ما بعد الضاحية الجنوبية.. إيران تكسر قواعد الاشتباك وتفرض معادلة جديدة
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
8 يونيو 2026مـ – 22 ذو الحجة 1447هـ
لطالما تعامل العدو الإسرائيلي مع المنطقة وكأنها ساحة مفتوحة للاستباحة، يضرب في غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران متى شاء وكيف شاء، بغرور وعنجهية لم يشهد لهما التاريخ نظيراً، لكن المئة يوم الأخيرة كانت كافية ليكتشف العدو أن الأوان قد تغير، وأن معادلة “أضرب حيث أشاء دون ثمن” قد انتهت إلى غير رجعة.
اليوم وبعد أن تمكنت إيران من تثبيت معادلات الردع وإثباتها ميدانياً أن العدوان عليها له كلفة كبيرة، وصل الأمريكي والإسرائيلي إلى قناعة بصعوبة كسر الإرادة الإيرانية بالرغم من استخدام كل أساليب الاستهداف، وكلها فشلت لكن طهران لم تكتفِ بحماية سيادتها فحسب، بل اتجهت إلى تثبيت معادلة إقليمية جديدة وأكثر جرأة تتمثل في أن العدوان على لبنان أيضاً له كلفة كبيرة، وسيواجه برد إيراني عسكري يستهدف أكثر الأماكن حساسية في الكيان الإسرائيلي.
وهنا تكمن القفزة النوعية التي لم تجرؤ عليها أي دولة عربية أو إسلامية منذ عقود، فأن تقوم إيران بتنفيذ عمليات عسكرية نصرة للبنان، فهذا تطور نوعي وجرأة غير مسبوقة، خاصة وأن المعتدي هو الكيان الإسرائيلي الذي ظلت الدول العربية والإسلامية عاجزة عن فعل أي شيء أمامه خلال عامين من القتل والإجرام والحصار في قطاع غزة.
الضاحية الجنوبية كصاعق نار
كانت الضاحية الجنوبية لبيروت هي الشرارة التي أشعلت الغضب الإيراني، فبعد أن استهدف العدو الإسرائيلي هذه المنطقة الحساسة، معتقداً أن إيران غير مستعدة للتصعيد، جاء الرد إيرانياً سريعاً وقاسياً، وكسر كل التوقعات، ففي مشهد عسكري غير مسبوق، أطلق الحرس الثوري الإيراني ثلاث موجات صاروخية متتالية نحو الأراضي المحتلة، في عملية نوعية مدروسة حملت اسم “النصر”، واستهدفت أهم القواعد الجوية الإسرائيلية.
الموجة الأولى: استهدفت قاعدة “رامات ديفيد” الجوية، تلك القاعدة التي تُعتبر “رأس الحربة” الجوية الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة والتي انطلقت منها الطائرات التي قصفت الضاحية، وصلت الصواريخ الباليستية إلى قلب القاعدة وحققت إصابات مباشرة، رغم كل الدفاعات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المشتركة التي فشلت في اعتراضها.
الموجة الثانية: جاءت بعد أن حاول العدو الرد، ليكتشف أن إيران لا تلعب لعبة “واحد مقابل واحد”، بل ترفع السقف باستمرار. استهدفت هذه الموجة مراكز حساسة في قاعدتي “نيفاتيم” و”تل نوف” الجويتين، حيث تنطلق الهجمات الإسرائيلية ضد إيران.
الموجة الثالثة: وكانت الأكثر إيلاماً، حيث استهدفت منشآت بتروكيميائية في حيفا، رداً على استهداف العدو الإسرائيلي لأحد مصانع البتروكيماويات في إيران. هنا أثبتت إيران أنها تفهم لغة الحروب الحديثة، وأن معادلة “الطاقة مقابل الطاقة” أصبحت واقعاً جديداً، وأن أي مساس بالبنية التحتية الإيرانية سيقابله رد مماثل على نفس البنية في الداخل المحتل.
المفارقة أن صاروخ “أريحا 3” الإسرائيلي الذي أُطلق نحو إيران لم ينفجر، في فضيحة تقنية كشفت خللاً في 42% من رادارات العدو الإسرائيلي، بينما وصلت الصواريخ الإيرانية إلى أهدافها بدقة متناهية، باستخدام مزيج من صواريخ “عماد” و”قدر F” و”خيبر شكن” من الجيل الأخير، التي تصل سرعتها أثناء الهبوط إلى نحو 9 ماخ، ما يجعل تدميرها أمراً صعباً للغاية.
محور المقاومة كجبهة واحدة
ما حدث لم يكن مجرد عمل عسكري إيراني منفرد، بل كان مشهداً تاريخياً لتوحيد جبهات المقاومة على مستوى لم يسبق له مثيل. فبينما كانت صواريخ إيران تمطر سماء فلسطين المحتلة، كان حزب الله يطلق صواريخه من لبنان باتجاه حيفا والشمال، وكانت القوات المسلحة اليمنية تدخل الخط رسمياً بإعلان بيان تاريخي جاء فيه: “قامت القوات المسلحة اليمنية بإطلاق دفعة صاروخية استهدفت أهدافاً حساسة للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة، وقد حققت أهدافها بدقة بفضل الله”. وأعلنت أيضاً حظر الملاحة البحرية بشكل كامل وتام على العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر، معتبرة أن كل تحركات العدو أصبحت هدفاً عسكرياً.
