أبعاد ودلالات نتائج المواجهة الإيرانية الأمريكية: كيف انتصرت عقيدة طهران الدفاعية؟

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
17 يونيو 2026مـ – 2 محرم 1448هـ

تقريــر || منصور البكالي

في الثامن والعشرين من فبراير لعام 2026م، بدأ العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت اسم عملية “ملحمة الغضب”، معلنة عن 4 أهداف تتمثل في السعي لتغيير النظام السياسي، وتدمير البنية التحتية للبرنامج النووي، وتحجيم الترسانة الصاروخية، وقطع خطوط الترابط الإقليمي مع أطراف محور المقاومة، فطالت أول غاراته المكثفة مراكز القيادة والسيطرة وأسفرت عن استشهاد كبار المسؤولين والقادة، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي “رضوان الله عليه”.

وحينها أعلن الرئيس الأمريكي ترامب أن العملية نجحت في تقويض القدرات النووية والسياسية لطهران، متوقعاً حدوث استسلام سريع وتغيير سياسي داخلي، لكن استمرار العمليات العسكرية على مدى 107 أيام من القتال وحرب الاستنزاف المتبادلة، أفضى إلى مسار مغاير للحسابات الأولية؛ إذ حالت معطيات الميدان دون تحقيق تلك الأهداف، مما دفع الأطراف في نهاية المطاف إلى قبول مسودة اتفاق سلام برعاية باكستانية تقرر توقيعها في جنيف.

وبحسب بنود الاتفاق التي تتضمن إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، كتب ترامب على منصته الاجتماعية عبارة “ليتدفق النفط!” في إشارة إلى رغبته في استئناف تدفق النفط، مهما كان حجم التنازلات.

لكن تنفيذ هذا البند بحسب خبراء أسواق الطاقة قد لا يكون فورياً؛ وقد يكون رفع الإغلاق سياسياً أسرع من عودة الملاحة عملياً، محذرين من أن حركة النفط عبر المضيق لن تعود فوراً إلى مستويات ما قبل الحرب، بسبب الحاجة إلى إزالة الألغام، ومعالجة تراكم ناقلات النفط، واستئناف الإنتاج والشحن بصورة منتظمة، مشيرين إلى أن العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي ستستغرق من أسابيع إلى شهر أو 45 يوماً، وربما أكثر في بعض السيناريوهات.

وفي السياق قال بقائي: إن “طهران ستتخذ إجراءات لضمان المرور الآمن بالتنسيق مع عُمان ودول أخرى، لفترة محددة وبما يتوافق مع التزامات الولايات المتحدة”، كما قالت الخارجية الإيرانية: إن “الاتفاق يتضمن التزاماً أمريكياً بالتعويضات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة”، مشيرة إلى أن رسوماً على الخدمات البحرية ستُفرض في هرمز.

ووفق قاعدة تقييم الحرب التي تنص على أن الطرف المنتصر ليس من يتفادى الخسائر المادية والبشرية، وإنّما هو الطرف الذي ينجح في حماية أهدافه ومنع خصمه من تحقيق غاياته، فهذا يجرنا إلى معرفة الأبعاد العسكرية والسياسية وقواعدها الميدانية.

سياسياً: لا تزال إيران قادرة على إدارة الشغور القيادي وانتقال السلطة؛ إذ راهنت الحسابات الأمريكية الصهيونية على أن اغتيال المرشد الأعلى سيحدث فراغاً دستورياً وشللاً في مراكز القرار، خاصة مع تهديدات ترامب باستهداف منشآت الطاقة الحيوية لمنع اختيار نجل المرشد، غير أن البنية المؤسسية في طهران تعاملت مع الموقف عبر القنوات القانونية؛ حيث حسم مجلس خبراء القيادة المسألة باختيار السيد مجتبى الخامنئي مرشداً للجمهورية الإسلامية في الثامن من مارس رغم إصابته جراء القصف، وهو انتقال سلس منع حدوث اضطراب داخلي، ودفع صحيفة “نيويورك تايمز” للإشارة إلى فشل مراهنات إسقاط النظام من الداخل، في وقتٍ واجه فيه ترامب ضغوطاً سياسية داخلية وصفتها وسائل إعلام أمريكية بالعجز عن حسم الملف عسكرياً.

