بدر الهدى: وثائقي خاص يروي محطات من حياة العلامة الرباني الراحل بدر الدين الحوثي (الجزء الأول)

19

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

7 يونيو 2026مـ – 21 ذو الحجة 1447هـ

يروي حياة العالم الرباني الراحل السيد بدر الدين بن أمير الدين الحوثي — رضوان الله عليه — (1345هـ — 1431هـ)، الجزء الأول، يتتبع سيرته، ومحطات هجرته بين ضحيان ومرّان، ومعاناته الإنسانية مع مرض الربو، وجهاده الفكري في الدفاع عن العقيدة والأمة، ومؤلفاته، مدعوماً بشهادات حية ومواقف فريدة تكشف لأول مرة عن جوانب من ورعه، وتقواه، وتعامله الإنساني الرفيع داخل أسرته ومع مجتمعه.

ففي اليمن الدولة التي تقع جنوب شبه الجزيرة العربية، وبادر أهلها إلى الإيمان بالرسالة المحمدية طواعية، وكان لهم دور بارز في نصرة النبي الأعظم محمد بن عبد الله — صلى الله عليه وآله وسلم — ونصرة آل بيته — عليهم السلام — حين انحرفت الدولة الإسلامية عن مسارها، لم يجد أهل اليمن بدّاً من اللجوء إلى أئمة آل البيت ليكونوا صمام الأمان لمجتمعهم وبلدهم، فوجهوا الدعوة للإمام الهادي إلى الحق، يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب — عليهم السلام —.

واختار الإمام الهادي — عليه السلام — صعدة لتكون مقر إقامته، فكان لها شرف استقباله واحتضانه، وذلك في سنة 280هـ، حيث بويع الإمام الهادي أميراً للمؤمنين من قبل القبائل اليمنية، ومثلت منارة تستوحي منها بقية المدن والمحافظات والمناطق اليمنية تعاليم القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف.

ومنذ ذلك التاريخ، توالى ظهور الأئمة والأعلام المجددين الذين حموا حمى العقيدة المطهرة، ووقفوا في وجه الغزاة الطامعين والطغاة الظالمين، وكانت مدينة صعدة وقراها مدارس دينية يأمها العديد من الطلاب، فأنجبت العلماء الكبار وجذبتهم إلى رحابها.

أسرة البدر

وباتجاه الشمال هاجر السيد العالم الأكبر الحسين بن محمد الحوثي من مدينة حوث إلى ضحيان في صعدة، وإلى هذا العالم تنتمي أسرة آل الحوثي الحسنيين، وهناك أنجب عدداً من الأبناء كالسيد العالم الرباني أمير الدين بن الحسين الحوثي، وإخوانه السادة العلماء الأفاضل: السيد الحسن بن الحسين، والسيد يحيى بن الحسين، وكلهم كانوا الغاية في العلم والتقوى ومكارم الأخلاق.

حينها كانت مدينة ضحيان على موعد مع بداية عصر جديد، وميلاد فجرٍ وليد سعيد أعاد للحياة رونقها ونضارتها، وللأمة عزها ومجدها، وللمبادئ صفاءها، وللجهاد معناه وحقيقته، وللعلم قداسته وجلاله، وللعرفان أصالته وبهاءه.

 

مولده ونشأته

ففي الـ 17 من جمادى الأولى سنة 1345هـ، ولد السيد بدر الدين بن أمير الدين الحوثي، الذي يمتد نسبه إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب — عليهم السلام —.

ونشأ السيد بدر الدين في أسرة كريمة مشهورة بالعلم والورع والتقوى والزهد والعبادة، بين السادة الأفاضل من العلماء: جده وأبيه وأعمامه، وفي رعاية والدته الشريفة الفاضلة فاطمة بنت حسين فايع الضحياني — رضوان الله عليها —.

ومثلت ولادة السيد بدر الدين ولادةً لمشروع قرآني جدير بالتبجيل والاهتمام، وكانت مساجد ضحيان التي تغص بالعلماء والمتعلمين آنذاك مهبطاً لطلاب الشرف يهاجرون إليها من شتى البلدان.