هذا التنسيق غير المسبوق بين إيران واليمن ولبنان، إلى جانب غزة والعراق، أثبت أن محور المقاومة أصبح كتلة عسكرية موحدة قادرة على تنفيذ عمليات مشتركة، وكسر استباحة العدو التي طالما مارسها في المنطقة فلم يعد بوسع العدو الإسرائيلي أن يضرب هنا ويحصن هناك، بل أصبح يواجه جبهة واحدة من كل الاتجاهات.
انهيار بورصة “تل أبيب” وارتفاع النفط
الحروب الحديثة تمتد من الميدان، إلى الأسواق والمؤشرات الاقتصادية، وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً للكيان الإسرائيلي، ففي الوقت الذي كان فيه مجرم الحرب نتنياهو يختبئ في القبو مع قائد “القوات الجوية” في الكيان الصهيوني، كانت بورصة “تل أبيب” تنهار، وكان الدولار يقترب من حاجز ثلاثة “شيكلات” لأول مرة منذ سنوات.
وبلغة الأرقام: بورصة “تل أبيب” تخسر 2.5% من قيمتها في ساعات قليلة. مؤشر التأمين والمصارف ينخفض 1% بشكل متزامن. برميل النفط يرتفع بأربعة دولارات مباشرة بعد الضربات الإيرانية. شركة “ويز إير” تلغي رحلاتها لليوم والغد. ركاب طائرة “إلعال” الإسرائيلية يُجلون في مطار “بن غوريون” أثناء صفارات الإنذار.
هذا الانهيار الاقتصادي كان رسالة واضحة بأن الثقة في اقتصاد الكيان قد اهتزت، وأن تكاليف المغامرة العسكرية الإسرائيلية أصبحت باهظة، وكما قال المحللون، “حين تخسر إسرائيل 2.5% من قيمة بورصتها في ساعات، فاعلم أن المغامرة الإسرائيلية وصلت إلى نقطة لم يعد فيها الاقتصاد قادراً على تحمل تكاليف الحرب”.
والأخطر من ذلك، أن العدو الإسرائيلي أراد توسيع الحرب بضرب مصنع بتروكيميائي إيراني، فجاء الرد على المنشآت البتروكيميائية في حيفا. لعبت بورقة الطاقة، فردت إيران بورقة الطاقة نفسها. ومن يفهم لغة الحروب الحديثة يدرك أن الردع المتبادل بات قائماً على شبكات الطاقة لا الترسانات العسكرية.
تداعيات العدوان على التحالف الأمريكي الإسرائيلي
ربما كان الموقف الأمريكي هو الأكثر دلالة على حجم التحول الاستراتيجي، ففي لحظة كان العدو الإسرائيلي في أمس الحاجة إلى غطاء أمريكي، خرج مجرم الحرب دونالد ترامب – مرغما – ليعلن على “فوكس نيوز” أنه “ليس سعيداً بالهجوم الإسرائيلي على بيروت”، مضيفاً أنه “ضد العمليات الإسرائيلية” وأنها “لم تكن بالتنسيق معنا”. ثم تابع بنصيحة موجهة لطهران: “أطلقتم صواريخكم، هذا يكفي، عودوا إلى طاولة المفاوضات”، وهذه التصريحات ليست صحوة ضمير وإنما نتيجة لحجم الرد الإيراني.
والأكثر إحراجاً للعدو الإسرائيلي، أن الدفاعات الجوية الأمريكية استُخدمت فعلاً لمحاولة اعتراض الصواريخ الإيرانية، لكنها فشلت. وهذا ليس فشلاً اعتراضياً عابراً، بل إعلان رسمي عن عجز المنظومة الدفاعية الأمريكية–الإسرائيلية المشتركة عن صد الصواريخ الفرط صوتية الإيرانية.
معركة المعادلات وإعادة تعريف قواعد الاشتباك
ما نشهده اليوم يتجاوز كونه رداً عسكرياً عابراً أو تصعيداً مؤقتاً فنحن أمام تحول يعيد تعريف قواعد اللعبة في “الشرق الأوسط” بأكمله، ويفرض على جميع الفاعلين إعادة حساباتهم من الصفر.
في تطور غير مسبوق، كسر الفعل الإيراني الأخير قاعدة طالما استقرت في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، فهذه هي المرة الأولى التي توجه فيها طهران ضربة مباشرة إلى “إسرائيل” رداً على استهداف العدو لأراضي دولة أخرى، وليس رداً على هجوم استهدف الداخل الإيراني. هذا التحول الميداني يحمل دلالة قاطعة لا تقبل التأويل: لقد تم تعديل خطوط القتال بشكل جذري.