وفي السياق العسكري؛ اتسعت رقعة المواجهة في النطاق الإقليمي عبر رد عسكري إيراني تمثل في عمليات صاروخية مكثفة ضمن عملية الوعد الصادق 4، وشهدت جبهة لبنان دوراً محورياً؛ حيث انخرط حزب الله في مواجهات برية وصاروخية واسعة في جنوب لبنان أسهمت في تدويل الصراع وتفجير جبهات مساندة أثرت على كيان العدو الإسرائيلي وأشغلته وشلت قدراته الجوية المشاركة في قصف إيران.

ووفقًا للمعطيات؛ فقد تكامل هذا الضغط الإقليمي مع التدخل اليمني بقصف عمق فلسطين المحتلة وإعلان منع ملاحة الكيان الغاصب عبر البحر الأحمر، إضافةً إلى توسع القصف الصاروخي الإيراني على القواعد الأمريكية في الخليج، ما أوضح للإدارة الأمريكية أن استمرار الحرب سيرتب كلفة مباشرة على قواعدها ومنشآتها.

ويضاف إلى ذلك اهتزاز العقيدة الأمنية لكيان العدو الإسرائيلي بعد أن طالت الموجات الصاروخية المنشآت الحيوية والاقتصادية في داخل فلسطين المحتلة بكثافة، ما أثر على العقيدة العسكرية للكيان القائمة تاريخياً على نقل المعركة إلى أرض الخصم والحسم السريع، وهو تحول دفع صحيفة “هآرتس” العبرية للإقرار بتراجع عناصر الردع والإنذار المبكر، وصولاً إلى تهميش دور الكيان في كواليس المفاوضات وملاحقة قادته أمام المحافل القانونية الدولية، وإدراج الجبهة اللبنانية ضمن معادلة وحدة الساحات، والشروط الإيرانية للمفاوضات، وتقول الخارجية الإيرانية اليوم الأربعاء، إن أحد البنود يؤكد أن “بدء التفاوض واستمراره مرهون بتنفيذ التزامات بينها وقف للحرب يشمل لبنان”.

وهنا اتسمت الحرب بواقعية الكلفة وحتمية الاستنزاف المتبادل للأثمان ولم تكن مجانية لأيّ طرف فيها، حيث واجهت إيران خسائر بشرية ومادية حقيقية تمثلت في استشهاد نحو 48 من قادة الصف الأول والوسط في الأسبوع الأول، وسقوط آلاف الضحايا المدنيين، وتضرر بنى تحتية في طهران وكرمانشاه كمدرسة الطالبات، وفي المقابل تعرض أكثر من 17 موقعاً وقاعدة أمريكية في المنطقة لضربات مباشرة، ما فرض معادلة نزيف متبادل جعلت الحل العسكري غير قابل للاستمرار دون أثمان متصاعدة.

وبالتوازي مع تفعيل سلاح الممرات المائية والضغط الاقتصادي عبر إدارة مواجهة موازية في الممرات المائية الحيوية، لا سيما مضيق هرمز، وحسب مؤشر المخاطر الجيوسياسية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وصحيفة “الغارديان” البريطانية؛ فإن تأثر حركة الملاحة أدخل الأسواق العالمية في حالة ركود وتجاوزت أضراره التبعات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19 وحرب أوكرانيا، ما شكّل ضغطاً إستراتيجياً على صانع القرار في واشنطن وجعل التفاوض حاجة ملحة لاحتواء الخسائر المالية الدولية وحماية مصالح الحلفاء.

فضلاً عن تماسك الجبهة الداخلية أمام الحرب الهجينة؛ فرغم رهان التحالف على أن الحصار الاقتصادي وتدمير بعض المرافق الخدمية سيولدان احتجاجات وتمردات داخلية، ورغم وجود تباينات اجتماعية وتحركات مضادة في بعض المناطق، إلا أن الأجهزة التنفيذية تمكنت من إدارة الملف الخدمي وتأمين السلع الأساسية للمواطنين دون انقطاع ملموس، ما حسم خيار الشارع لصالح الالتفاف حول مفاهيم الأمن القومي والسيادة وفق ما أظهرته استطلاعات الرأي وتقييمات القيادات العسكرية كاللواء أمير حاتمي.

