من المقاومة إلى الجيش.. الكيان الصهيوني يوسّع دائرة استهدافه في لبنان

6

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
7 يونيو 2026مـ – 21 ذو الحجة 1447هـ

تقريــر ||  محمد ناصر حتروش

تكشف الاعتداءات الصهيونية المتواصلة على لبنان حقيقة اطماعها التي تتجاوز الادعاءات المتكررة بأن المشكلة تقتصر على سلاح المقاومة، فبينما تواصل واشنطن والعدو الإسرائيلي الترويج لفكرة أن نزع سلاح المقاومة سيقود إلى استقرار لبنان، تظهر الوقائع الميدانية اتجاهاً مختلفاً يعكس استهدافاً صهيونيا أوسع يطال الدولة اللبنانية ومؤسساتها.

وفي الوقت الذي تتعرض فيه المقاومة لضغوط أمريكية متزايدة عبر السلطة اللبنانية، يواصل الكيان الصهيوني استهداف الجيش اللبناني نفسه، موقعاً شهداء وجرحى في صفوفه، كان آخرهم ضابط لبناني استشهد هو ومرافقيه في اعتداء صهيوني مؤخراً.

وتثير هذه التطورات تساؤلات داخل الأوساط اللبنانية حول جدوى التنازلات السياسية والأمنية المقدمة تحت وطأة الضغوط الخارجية، كما تكشف طبيعة الأهداف الصهيونية الساعية إلى إضعاف مقومات القوة اللبنانية وتقويض عوامل الردع الوطنية، بما يفتح المجال أمام فرض معادلات جديدة تمس السيادة اللبنانية وتمنح الاحتلال هامشاً أوسع للتدخل والهيمنة.

رسمياً يؤكد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أن الاعتداء الصهيوني الذي أدى إلى استشهاد عدد من عناصر الجيش اللبناني لا يمكن اعتباره خطأً أو ناجماً عن شبهة، مشدداً على أن ما جرى يمثل استهدافاً مباشراً ومقصوداً للمؤسسة العسكرية اللبنانية.

وتقدم بري، خلال اتصال هاتفي بقائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، بالتعازي إلى المؤسسة العسكرية قيادةً وضباطاً وأفراداً، وإلى أسر الشهداء العميد وسام صبرا، والنقيب إيلي خوري، والجندي حسن غزال، الذين يستشهدون جراء العدوان الإسرائيلي الذي يستهدف منطقة الخردلي في جنوب لبنان.
بدوره يرى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن استهداف العسكريين اللبنانيين يعد استهدافاً للبنان بأكمله ولكافة اللبنانيين، في إشارة إلى خطورة الاعتداءات الصهيونية المتواصلة على مؤسسات الدولة اللبنانية.

في السياق يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية العميد نضال زهوي، مدير مركز الدراسات الأنثروستراتيجية، أن الاستهدافات الصهيونية التي تطال الجيش اللبناني تأتي في سياق ضغوط متواصلة تستهدف المؤسسة العسكرية ودورها الوطني، مشيراً إلى أن محاولات التأثير على الجيش لا تقتصر على الجانب الصهيوني فحسب، وإنما تمتد إلى مساعٍ أمريكية تهدف إلى تغيير منهجيته وعقيدته العسكرية.

ويوضح في حديث خاص لقناة المسيرة أن الولايات المتحدة تعمل منذ سنوات على التأثير في بنية المؤسسة العسكرية اللبنانية، معتبراً أن الاستهدافات الصهيونية الأخيرة تنسجم مع التوجهات الأمريكية في المنطقة، وتندرج ضمن مشروع أوسع يستهدف لبنان بأكمله وليس مناطق محددة فقط.

ويشير إلى أن الجيش اللبناني ما يزال يشكل المؤسسة الوطنية الجامعة التي تحظى بإجماع اللبنانيين، لافتاً إلى أن المؤسسة العسكرية ترفض الانخراط في أي صراع داخلي أو التحول إلى أداة تخدم الأجندة الإسرائيلية في الجنوب اللبناني.

ويبين أن العقيدة الوطنية للجيش اللبناني ما تزال تنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي بوصفه عدواً، رغم وجود أصوات محدودة تحمل رؤى مختلفة داخل المؤسسة، موضحاً أن هذه الأصوات تبقى في إطار الأقلية ولا تعبر عن التوجه العام للجيش.

ويلفت إلى أن الاستهدافات الصهيونية المتكررة للجيش اللبناني تأتي بسبب تمسكه بمواقفه الوطنية ورفضه الانجرار إلى مشاريع تستهدف الداخل اللبناني، مشدداً على أن المؤسسة العسكرية لا تزال تمثل ركناً أساسياً في حماية الاستقرار الوطني.

