آثار العدوان على الاقتصاد والمعيشة في اليمن تتفاقم.. دعوات رسيمة وشعبية لمواجهة الحصار والاحتلال
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 يونيو 2026مـ – 5 محرم 1448هـ
تقرير || علي الدرواني
بعد مضي 11 عاما على العدوان الأمريكي السعودي المستمر على اليمن، فإن آثار الحرب العدوانية والمتوحشة لا تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية، بل امتدت لتطال مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، وألقت بظلالها الثقيلة على واقع المواطن اليمني ومستوى معيشته. لقد أدت سنوات العدوان والحصار المتوحش إلى تراجع النشاط الاقتصادي، وتعطل العديد من القطاعات الإنتاجية والخدمية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانخفاض القدرة الشرائية، إلى جانب تدهور الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والكهرباء والمياه، وانعدام الرواتب، الأمر الذي حول حياة كثير من اليمنيين إلى جحيم، وبشكل متعمد من الجارة الخبيثة السعودية.
فرضت السعودية بشكل متعمد قيود الحصار على حركة التجارة والاستيراد والتصدير وتضرر البنية التحتية، واضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد، من أجل معاقبة الشعب اليمني ومفاقمة الأزمة المعيشية بارتفاع أسعار السلع الأساسية والوقود والأدوية، ما زاد من الأعباء الاقتصادية على كاهل الأسر اليمنية، ودفع أعدادًا كبيرة منها إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية لتلبية الاحتياجات الضرورية.
استهداف التعليم.. سلاح السعودية لتركيع اليمن وتدمير مستقبله
مع بداية كل عام دراسي جديد، يتجدد في بيوت اليمنيين فصل آخر من المعاناة الإنسانية الصامتة التي خلفها العدوان والحصار المستمر لقرابة أحد عشر عاماً، فالتعليم، الذي يُعد نافذة الأمل نحو المستقبل، تحول إلى عبء اقتصادي ثقيل يزيد من الأعباء التي تثقل كاهل أولياء الأمور في ظل التدهور الكبير الذي أصاب قطاع التعليم العام نتيجة انقطاع الرواتب وتدمير البنية التحتية، ليجد أولياء الأمور أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: إما الاستسلام لواقع التعليم العام المتعثر، أو الهروب نحو “التعليم الخاص” الذي تحول بدوره إلى استثمار باهظ وتجارة تلتهم ما تبقى من مدخرات الأسر، جراء الارتفاع الجنوني في الرسوم المدرسية وأسعار المستلزمات من كتب وزي مدرسي.
يعد هذا المشهد المأساوي جريمة مكتملة الأركان تصنعها السعودية بتعمد وتخطيط، حيث تنظر الرياض بعين التشفي والغطرسة إلى معاناة اليمني، محاوِلةً -عبر أدوات الحرب الاقتصادية- تدمير الحاضر والمستقبل معاً. إن استهداف التعليم وتجويع المعلم والأسرة هو جزء من استراتيجية سعودية خبيثة تهدف إلى إضعاف اليمنيين، وتمزيق نسيجهم الاجتماعي، والعمل على تجهيل الأجيال لكي يتحول اليمنيون إلى مجرد عمال سُخرة يخدمون سوق العمل السعودي، مجردين من العلم والسيادة والتنمية.
تدمير البنية الاقتصادية وتعطيل التنمية
شهد الاقتصاد اليمني خلال سنوات العدوان تراجعًا حادًا نتيجة الغارات المتعمدة لضرب وتعطيل مؤسسات الدولة والأنشطة الاقتصادية، فقد تعرضت البنية التحتية، بما فيها الطرق والجسور والموانئ والمطارات والمنشآت الإنتاجية، لغارات مباشرة بشكل متعمد كان يهدف لإلحاق أكبر الأضرار وأوسعها على حركة التجارة والنقل والإنتاج، وأدى القصف المباشر للمصانع والبنية التحيتة إلى تراجع الاستثمارات المحلية والخارجية، وانخفاص فرص العمل بعد أن توقفت أو تقلصت أعمال آلاف المنشآت الصناعية والتجارية.
وتؤكد تقارير حقوقية وإنسانية أن السعودية تتحمل مسؤولية الجانب الأكبر من هذه الأضرار، وقد استندت هذه التقارير إلى الغارات الجوية والحصار والإجراءات المرتبطة بالعدوان، وترى أن تلك السياسات هدفت إلى تركيع الشعب اليمني وإجبار القيادة على الاستسلام، ونتج عنها -بصورة مباشرة- إضعاف الاقتصاد اليمني وإعاقة فرص التعافي والتنمية.
تدهور الأوضاع المعيشية واتساع رقعة الفقر
أدى العدوان الوحشي إلى تراجع مداخيل الأسر اليمنية بصورة خطيرة، مع ارتفاع معدلات البطالة، وتوقف أو تعثر صرف رواتب أعداد كبيرة من موظفي القطاع العام في مختلف المؤسسات، وعلى رأس تلك المؤسسات قطاع التعليم. وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار المواد الغذائية والوقود والأدوية والخدمات الأساسية، ما أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين واتساع رقعة الفقر.
ويرى الشعب اليمني أن سياسات الرياض عملت -عبر الحصار و القيود المفروضة على حركة التجارة والموانئ والمنافذ، إلى جانب استمرار العدوان قرابة عشرة اعوام- على تعميق الأزمة المعيشية وإطالة أمدها، وأن هذه الإجراءات كانت سببًا رئيسيًا في زيادة معاناة المدنيين، في أسوأ ازمة إنسانية تعيشها البشرية من صنع البشر حسب توصيف الأمم المتحدة.