وعلى الصعيد الدبلوماسي؛ عكست بنود مسودة اتفاق جنيف تسييل المنجز الميداني إلى ترتيبات سياسية وقانونية أعادت صياغة التوازنات الإقليمية وفق الخطوط الحمراء لطهران، حيث برزت دلالة الوقف الشامل وترابط الساحات في البند الأول الذي تضمن وقفاً فورياً ودائماً لكافة العمليات العسكرية على جميع الجبهات بما يشمل الساحة اللبنانية، ما يثبت نجاح طهران في فرض معادلة وحدة الجبهات ومنع الاستفراد بأي طرف من محور الجهاد والمقاومة.

يأتي الانسحاب البحري والأمن الإقليمي عبر التزام الأمريكي بموجب المذكرة برفع الحصار البحري وسحب قطعها العسكرية من الخليج وبحر عُمان، مع إسناد إدارة الملاحة في مضيق هرمز للتعاون المشترك بين إيران وسلطنة عُمان بالتشاور مع دول المنطقة دون تدخل من قوى خارجية، تكريساً للمبدأ بأن أمن الممرات المائية مسؤولية الدول المطلة عليها.

كما شمل الاتفاق دلالة واضحة على احترام السيادة الوطنية بتعهد أمريكي متبادل باحترام السلامة الإقليمية والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، ما يعيد الاعتبار لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ويمنح طهران أرضية قانونية لمواجهة أي خروقات مستقبلية.

وفي الشق المالي؛ برزت دلالة رفع القيود والتعويضات المالية المشروطة؛ إذ تفادت الدبلوماسية الإيرانية الوعود الشفهية بنظام التنفيذ التدريجي المشروط خطوة بخطوة، وألزم الاتفاق واشنطن بإلغاء العقوبات الأحادية وقيود مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية في المرحلة الأولى، وتسييل الأصول المجمدة عبر الإفراج عن 24 مليار دولار، نصفها يتاح فوراً من البنوك الدولية خلال فترة التنفيذ الممتدة لـ 60 يوماً.

كما حمل بند إنشاء صندوق استثماري لتعويض أضرار الحرب إقراراً مالياً وسياسياً بالمسؤولية عن التبعات نتيجة انسداد الحلول الميدانية، يرشح منها الحديث عن دفع دول الخليج المتورطة في العدوان على إيران فاتورة التعويضات، والبالغة قرابة تريليون دولار، الدفعة الأولى منها 300 مليار دولار قبل فتح مضيق هرمز.

وحول الملف النووي؛ كشفت مسارعة ترامب للتفاوض حول سقف التخصيب التناقض في خطابه السياسي، إذ لا تفاوض الدول الكبرى خصماً مجرداً من أوراقه وتكنولوجيته، وبحسب مجلة “إيكونوميست” البريطانية؛ فإن إيران حافظت على بنيتها التحتية الأساسية وحقها في التخصيب السلمي، لتخرج من المواجهة كدولة على عتبة نووية محمية بقدراتها الدفاعية والدبلوماسية، وهي محصلة من الالتزامات والضمانات التنفيذية المشروطة بآليات رقابة دولية تحت غطاء أممي سداسي، وبقرار مرتقب من مجلس الأمن الدولي يرفع كلفة أي انسحاب أحادي مستقبلي.

ويؤكد معيار النصر والهزيمة ميلانه لصالح طهران التي خرجت من هذه المواجهة ببنية نووية وصاروخية قائمة، ونظام سياسي متماسك، ووحدة ساحات مقاومة أكثر تماسكاً وتنسيقاً، وبذلك نجحت عقيدتها الدفاعية في إفشال إستراتيجية العدو، مجبرة القوى الكبرى على الانكفاء، لتفتح إيران فصلاً جديداً تصاغ معادلاته الأمنية والسياسية والعسكرية بناءً على نتائج الميدان وأوراق الضغط الإستراتيجية.