ويرى أن الاعتداءات الصهيونية لا تستهدف طائفة أو منطقة بعينها، وإنما تطال مختلف المكونات اللبنانية، مشيراً إلى أن قرى ومناطق سنية ومسيحية تعرضت، كما المناطق الأخرى، لعمليات تدمير واستهداف خلال الاعتداءات الصهيونية.

وفقاً لزهوي، فإن ما يجري يمثل سياسة صهيونية ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض اللبنانية، تبدأ من الجنوب وتمتد إلى مجمل الساحة اللبنانية، محذراً من أن هذه السياسات تأتي في إطار مشروع توسعي يستهدف لبنان ويهدد أمنه واستقراره.

ويشدد على أن الجيش اللبناني يبقى اليوم أحد أبرز عوامل التماسك الوطني، وأن الحفاظ على دوره الوطني واستقلالية قراره يمثلان ضرورة أساسية في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد.

بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي حسن حردان أن الاستهداف الأخير الذي طال ضابطاً في الجيش اللبناني يحمل أبعاداً تتجاوز طبيعته العسكرية المباشرة، مؤكداً أن العملية تختلف عن الاستهدافات السابقة التي تعرض لها الجيش اللبناني من حيث طبيعة الهدف وتوقيته.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يؤكد حردان أن الآلية العسكرية المستهدفة كانت معروفة للجانب الصهيوني، وأن الضابط المستهدف ينتمي إلى قيادة اللواء السابع المتمركز في منطقة مرجعيون، لافتاً إلى أن توقيت العملية يتزامن مع زيارة قائد الجيش اللبناني إلى باكستان، الأمر الذي يجعله يندرج، بحسب تقديره، ضمن سياق الضغوط المرتبطة بالمفاوضات والتحركات السياسية الجارية في المنطقة.

ويبين أن عملية الاغتيال جاءت بصورة مدبرة ومقصودة، معتبراً أنها تحمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز البعد الميداني المباشر، وتهدف إلى ممارسة ضغوط على المؤسسة العسكرية اللبنانية في مرحلة حساسة تشهدها الساحة اللبنانية والإقليمية.

وفي الشأن السياسي، يلفت حردان إلى أن تساؤلات واسعة تطرح داخل لبنان بشأن أسباب قبول السلطة الحالية بما يصفها بالتنازلات التي تتعارض مع المطالب والحقوق والثوابت الوطنية اللبنانية، معتبراً أن أي اتفاق يؤدي إلى تحويل الصراع من مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي إلى صراع داخلي لبناني يهدد السلم الأهلي والاستقرار الوطني.

ويقول: “إن التحولات الإقليمية التي أعقبت التطورات التي شهدتها المنطقة خلال عام 2024 أفرزت واقعاً سياسياً جديداً في لبنان، أدى إلى وصول سلطة أكثر استعداداً للتجاوب مع التوجهات الأمريكية”، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي لهذه السياسات يتمثل في تحقيق المتطلبات الأمنية الإسرائيلية عبر المسار السياسي بعدما تعذر تحقيقها ميدانياً.

ويعتبر أن الاتفاقات المطروحة حالياً تتجاوز في خطورتها اتفاقات سابقة عرفها لبنان، لأنها تربط أي خطوات إسرائيلية مستقبلية بمصير المقاومة وسلاحها، محذراً من أن أي محاولة لدفع الجيش اللبناني إلى مواجهة مع المقاومة من شأنها أن تؤدي إلى تفجير الوضع الداخلي وإدخال البلاد في مرحلة من الانقسام والصراع.

ويرى أن السلطة اللبنانية مطالبة بالحفاظ على السلم الأهلي والثوابت الوطنية والحقوق السيادية، مؤكداً أن شرعية الدولة تستند إلى حماية هذه الثوابت والالتزام بالدستور والوفاق الوطني.

ويشير إلى أن الصهاينة يسعون إلى تسويق ما يجري باعتباره إنجازاً سياسياً أمام جمهورهم الداخلي، إلا أن الوقائع الميدانية، بحسب تعبيره، تعكس صورة مختلفة في ظل استمرار المواجهات والخسائر العسكرية التي يتكبدها الاحتلال.

ويشدد حردان على أن المقاومة لا تزال حاضرة في الميدان وتمتلك القدرة على التأثير في مجريات الأحداث، مؤكداً أن أي تسويات أو ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تتجاهل الحقائق التي تفرضها المعادلات الميدانية على الأرض.

رسائل صهيونية حادة إلى الدولة اللبنانية

وتتواصل الاعتداءات الصهيونية على لبنان في ظل تصاعد التوترات الأمنية والسياسية، ما يثير تساؤلات حول أهدافها وانعكاساتها على دور الجيش اللبناني ومستقبل الأوضاع في الجنوب.