ففي هذه الأجواء الإيمانية والمحافل العلمية، نشأ السيد الراحل متنقلاً بين حلقات العلم والمعرفة، مرتشفاً من معاني التقوى والعرفان، فتتلمذ على أيدي كبار العلماء ونهل من علومهم، وبالأخص والده أمير الدين، وعمه الحسن، والقاضي العلامة عبد العزيز الغالبي — رضوان الله عليهم أجمعين —.

ومنذ طفولته قصد القرآن الكريم ولم يزل كذلك، حتى وصل في بدايات شبابه إلى مستوى يُشار إليه بالبنان؛ إذ لمس أساتذته وأقرانه فيه النبوغ والذكاء المقترنين بالسعي الدؤوب من أجل تكشف معاني القرآن وتبيُّن آياته وكلماته، فوصل إلى واحاته الخضراء، وغاص في أعماقه، وارتوى من ينابيعه الصافية ما أروى ظمأه، ومضى يتدبر القرآن آية آية، ويحول مفاهيمه إلى منهج عملي جهادي، يعكس توجيهات القرآن الكريم في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

معاناته مع مرض الربو

ابتُلي السيد بدر الدين بمرض الربو منذ الطفولة وعانى منه أشد المعاناة، في زمن لم تكن تتوفر فيه الأدوية آنذاك لهذا المرض، وكانت البلوى شديدة تكاد تجعله طريح الفراش، لولا رعاية الله سبحانه وألطافه، وقوة العزيمة وعلو الهمة لديه التي لا تدع مجالاً لليأس، ولا تعرف القنوط، ولا تنحني لنوائب الدهر، بل واجه كل الابتلاءات بصبر وجَلد عزَّ نظيره.

ومع بداية مرحلة الشباب، قيّض الله من يعينه على الابتلاء، فكان زواجه الميمون في سن السابعة عشرة تقريباً من أسرة كريمة فاضلة، وكانت تلك الزوجة الرافدة لمسيرته الإيمانية، والعون والأنيسة في السراء والضراء وشدة البلوى.

واصل السيد بدر الدين رحلته مع القرآن حتى ترسخت مفاهيمه وتجذرت في أعماقه وأشرقت في قلبه أنواره، فبدت آثارها في سلوكه وتصرفاته.

واشتدت وطأة المرض، فقرر الانتقال وهو في الثالثة والثلاثين من العمر إلى منطقة أخرى غير ضحيان، يكون مناخها مساعداً على تخفيف معاناته من مرض الربو، فكانت هجرته باتجاه بلاد خولان عامر، حيث المرتفعات الخضراء المطلة على سهول تهامة.

شيعي آل محمد

وفي قرية الرويس من بلاد البحري التابعة لمديرية ساقين — التي تكسوها الخضرة الدائمة بجوها اللطيف معتدل الحرارة وهوائها النقي — كانت محط رحلته، ومثلت خير مكان يبحث عنه كعلاج طبيعي لمرضه، بجوار مسجد القرية، في منزل صديقه ورفيق دربه ومحبه طوال حياته، الوالد الفاضل علي صالح الشارقي (شيعي آل محمد).

وفي السياق، يروي شيعي آل محمد مرحلة وصول السيد العلامة إلى القرية قائلاً: “في تلك المرحلة كان المجتمع يعاني من الجهل والضلال، وكان أكثر الناس غير متعلمين، وحين وصل عندنا العلامة بدر الدين — رضوان الله عليه — وسمعنا كلامه وحديثه عن أهمية صلاح الناس وصلاح دينهم ودنياهم، اشتقنا له وطلبنا منه البقاء عندنا”.

ويضيف الحاج علي صالح الشارقي: “في ذلك التاريخ كان السيد العلامة في عمر 33 عاماً ويعاني من (الربو)، وكان الجو عندنا معتدلاً، أفضل من ضحيان”.

 

حل النزاعات القبلية ونشر الهدى

العلامة البدر في أجواء قرية الرويس سرعان ما تحسنت حالته الصحية وأحس بالفرج، وأخذ يتنقل في مناطقها مرشداً ومعلماً ومصلحاً، مما جعل المجتمع يحس بالحاجة لبقائه واستمراره بينهم، حيث كانت إرشاداته القيمة مما يتطلبه الوضع لانتشار الأمية وبعض العادات والتقاليد غير المناسبة.