وقد أدرك الإيرانيون ذلك جيداً، فجاءت تصريحات القادة لترسيخ هذه المعادلة الجديدة. قال رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام صادق لاريجاني: “الهجوم الإيراني دفاعاً عن لبنان إعلان رسمي عن عقيدة استراتيجية. إذا تم التعرض لأحد أضلاع محور المقاومة، فإن ذلك سيستتبع رداً يتجاوز الحدود الجغرافية ويقلب المعادلات الإقليمية. طهران فتحت فصلاً جديداً من سياستها الدفاعية لا تكتفي فيه بانتظار التهديد لصون قوتها الإقليمية بل تبادر بالهجوم”.
أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فقال: “الجمهورية الإسلامية حطمت معادلة وقف إطلاق النار على الورق، كذلك حطمت انتهاكاته المتكررة على أرض الواقع”.
مئة يوم من الصمود.. من الدفاع عن السيادة إلى فرض قواعد التصعيد
لننظر إلى الإنجاز الإيراني في سياقه الأوسع: لقد مضت مئة يوم استطاعت فيها إيران أن تحقق ما لم تحققه أي دولة في المنطقة منذ عقود.
في هذه المئة يوم، تمكنت إيران من حماية بلدها واستهداف كافة القواعد الأمريكية في المنطقة وبسط السيطرة على مضيق هرمز بشكل كامل وتوحيد الجبهة الداخلية الإيرانية تجاه العدو الخارجي وإثبات أن أي عدوان على إيران له كلفة كبيرة لا يمكن تحملها. كما تمكنت إيران من تجاوز معادلة الدفاع عن النفس إلى معادلة حماية الحلفاء وكسر استباحة العدو للمنطقة عبر عمليات عسكرية موحدة مع اليمن ولبنان، بالإضافة لفرض معادلة جديدة أن الضاحية الجنوبية باتت داخل معادلة الردع.
وقد عبّر اللواء حاتمي، القائد العام للجيش الإيراني، عن هذا المشهد قائلاً: “مئة يوم وليلة من المقاومة والصمود، تجسد الإرادة الوطنية واتحاد إيران المتلاحمة، إضافة إلى أنها تمثل رسالة واضحة للتعاطف والاتحاد المقدس تحت قيادة السيد مجتبى خامنئي. إنها رد قاطع من إيران الموحدة على الأعداء الغادرين الذين يستهدفون استقلال الوطن”.
حين يفهم العدو لغة القوة فقط
في كل مراحل هذا التصعيد، كان واضحاً أن العدو الإسرائيلي لا يفهم إلا لغة القوة. رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم عزيزي قالها صراحة: “انتهاك أمريكا لوقف إطلاق النار في الخليج، وجرائم الكيان بفلسطين ولبنان يعني أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة. جبهة المقاومة ستخاطب العدو الأمريكي والصهيوني باللغة التي يفهمها”، وهذا ما حدث بالفعل، فبعد أن مارست إيران سياسة ضبط النفس والصبر الاستراتيجي، أدركت أن العدو لا يتراجع إلا أمام القوة المادية المباشرة، وعندما أظهرت إيران استعدادها لاستخدام هذه القوة، تغيرت المعادلات في لحظة.
ما بعد الضربة.. إلى أين تتجه الأمور؟
بعد أن نفذت إيران موجاتها الصاروخية الثلاث وأعلنت مقر “خاتم الأنبياء” وقف العمليات، مع تحذير شديد اللهجة من أي استمرار للاعتداءات، يبقى السؤال الأهم: إلى أين تتجه الأمور؟
السيناريو الأكثر ترجيحاً وفقاً لقراءة المشهد، هو أن العدو الإسرائيلي سيجد نفسه مضطراً لابتلاع هذا الرد والصمت عليه، وإذا أقدم العدو على المغامرة، فإن إيران كانت واضحة: “أي إجراء جديد سيُواجَه برد أشدّ وأقسى، وبأثمان أكبر”، كما قال مستشار قائد الثورة الإسلامية اللواء محسن رضائي. وأضاف الأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر: “إذا ارتكب التحالف الصهيوني الأمريكي خطأً آخر فستصبح المنطقة جحيماً له”.
معركة إرادات لا جغرافيا
في النهاية، إنها معركة معادلات أكثر مما هي معركة صواريخ، ومعركة إرادات أكثر مما هي معركة جغرافيا، فلطالما ظن العدو الإسرائيلي أن التفوق التكنولوجي والأمريكي يضمن له النصر في أي مواجهة، لكنه اكتشف اليوم أن الإرادة والعقيدة والإيمان تصنع الفارق حيث تفشل أحدث المنظومات الدفاعية.
لقد أثبتت إيران للعالم أنها لم تعد مجرد قوة إقليمية، بل أصبحت لاعباً رئيسياً في تحديد قواعد اللعبة في المنطقة، أثبتت أن ردعها لم يعد مقتصراً على حماية حدودها، بل امتد ليشمل حماية حلفائها في لبنان واليمن. أثبتت أن زمن الاستباحة الإسرائيلية قد ولى، وأن أي مغامرة جديدة ستكون كلفتها باهظة.