وفي هذا السياق، يسلط الكاتب والمحلل السياسي فراس فرحات الضوء على دلالات استهداف العسكريين اللبنانيين ورسائل الاحتلال، مبيناً أبعاد زيارة قائد الجيش اللبناني إلى إسلام آباد وما تحمله من مؤشرات تتصل بالدعم العسكري والتحركات الإقليمية الجارية.

ويوضح في حديث خاص لقناة المسيرة أن الاستهدافات الصهيونية المتواصلة في لبنان تعكس نهجاً عدائياً لا يميز بين المدنيين والعسكريين أو بين الطواقم الطبية والإعلامية، معتبراً أن الاحتلال يواصل انتهاكاته بحق الإنسان والأرض والسيادة اللبنانية دون مراعاة لأي اعتبارات إنسانية أو قانونية.

ويشير إلى أن استهداف الجنود والضباط اللبنانيين يحمل رسائل سياسية وأمنية واضحة، ويكشف طبيعة التعاطي الإسرائيلي مع لبنان، لافتاً إلى أن العملية جاءت بصورة مبرمجة ومتعمدة وتعكس رفض الاحتلال لأي دور يقوم به الجيش اللبناني في جنوب البلاد.

ويرى أن الكيان الصهيوني لا يريد وجود أي قوة على الأرض اللبنانية الجنوبية سوى قواته، ويعمل على إعاقة تمركز الجيش اللبناني وممارسة دوره الوطني، مؤكداً أن الاعتداءات الصهيونية لا تستثني أي مكون لبناني، بقدر ما تستهدف جميع اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم ومناطقهم.

ويلفت إلى أن استمرار الاعتداءات يأتي رغم وجود مفاوضات ومسارات سياسية قائمة، ورغم ما يصفه بحالة التقارب في بعض وجهات النظر بين السلطة اللبنانية والجانب الصهيوني، مشدداً على أن الاحتلال لا يتخلى عن سياسة فرض الوقائع بالقوة والتعامل مع لبنان من موقع الهيمنة والتفوق العسكري.

ويعتبر أن التصريحات الصهيونية التي تحدثت عن عدم إبلاغها مسبقاً بتحركات الضباط اللبنانيين تكشف توجهاً خطيراً يسعى إلى فرض آليات تنسيق مسبق مع الجيش اللبناني داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية تتعلق بمفهوم السيادة الوطنية وحدود التدخل الإسرائيلي في الشأن اللبناني.

ويفيد أن الدولة اللبنانية مطالبة بالتعامل بجدية مع هذه المواقف والتصريحات وما تحمله من دلالات سياسية وأمنية، محذراً من محاولات الصهاينة تحويل الجيش اللبناني إلى جهة مرتبطة بآليات تنسيق تخدم مصالح الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية.

وفيما يتعلق بزيارة قائد الجيش اللبناني إلى إسلام آباد، يشير فرحات إلى أن الزيارة تندرج ضمن مسار البحث عن آليات دعم الجيش اللبناني في ظل التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، موضحاً أن المباحثات تتناول سبل تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية وتوفير أشكال مختلفة من الدعم خلال المرحلة المقبلة.

ويضيف: “إن الزيارة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب العسكري المباشر، في ظل تنامي الحضور الباكستاني في ملفات الوساطة والمفاوضات الإقليمية، إلى جانب الحديث عن أدوار محتملة لإسلام آباد في عدد من القضايا المطروحة على المستوى الإقليمي والدولي”.

ويرى أن الزيارة تعكس حرص الأطراف المعنية على تأمين الدعم اللازم للجيش اللبناني، سواء عبر المساعدات اللوجستية أو العسكرية أو المادية، بما يمكنه من القيام بالمهام الموكلة إليه في ظل الظروف الأمنية المعقدة التي تشهدها البلاد.

ويشدد على أن الجيش اللبناني سيكون أمام مسؤوليات متزايدة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية تبقى معنية بصورة مباشرة بكل التطورات الأمنية والعسكرية المرتبطة بجنوب لبنان.

ويشير إلى وجود تمايز بين مواقف الجيش اللبناني ومواقف بعض القوى السياسية، معتبراً أن الجيش يواصل أداء دوره الوطني في دعم الاستقرار وحماية اللبنانيين، في حين تتجه بعض المواقف السياسية نحو خيارات مختلفة تتقاطع مع الرؤية الأمريكية للمنطقة.

ويخلص إلى أن المرحلة المقبلة ستتمحور بدرجة كبيرة حول دور الجيش اللبناني في حفظ الأمن والاستقرار والتصدي لأي تهديدات أو اعتداءات تستهدف لبنان، مؤكداً أن صورة قائد الجيش في إسلام آباد تحمل مؤشرات مهمة بشأن طبيعة التحركات والمهام المنتظرة خلال الفترة القادمة.