الآثار بعيدة المدى على الاقتصاد والمجتمع
لم تقتصر آثار العدوان على الخسائر الآنية، بل امتدت لتشمل تراجع النمو الاقتصادي، وهجرة رؤوس الأموال والكفاءات، وتدهور الثقة بالبيئة الاستثمارية، وارتفاع مستويات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.. كما أصبح التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة بسبب حجم الدمار الذي أصاب المؤسسات والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.
من هنا يرى عدد من المراقبين أن استمرار العدوان والعقوبات الاقتصادية المرتبطة به، والتي تتحمل السعودية مسؤولية رئيسية عنها، أدى إلى إطالة أمد الأزمة الاقتصادية والإنسانية، وترك آثارا عميقة ستحتاج إلى سنوات طويلة وجهود كبيرة لإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي،
يرى القطاع الأوسع والشريحة الأكبر من اليمنيين أن الاعتداءات الاقتصادية المرتبطة بالعدوان (مثل الحصار والقيود المالية وتوقف الرواتب) قد استخدمت كأداة حرب ووسيلة ضغط على الشعب اليمني.
جبهة اقتصادية واجتماعية تفشل مخططات التركيع
ورغم قسوة الظروف وشدة المعاناة والخسائر البشرية والمادية، والأعداد الكبيرة من الشهداء والجرحى، إلا أن الشعب اليمني أظهر قدرة عالية على الصبر والصمود، من خلال استمرار الأنشطة الاجتماعية غير الرسمية، وتكافل الأسر، وابتكار وسائل معيشية بديلة، وهو ما ساعد في الحد من الانهيار الكامل للبنية الاجتماعية، رغم طول أمد الحرب وتعقيداتها.
كما كان للخطوات التي اتخذتها الحكومة دور كبير في الحد من تدهور الأوضاع المالية، ولا سيما ما يتعلق بتثبيت سعر صرف العملة الوطنية عبر تدخلات نقدية وتنظيمية مختلفة، إضافة إلى إجراءات ضبط السوق المصرفية والحد من المضاربات. وقد ساهمت هذه الجهود -بدرجات كبيرة- في التخفيف من حدة الانهيار الاقتصادي ومنع مزيد من التدهور في القدرة الشرائية للمواطنين.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن هذه السياسات شكلت أحد عوامل الصمود للاقتصاد في ظل ظروف حرجة بشدة، حيث أسهمت في الإبقاء على الحد الأدنى من الاستقرار النقدي، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن الحرب الاقتصادية، وتراجع الإيرادات، وضعف الموارد العامة، وسيطرة الاحتلال على منابع الثروة النفطية والغازية وإغلاق المنافذ الجوية والبرية.
نحو استعادة الأمل وبناء المستقبل
وعلى الرغم من حجم هذه المعاناة التي مر بها اليمنيون خلال سنوات العدوان، فإن مشاهد الصمود والتماسك الاجتماعي تعكس قدرة عالية على الاستمرار ومواجهة التحديات.
وفي هذا السياق، تعالت أصوات اليمنيين في كل المحافل والساحات، صارخة في وجه هذا الوضع المفروض ومقصلة الحصار الاقتصادي، ولم تعد المطالبات الشعبية تقتصر على مناشدة المنظمات أو انتظار الحلول الدبلوماسية العقيمة، بل بات الشارع اليمني يطالب -بوضوح- بضرورة الانتقال إلى خيارات الحسم والمواجهة المباشرة مع النظام السعودي لانتزاع الحقوق المنهوبة بقوة السلاح، وعلى رأسها المرتبات وعائدات النفط والغاز، ورفع الحصار الشامل عن المطارات والموانئ.
وفي هذا السياق، تتناغم هذه الضغوط والصرخات الشعبية مع الرؤية القيادية، حيث تتجدد الدعوات إلى تعزيز التكاتف الوطني والاجتماعي، وتوحيد الجهود من أجل تجاوز آثار الحرب، والعمل على استعادة الحقوق وتحسين الأوضاع المعيشية عبر كافة الوسائل المتاحة الشاملة. حيث جاءت دعوة قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي يحفظه الله، مؤكدة على “التعاون في بلدنا رسمياً وشعبياً للتصدي للمخاطر والتحديات الناتجة عن الاستهداف العدائي الشامل من جهة الأعداء، ضد شعبنا العزيز، ومن ذلك: احتلالهم لمساحة كبيرة من البلد، وسيطرتهم على الثروة الوطنية من نفط وغاز، وانتهاكهم بكل أشكال الانتهاك لسيادة البلد واستقلاله، وحصارهم وحربهم الاقتصادية الشاملة ضد شعبنا، وتجييش التكفيريين والمرتزقة بهدف القتل والاستهداف لحياة مجتمعنا اليمني، وكل أشكال المؤامرات العدائية التي يتحرَّك بها تحالف العدوان بإشراف أمريكي، وتنفيذ سعودي عدواني ضد شعبنا العزيز”.
وبذلك يبقى الأمل والرهان قائماً على هذا التحرك الشامل والالتحام الشعبي والرسمي لتلبية هذه الدعوة، بما يضمن فرض المعادلات الكفيلة بتمكين اليمنيين من استعادة كامل حقوقهم وحياتهم الطبيعية، وبناء دولة مستقرة تقوم على أسس العدالة والتنمية والسلام.