وهناك استطاع — رضوان الله عليه — بتوفيق الله سبحانه التغلب على النزاعات القبلية وغيرها من السلبيات، وحلها بين القبائل وأبناء المجتمع، وكل ذلك زاد ثقة أهالي المنطقة وحبهم له، حتى عملوا على ترغيبه في البقاء بينهم بشتى السبل.

وحينها قرر شيخ العشيرة ضيف الله بن إسماعيل — وهو من محبي آل البيت عليهم السلام، ومن الباذلين لمعروفهم والمحسنين والمحبين لأهل الدين — عقد قرانه على ابنته.

ويروي الحاج الشارقي قصة ذلك الموقف بقوله: “بقي السيد عندنا وزوَّجه الشيخ ضيف الله ابنته، فأنجبت منه أولاده: شهيد القرآن حسين بدر الدين الحوثي — رضوان الله عليه —، وعبد القادر، ويحيى بدر الدين، وأحمد بدر الدين”.

تم الزواج واستقر به المقام عشر سنوات أمضاها السيد بدر الدين في تلك البلاد، مضى خلالها يواصل رسالته في جبالها وأوديتها، حتى ترك الأثر العظيم في أوساط الناس الذين كانوا متعطشين إلى مثل تلك العلوم والإرشادات، فكان بمثابة النور الذي أضاء لهم الطريق والدليل الهادي إلى سواء السبيل.

ويوضح الشارقي مكان جلوس بدر الهدى مشيراً: “هنا كان يجلس السيد بدر الدين في هذه الزاوية من الغرفة، وهو متربع وينظر من نافذتها إلى الحقول والمدرجات الزراعية”.

هجرته الثانية إلى مرّان

في ذلك الوقت، كانت هناك مناطق أخرى متعطشة إلى إرشاده وتعليمه، فقرر العلامة بدر الدين التوجه إلى مرّان؛ حيث يذكر الشارقي أن السيد البدر بقي في قرية الرويس 10 أعوام، ثم انتقل إلى مرّان ليرشد الناس ويعلمهم كتاب الله، ويتنقل في قرى خولان بن عامر. وكان الناس في الرويس يحبونه ولا يطيقون مفارقته، فحزنوا عليه حزناً شديداً.

ففي مرّان — التي تطل على سهل تهامة من الناحية الشرقية وتتبع مديرية حيدان، وهي مثل بلاد البحري من حيث المناخ المعتدل والجو اللطيف — حط السيد العلامة بدر الدين رحاله على جبل العُمري، ومضى ينشر هدى القرآن، ويعلم الناس تعاليم دينهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.

وحين تعرّف الأهالي هناك على تعاليم دينهم، قرر — رضوان الله عليه — الانتقال إلى منطقة أخرى هي “خميس مرّان”، وهناك بقي فترة طويلة متنقلاً في عُزلها وقراها، معلماً ومرشداً ومربياً.

وفي هذه المنطقة، وضع السيد بدر الدين بذرة طيبة؛ إذ تخرجت على يديه مجاميع من الشباب المثقف الواعي الذين شكلوا الطليعة للنهضة الفكرية في ثمانينيات القرن الماضي، وكانوا بمثابة التحصينات الأولى التي أسسها السيد الراحل — رضوان الله عليه — لمواجهة العقائد الباطلة الدخيلة في المحافظات الشمالية.

وفي منطقة الخرب بمرّان، عمّر السيد الراحل له داراً، وهي أول دار يملكها، ولكن حاول مأجورون من قِبل بعض الزعامات القبلية العَملية تنفيذ أول محاولة لاغتياله فيها. وبعد هذا الحادث، انتقل السيد الراحل إلى دارٍ أعلى القرية، تعاون الأهالي في بنائها مع مسجد واسع بجوارها، واستقر به المقام لفترة طويلة، تزوج خلالها الزوجة الثالثة ثم الرابعة، واستمر في التدريس والتأليف.

