته في ما يتعلق بالبرنامج النووي واليورانيوم المخصب، وإخضاعه -الأخير- لمسار تفاوضي لاحق، إضافة إلى الالتزام بوقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، وفي المقدمة لبنان، وعدم المساس بسيادة طهران على مضيق هرمز بالشراكة مع سلطنة عمان.

ولهذا مثّل الأمرُ انتصارًا كبيرًا لمحور المقاومة، يؤسس لحقبة جديدة ومتغيرة في المنطقة، لا مكان فيها لنفوذ أمريكي مطلق كما كان يُراد له.

من دولة مستهدفة إلى لاعب إقليمي
ومن المكاسب الاستراتيجية التي قادت إليها إيران ومحور المقاومة في هذه الجولة من الصراع، فرض تصورات جديدة حول القوة الأمريكية وطبيعة القدرة على الحسم وفرض الإرادة. فقد رأى المراقبون والمحللون -بعد أربعين يومًا من الحرب- أمريكا و”إسرائيل” في واقع مختلف عما كانت عليه الحسابات قبل العدوان؛ إذ تحولتا من موقع صانع الحرب والحاسم لنتائجها إلى موقع الساعي لإدارة الصراع وتقليل خسائره. وفضلاً عن ذلك، عكست مذكرة التفاهم فشل سياسة “الضغط الأقصى”، وتراجع تداول مصطلح “إزالة التهديد”، وتحوُّل إيران من “هدف للضغط” إلى “طرف في التفاوض”، ومن دولة مستهدفة إلى لاعب إقليمي لا يمكن تجاوز حضوره في أي ترتيبات مقبلة.

ولأن التفاوض لا يكون مع طرف ضعيف، فإن رضوخ الولايات المتحدة وطلبها الجلوس إلى طاولة المباحثات يشير بوضوح إلى اعتراف عملي بقوة إيران وقدرتها على إدارة المعارك وفرض الوقائع، وبامتلاكها المخزون المعرفي الكافي لتطوير قدراتها الدفاعية والردعية، ليأتي التفاوض بوصفه النتيجة الطبيعية بين قوتين، وليس بين غالب ومغلوب أو قوي وضعيف، وليؤكد حضور إيران بكونها جزءاً من أي تسوية مستقبلية في المنطقة.

جهد وخبرة وخُبث وشيطنة
خلال أكثر من أربعة عقود، كان الخطاب الأمريكي و”الإسرائيلي” متطرفًا تجاه إيران، يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الجمهورية الإسلامية تمثل تحديًا وتهديدا يجب احتواؤه أو إضعافه أو دفعه إلى التراجع عن توجهاته الرافضة للاحتلال الإسرائيلي والعربدة الغربية بقيادة أمريكا في المنطقة ونهب ثروات الشعوب. لتحقيق هذا الهدف استخدمت أمريكا والحركة الصهيونية أدواتٍ متعددةً، من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية إلى التهديدات العسكرية والحروب غير المباشرة، غير أن الحصيلة النهائية كانت دائمًا فشل هذه السياسات في تحقيق أهدافها الجوهرية.

وفي خاتمة الإعداد والجهوزية -كما أرادته الحركة الصهيونية العالمية لإنهاء إيران، بما يعنيه ذلك من تسخير هائل للإمكانات والسلاح- قدمت أمريكا و”إسرائيل” أفضل ما لديهما من جهد وخبرة وخُبث وشيطنة، إلا أن الأمر انتهى -في نهاية المطاف- إلى مذكرة “إنقاذ” يُعوَّل عليها لانتشال أمريكا من الوحل الذي سقطت فيه.

ما ظهرت عليه الولايات المتحدة
في علوم السياسة والمعارك، عندما ينتقل الخصم من محاولة فرض شروطه كاملة إلى البحث عن تفاهمات تقلل خسائره وتحافظ على قدر من الاستقرار، فإن ذلك يعكس اعترافًا ضمنيًا بوجود حدود للقوة التي يمتلكها. وهذا تمامًا ما ظهرت عليه الولايات المتحدة. فبعد عقود من الحديث عن القدرة على إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الأمريكية، وبعد سنوات من التهديد والوعيد والعقوبات والحصار، وجدت نفسها مضطرة للانتقال من موقع الإملاء إلى موقع التفاهم، ومن السعي إلى فرض الإرادة بالقوة إلى البحث عن مخرج سياسي يحفظ ما تبقى من ماء الوجه والمصالح، ويحدّ من حجم الخسائر.

ومن هنا تكتسب هذه المذكرة أهميتها الحقيقية؛ ليس بوصفها اتفاقًا عابرًا بين الجمهوربة الإسلامية والولايات المتحدة، بل بوصفها علامة سياسية على مرحلة جديدة تتراجع فيها فاعلية القوة الأمريكية في فرض مشاريعها الكبرى، وترتفع فيها قدرة إيران على الصمود وفرض المعادلات، وإجبار واشنطن على التعامل مع واقع لم تعد فيه الكلمة الأخيرة حكرًا عليها كما كان الحال في العقود الماضية.