 

طباعه وصفاته

وفي هذا الصدد، يروي الدكتور عبد الرحمن الحمران تفاصيل تلك المرحلة قائلاً: “بالنسبة لسيدي ومولاي العلامة الحجة بدر الدين بن أمير الدين الحوثي — رضوان الله عليه — فقد كان علماً من أعلام العلم والمعرفة والهدى والجهاد، وكان يجسد أخلاق جده الرسول الأكرم سيدنا محمد — صلى الله عليه وعلى آله وسلم — الذي قال الله فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، فكان سيدي بدر الدين يجسد أخلاق عظماء أئمة أهل البيت في تواضعه، وزهده، وتقواه، وورعه، ولين جانبه، وحسن تعامله مع الناس في جميع جوانب الحياة”.

ويتابع الحمران: “رغم احتكاكي الطويل به والعشرة الطويلة معه، ما سمعته في يوم من الأيام ينهر أو يرفع صوته على طالب من طلابه، أو على أحد أولاده، أو على أحد من الناس. كان البشر دائماً يعلو وجهه، والبسمات لا تفارق شفتيه، وكان رحيماً بالمؤمنين كجده رسول الله — صلى الله عليه وآله وسلم — حينما قال الله فيه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}؛ فهو كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً كجده رسول الله — صلوات الله عليه وآله وسلم —، يتبع آثاره، ويتقمص شخصيته وشخصيات عظماء أهل البيت — عليهم السلام —”.

ويضيف الحمران: “نقولها لله وللتاريخ: كان هذا الرجل من أعظم وأفضل وأروع وأتقى من عرفت في حياتي، ما كان يملك شيئاً لنفسه، بل كانت حياته كلها لله”.

ويردف: “كلامه لله، صمته لله، حركته لله، سكونه لله، موالاته لله، ومعاداته في الله، وتستطيع أن تقول — ولا أبالغ حينما أقول — إنه كان قرآناً يسير على الأرض. هذه حقيقة بالنسبة لهذا الرجل ومما رأيته منه، وما كنت أتخيل أو أتصور أنه يوجد في الدنيا من يتصف بهذه الصفات العظيمة جداً”.

ويزيد الحمران: “بأخلاقه وصفاته واهتمامه، شدّني السيد العلامة بدر الدين إلى التوجه القرآني والفكر الإيماني، وكان يهتم بطلاب العلم ويشجعهم كثيراً، ولم يكن يترك فضيلة إلا سعى إليها”.

فلقد كان السيد بدر الدين نموذجاً فريداً في جانب الورع والزهد والصبر، إنه بحق نموذج عزَّ أن يوجد له نظير، يجف القلم وتخرس الألسن ويحار الفكر دون أن يحيط بهذا الجانب من حياته — رضوان الله عليه —.

وكان التواضع من أبرز صفات السيد الراحل؛ فكان يذهب إلى السوق ويشتري الأغراض ويحملها إلى البيت، وكان يكرم الضيف ويقوم بخدمته بنفسه، فهو الذي يقرب الطعام للضيوف، ويصب القهوة، ويعطر كل زائريه. وحتى لو كان الزائر أحد أولاده، كان يتعامل معه بالحفاوة نفسها التي يتعامل بها مع الضيف الأجنبي، وعندما يُطرق الباب كان ينهض بسرعة لفتحه، حتى ولو كان الأولاد بجانبه.

لم يكن يرى لنفسه حقاً على أحد رغم كبر سنه ومعاناته من المرض، فعندما يقدم أحد له أبسط خدمة أو نفع، كان يرى ذلك إحساناً عظيماً، ويبقى أثره الطيب في نفسه دائماً، ويهتم بالمكافأة عليه اهتماماً كبيراً.

شواهد من تقواه وعبادته وكرمه وورعه

في هذا السياق، يروي وزير الإعلام الأسبق ضيف الله الشامي جانباً من شخصية العلامة الراحل بقوله: “كنت برفقة الوالد في زيارة له إلى صنعاء، وحمل قارورة من العسل البلدي الخالص ليقدمها هدية للسيد بدر الدين — رضوان الله عليه —. وطبعاً تقبلها السيد كما هي العادة؛ إذ يتقبل من الوالد ومن المخلصين بشكل عام، وممن يعرفهم ويتعايش معهم، من باب ألا يكون لهذه الهدية أو تلك غرض أو مصلحة، أو يراد من خلالها شيء”.